المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انثــــــــــــــــــــــى من ذهب


shereen
04-01-2008, 04:05 PM
ذات أصيل موغل في الجمال، سارت خطاي بدربها في ذات الوقت الذي أخذت فيه العصافير طريق العودة إلى أعشاشها. أيقنت سا عتها تحت وطأة جمال الأصيل وحنان الطيور وغربتي أنني فقدتها إلى الأبد، كيقين ذلك الطائر بحتمية وجود شريكته وصغاره في العش وأني فقدتها إلى الأبد.
بدأ كل ذلك منذ أكثر من عقد عندما رأيتها لأول مرة لاحظت دقة تقاطيعها وتخلل لونها المرهف مراكز الفرح في قلبي وعاث صوتها الرقيق الارباك في إدراكي كنت اترك الكلمات لأمسك بالصوت فتعاود الكلمات حضورها كمن ارادت ان تلتحف صوتها ليسمع. شعرت في ذلك اليوم بأنني سوف أركض وراء هذا الصوت بكل مفردات اللغة.
واصلت إدهاشي ببراءة مستحيلة على الادراك كانت صغيرة على الفكرة كبيرة كفكرة. ذات السادسة عشر عاماً ذات الكثير فكرياً. مثقفة بغير هشاشة لدرجة أنك تتساءل أين وجدت العمر لهذا كله؟ تعرف الكثير تشعرك بعد كل حوار انها أمضت عمراً تبحث في موضوع الحوار، أنثى صغيرة تستطيع هزيمتك ببراءة في كل ميدان بالتأكيد دون أن تقصد معني الهزيمة، الحياة بالنسبة لها محض سلام. حاورتها كثيراً وفي كل مرة فشلت في التفوق عليها فكرياً وأنا الأكبر سناً عجزت أن أظهر ثقافة أكثر منها تحاورك لتدهشك وتمضي كطفلة هزمتك فقط في لعبة الحجلة.
جميلة هي تنمو أمامي كشتلة فل....شذية ..ندية..نقية... أنيقة .. بيضاء .. جميلة.
أذكر مرة قلت لها بقصد الغزل... فيك كثير من زهرة الفل... فالت لي ببراءة يمكن لأنها زهرتي المفضلة إذن هي تعشق الفل. ياللشبه الغريب!
معتدة بنفسها ابية ذلك الإباء الذي يشعرك دوماً بغرابة أن تضع أنثى في هذه السن هذه القيمة الفريدة لنفسها. كنت أستاء أحياناً. من تظن نفسها؟ وقد غبضت منها مرة لدرجة الجنون وكان ذلك بعد أن أفتضح أمر حبي لها علم جميع أهلي وأهلها بإعجابي الشديد بها ولحسن الحظ كانت محط إعجاب وحب أهلي خاصة حجة فاطنة الوالدة فقلت لهم على سبيل جس النبض :
عايز اخطب سناء يا حاجة قالت لي ومالو بس أوع تقول ليك امشي كمل قرايتك. وضحكت فسألني أخي وما رأيها هي قلت له لا أعلم ..
أخذ أخي الأكبر أحمد الموضوع على عاتقه وإقترح أن نخرج جميعأ كأسرة للعشاء ويتم طرح الموضوع بوجود جميع الأطراف.
تحمست للفكرة لأني كن أخاف مواجهة هذا الموقف لوحدي. فهي شخصية لا تفعل ابداً المتوقع منها دائماً تفاجأك بمواقفها.
المهم ! في اثناء العشاء قال أحمد للحاضرين من الأسرتين :
يا جماعة محمد ده قال عايز يخطب سناء .
صمت الجميع وتحولت انظارهم اليها في جو من المرح . سألها أحمد : ما رأيك؟
رفعت رأسها من صحنها وقالت بكل هدوء دون أن يبدو عليها إنها قد تفاجأت بالطلب بل كأنها انتظرته:
لكن أنا ما بفكر في الزواج في اسة.
قالتها كمن تقول حتى أني لا أعرف ما هو الزواج.
وواصلت طعامها كأنه أهم وآخر فعل تقوم به في الدنيا.
وسط زهول الحاضرين وإستغرابهم من رده فعلها الغريبة.
جن جنوني في ذلك اليوم وقلت لنفسي ماذا تظن نفسها؟
لكني فقط كنت أكابر ومطعون في كبريائي لأني أعرف ماذا تظن نفسها فأنا ايضاً أشاركها الظن.
ومن تلك اللحظة التي أربكتنا فيها جميعاً واصلت تعاملها معنا جميعاً بصورة عادية كأن شيئاً لم يكن. وسط دهشة الجميع وإعجابي الصامت الشامت على نفسي.
وساد جدل واسع بين الشباب من الأسرتين ماذا يعني هذا ؟ هل رفضت؟ هل أرجأت الفكرة؟ طبعاً كنت الحيطة القصيرة كما يقول المثل الكل يسألني لا أحد يجرؤ على سؤالها.
حتى أنا.
تخيفني نظرتها إلي ، كنت أحسها لا تنظر إلي بل خلالي. تثيرني مشيتها الجادة نعم والله تثيرني كأنها تمشي بقدميها الصغيرتين الأنثويتين على أوتار أعصابي.
احب الحديث معها كنت أسألها عن كل شئ إلا عن مشا عرها تجاهي كنت أخاف الرد المائع أو الرد القاطع لا أدري، سألتها مرة :
عايزة تدرسي شنو في الجامعة؟
قالت لي: ما عارفة . أي حاجة . بس ما حاجة تقليدية . يعني ما باب دخلوهو ناس كثار. عشان الزول يعمل حاجة شوية مختلف.
قلت ليها مداعباً: يعني ما عايزة تبقي دكتورة؟
هزت راسها ناظرة إلى لأفق بعيد كأن هنالك شئ مختلف ينتظرها.


يتبع

shereen
04-01-2008, 04:07 PM
وساد جدل واسع بين الشباب من الأسرتين ماذا يعني هذا ؟ هل رفضت؟ هل أرجأت الفكرة؟ طبعاً كنت الحيطة القصيرة كما يقول المثل الكل يسألني لا أحد يجرؤ على سؤالها.
حتى أنا.
تخيفني نظرتها إلي ، كنت أحسها لا تنظر إلي بل خلالي. تثيرني مشيتها الجادة نعم والله تثيرني كأنها تمشي بقدميها الصغيرتين الأنثويتين على أوتار أعصابي.
احب الحديث معها كنت أسألها عن كل شئ إلا عن مشا عرها تجاهي كنت أخاف الرد المائع أو الرد القاطع لا أدري، سألتها مرة :
عايزة تدرسي شنو في الجامعة؟
قالت لي: ما عارفة

لحظتها قررت دون أن الاحظ حتى، قررت في غفلة ومن وعي أن أسبق ذكائها .... أن أسبق انوثتها .... أن اسبق تطلعها وانتظرها خلف ذلك الأفق البعيد. وكانت هذه كبوتي الأولى في سباقي مع نفسي في الطريق اليها.
لأسباب مختلفة من ضمنها هي قررت السفر إلى مصر وعندما حان موعد سفري شعرت بالأسى الشديد لفراقها لدرجة أني فكرت أكثر من مرة لألغاء مشروع السفر برمته. لكن جزء مني أراد التحدي ومحاولة الظفر بها عن جدارة.
في يوم السفر كانت موجودة في بيتنا بحكم صداقتها مع ابنة خالتي وبنات أختي. حدثتها عن مشروعي وقلت لها:
اني افتقدك منذ الآن أرجو أن توافقي على مراسلتي لك.
قالت لي برقتها المعهودة: جداً يسعدني.
طلب منها عنوان للمراسلة . كتبت لي عنوان في قصاصة ورق. لما أخدت منها القصاصة وكعادة ما يحدث معها دائماً تجد ان الأمور ليست كما توقعت.
قلت لها تريديني أن أراسلك على هذا العنوان جادة؟
وكان عنوان والدها.
قالت لي لي بنفذ صبر من أثقل عليه بالطلبات:
انت عايز تراسلني ولا .. ولم تكمل
لكني شعرت كأنها قالت لي أتود مراسلتي أم مضاجعتي.
لحظتها تلبسني خجل شديد من براءتها وصدقها وحرصها الشديد على عدم اللولوة.
معها حق لو كنت أود المراسلة فقط لا غبار.
إذن.
أرسلت ليه رسالتي الأولى مرتبكة خائفة .... وجلة من أن تكون بالغت في تقدير علاقتها مع والدها وأكون بالضرورة قد سببت ليها موقف محرج.
وصلني ردها مفعم بالحرارة والأفكار الصريحة كأنها تقول لي : يا لجبنك أنظر وتعلم أن لا رقيب على الإنسان سوى نفسه. وأن الأفكار ليست خطيئة.
تواصلت المراسلة بيننا لدرجة أني اصبحت أتنفس كلماتها. كنت أعرف اهتماماتها الفلسفية والسياسية. رغم أختلافاتنا الفكرية لكن سراً هي من ورطني في هذا الدرب.
فكان أن أنتميت لحزب البعث. كنت اتخيل مدى بطولتي أمامها عندما تجدني قادراً على تحديد انتماءاتي الفكرية والسياسية.
شكل حبي لها في هذه الفترة من حياتي قوة الرمز.
كانت تتحدث في راسائلها لي عن أي شئ سواي وعن كل المشاعر عدا الحب. ولكن للمفارقة كانت تبدو جميع كلماتها لي قصائد حب وكلمات غزل.
حتى كتابتها السياسية كانت تفيض نصاعة لدرجة تتمنى معها لو كنت الديالكتيك لتفوز بتحليلها (الساخر أحياناً)
بعد فترة في القاهرة تملكتني رغبة شديدة في العودة للسودان فقط لرؤيتها.
فاجأتها بعودتي ولكني كما يقول جدي من نوع الناس الما بتتوب بالهين. أردت مفاجأتها بعودتي وجدتها متفاجأة لسبب آخر تماماً كامعتاد.
فقد ذهبت لرؤيتها في المدرسة التي تدرس بها تفاجأت من حضوري في المدرسة. كأن عودتي من القاهرة كانت عادية بل كانت تنتظرها.
سألتني ببراءة ممزوجة بالدهشة :
ليه ما جيت في البيت؟
إرتبكت وقلت لها كم افتقدتها وكم اشتقت لها وأنني فضلت رؤيتها وحدها في مكان محايد.وقلت لها كل ما اسعفتني به ثقافتي من كلمات تبرير.
اتسعت دهشتها لتشمل الموقف كله ولم تعلق.
يا لصمتها في وقت أحتاج فيه بشدة لإفصاحها لأتمكن من سبر اتجاهات تفكيرها.
صمتت كأنها تعتصم خلف موقف ما.
طلبت منها أن نتمشي حتى البيت. لفرحتي وافقت بسهولة فوفرت المرافعة القوية التي أعددتها لإقناعها. لكن لدهشتي وافقت بشرط أن أدخل معها البيت.
تبين لي حينها الموقف . أنه هي . يا لها من أنثى شديدة التوازن. تعلمك درس في الصدق وعدم التحايل فقط من خلال التصرف دغري وبصدق.
لم ترد أن تخفي هذه الزيارة عن أهلها فتصرفها بتلقائية ذكية أفسد علي خطي في أن أحملها على خلق أسرار في حياتها. حتى لو كانت في شكل مغامرة صغيرة.
فأهلها يعرفون كم أحبها ويعرفون أن جميع أفراد اسرتي يضعوها في حدقات العيون.
لكن ماذا أرادت من هذا الموقف؟
هل ارادت أن تعلن عن العلاقة أو عن عدم إكتراثها بها؟ أم فقط رفضها أن تحمل وزر الكتمان؟
لكني لم استطع التكهن في ذلك الوقت.
فقبلت بالشرط .

shereen
04-01-2008, 04:10 PM
أنقضت عطلتي ورجعت إلى مصر. أكملت عامها الدراسي وعرفت من أسرتي بأنها قادمة إلى مصر في طريقها للدراسة في إحدى الجامعات الأوربية.
هيأت نفسي منذ سماعي الخبر للقائها حشدت كل عواطفي كل انجازات السياسية والفكرية وكل رغبتي في الارتباط بها إلى الأبد.
علم كل أصدقائي باحتفائي الداخلي بمقدمها، أصبحت بين ليلة وضحاها أشهر من تمثال رمسيس بالنسبة لأصدقائي. كادوأن أن يذهبوا معي إلى المطار لإستقبالها.
دهشت كعادتها في تعاطي الدهشة كسلوك يومي عادي تسجل من خلاله قبولها أو رفضها للأشياء ، دهشت من حفاوتهم ومن تزاحم مشاعري.
تعلمت من تجربتي في التعاملمعها أنه أفضل الطرق إليها هو الطريق المباشر. أخبرتها عن حبي لها عن رغبتي القوية في مشاركتها الحياة. عن دراستي عن خططي المستقبلية عن انتمائي الحزبي عن تجميدي للدراسة بناءاً على توجيه من الحزب وسفري للعراق. وكانت هذه كبوتي الثانية في سباقي مع نفسي في الطريق اليها.
حاورتني في البداية وصمتت في النهاية ذلك الصمت الذي يشعرك بأنها تعتصم بموقف ما .
حان وقت سفرها قابلتها قبل يوم الرحيل جاءت من بعيد كشجرة باباي إستوائية ، صغيرة رشيقة أنيقة مخضرة شهية عصية.
تمشي نحوي بتلك الخطوات الجادة التي كانت تمشي بها دوماً على أوتار أعصابي ، مشية غير بطيئة غير سريعة، كأنها تمشي نحوك أو عليك ، كأنها تأتيك وحدك أو لكل الناس، كأنها تأتي لك وحدك أو لا لأحد.
لم أسر نحوها بل وقفت أتأمل هذا السحر المشع من لونها الذي يزداد بهاءاً بإقترابها منك كأنه يرسل ألوان الطيف أمامه لتفسح له الطريق.
يا لقوامها الدقيق الذي ينبئ عن أنوثة ما بين القارات. مدت إلي يدها كأنها تربت على مشاعري أن أهدأي!
أخذت يدها لا أعرف ماذا أصنع بها ووددت لو إحتفظت بها إلى الأبد.
قالت لي ............. يا لصوتها ذلك الصوت الذي هو شئ بين مرور النسيم وقطر الماء وشفافية الضوء صوت تخرج من خلاله الابتسامة كأنها ترقص
قالت لي: نقعد قدام النيل . يعز علي فراقه.
قلت في سري: وأنا ؟ ألا يعز عليك فراقي؟
جلسنا قبالة النيل في دواخلي اردته أن يوثق لهذه اللحظة. كانت تنظر إلى النيل بعشق ظاهر أثار غيرتي. فكنت افتعل من الحديث ما يجبرها على النظر إلي بهاتين العينين المدينتين الفاضلتين ، واحدة لأفلاطون والأخرى لها. كانت نظرتها تربكني تحملني إلى مدينة تعرفها وحدها فهي من بناها كنت أهوى بلا توقف في أعماقها السحيقة.
لم تربكني هذه الأنثى وأنا من تمنيت ولو للحظة أن أثير ارتباكها.
هي الآن تعرف كم أحبها لكن ليتني أعرف لو كانت تحبني فهي لا تميل إلى لغة الاعترافات المتبادلة وتشعرك دوماً بأنها لا تقول الا ما تعنيه فعلاً.
جلست قربي ذلك اليوم كقديسة تنتظر بصبر فراغ الحديث اليومي وتتأهب لمناجاة طويلة مع الخالق. جلست أمامها كراهب يدلي بإعترافاته التي ليس من ضمنها خطيئة واحدة سوى الخوف.
نظرت إلى جانب عنقها جميل الإلتفاتة وقلت لها بصوت آت من أعماق النيل:
خايفك تضيعي مني في أوروبا.
ضحكت ضحكتها الصافية التي ما انفكت تذيب قلبي طوال الستة أعوام الماضية وقالت لي :
ما تخاف ما حأضيع منك . لأني لو ضعت حأضيع من نفسي في الأول وإنت عارفني بريد نفسي قدر شنو.

shereen
04-01-2008, 04:15 PM
حانت لحظة الفراق نهضت لأوصلها الفندق.
كانت تعيد لي التوازن وهي تسير إلى جانبي أدركت كم ستعيد التوازن لحياتي لو سارت معي بقية العمر.
أمسكت بيدها لمساعدتها على عبور الطريق المزدحم بالسيارات المسرعة. تتملكني رغبة قوية في حمايتها من القدر. لاحظت إنها المرة الأولى التي أمسك فيها يدها بغير قصد السلام .. سرت رعدة خفيفة من يدها إلى كل عصب في. نظرت إليها لأعرف هل كانت هذه اللحظة مشتركة؟
لم أعرف شيئاً سوى السؤال أي زلزال أي عاصفة إستوائية تستطيع أن تخترق هذه المرأة المفرطة السكينة. ووقفت عند مدخل الفندق كمن يقف على حافة حياته. قالت لي ضاحكة:
ما تعاين لي كدة زي القاعد ترثيني.
رديت بصوت اقتلعته من عمق الحزن: بل أرثي نفسي فأنا أتمنى أنك تعيشي للأبد.
قالت لي ضاحكة، تلك الضحكة التي تذيب أعصابي بصفائها وطفولتها:
تكفيني اربعين سنة كمان أعدك أني حأحتفظ فيها بشكلي وعقلي.
قلت في سري: وأنا أفقد شكلي وعقلي.
تمنيت ساعتها لو ضممتها لصدري لو قبلتها .
لكني كن أعرف سلفاً أنه ما من رجل يجرؤ على إنتهاك قدسية تلك الأنثى ولو بكتاب موثق دون رغبتها.
وعرفت أيضاً إنها ما زالت طفولية الرغبات...........
مددت يدي مودعاً وإتفقنا على أن أوصلها إلى المطار غداً.
ذهبت لا أدري إلى أين همت في شوارع القاهرة ما شاء لي الحزن والخوف والهواجس.
حضرت في الصباح لأقلها إلى المطار.
نزلت في ألق ملائكي سعيدة كأنها ذاهبة لتبدأ مشروع حياتها.
وبالمقابل كنت حزين كمن يختم أهم فصول حياته.
محاولاً كسر الصمت والحزن علقت قائلاً:
شعرك جميل .
وقد كان ينسدل كشلال على كتفيها
قالت بتلقائية كادتني:
حأقصه أول ما أصل هناك.
نظرت اليها مستنكراً
قالت لي: ما بيكون عندي وقت أهتم بالغابة دي.
قلت لها بشبه توسل: ما تقصيهو.
قالت لي ضاحكة: ما تقول لي جمال المرأة شعرها. تعرف؟ الشعر زي المال يمشي ويجي وتبقى المرأة. أرجوك أهتم بالباقي.
حانت لحظة الرحيل. نادت مكبرات الصوت في صالة المطار على رقم رحلتها.
وقفت أمامي صامتة لحظات استشفيت الحزن في عينيها .
قالت لي بصوت خفيض افتقدت فيه رنة الضحكة المختبئة عادة في صوتها:
خلي بالك من نفسك.
أول مرة نخاطبني بهذا الدفء وهذه الحميمية.
وكانت هذه من أكثر العبارات خصوصية التي وجهتها لي طيلة الستة أعوام.
إحتضنت يدها دون كلام فقد كنت أحتمي بالصمت من الدموع.
سحبت يدها وتوجهت نحو بوابة الخروج من عالمي. شعرت حينها بأن حمامة بيضاء طارت من قلبي إلى المجهول.

shereen
04-01-2008, 04:18 PM
بعد إختفائها من نظري خلف بوابة المغادرة شعرت بيتم غريب. ولفني إحساس قاتم بالفراغ والوحدة خفق قلب كطائر جريح. همت على وجهي في منطقة المطار إلى أن حضر أحد أصدقائي للبحث عني.
أخذني من يدي وست معه إلى لا مكان فقدت أخذت مهعا المكان والزمان . صمت عن الكلام والوجود زمناً خلته العمر كله لكنه تبين إنه أيام عدة من ضياع تام. عدت إلى نفسي بصعوبة. طفت بجميع الأماكن التي تواجدت فيها علني أجد بعضي هناك.
بحثت في شخصيتها عن أسباب تقويني في قتامة يتمي بفقدها. فكرت كيف أنها أنثى مصفحة ضد الضعف والعجز كيف أنها تعتصم بالموجب ضد السالب.
لكي أجدر بها يجب أن اتصفح بالممكن ضد المستحيل عدت للعدو إثرها بإستكما دراستي وكما نصحتني يوماً قائلة: أبني شخصيتك أسس لحياتك بمعزل عن الإخفاقات . أوجد لنفسك معبراً ناجحاً في المساحات المفخخة باالفشل.
عملت بنصيحتها. خفت أن أفشل وأجدني مضطراً لتعليق فشلي على مشجب حبها. ما لا يجوز.
بعد عدة أيام وصلتني منها رسالة حكت لي فيها بداياتها هناك. أضحكتني كثيراً بالمقالب التي تعرضت لها. وهجمة البرد الشرسة.
أدهشتني بشجاعتها وقدرتها على التأقلم مع العالم من حولها. في الختام وعدتني بالكتابة مجدداً إلى أن تصل إلى عنوانها النهائي وعندها سوف استطيع الكتابة اليها.
إضطررت للسفر مجدداً للعراق. غلت المنطقة بحرب الخليج. تعرضت للموت مراراً. كنت أنجو من أجلها في كل مرة. عايشت أهوال كثيرة ، وكانت هي تميمتي التي أعادت إلى فرص الحياة.
إنقطعت أخبارها نتيجة حتمية لعدم إستقراري. مرت الأعوام والأوهام دونها وهي في خاطري .
عدت للسودان وكنت اتسقط أخبارها بطرق غير مباشرة . (كم حذرتني هي من الطرق الغير مباشرة) . كانت تنصحني دوماً بأن أذهب إلى هدفي مباشرة حتى لا افقد اثره.
عرفت أنها مستمرة في دراستها بنجاح فائق الشبه بشخصها. ناشطة على مستوى يكاد يكون عالمي.

shereen
04-01-2008, 04:19 PM
ذات شتاء خرطومي شفيف وأنا أفتقدها شد ما يكون الأفتقاد، عاد أخي الأكبر من النمسا حيث مقر عمله في عطلة قصيرة للخرطوم. كان صديقي وأقرب أخواني إلي كنت أعرف إنه على أتصال بها بشكل أو آخر لكنه لم يطرق سيرتها إلى أن سألته.
فقال لي إنها كانت في فينا في دورة تابعة للجامعة التي تدرس بها وإنها قضت أشهر الصيف الثلاثة معهم بالمنزل. سألته ما ذا قالت كيف بدت كيف أثرت عليها الغربة؟
ضحك من لهفتي . وقال لي:
تعرف؟ علىعكسك خالص ما عارف الخجل ولا الكبرياء. لكن بدت هادئة تماماً لما جبنا سيرتك.
من حيث الشكل هي كما هي طفلة في شكل إمرأة أو إمرأة في شكل طفلة. سعيدة ومبسوطة ما بتعرف أبداً شنو الممكن يسعدها إلى هذا الحد.
لكن أحسن حاجة تنساها.
اندهشت وأنا أعرف إعجابه بها وتقديره الشديد لها.
قلت متسائلاً: ليه الحصل شنو. في شنو أنا ما عارفو؟

قال لي: سألتها عن مستقبل علاقتكم. شعرت بأنها كانت منتظرة السؤال. لكن ما عندها ليهو أي إجابة.
سألته: هل عرفت انو عندها علاقة مع زول تاني؟ بتحب زول ثاني؟
قال لي: أبداً حسب معلوماتي إنها رفضت إي محاولة إرتباط بالعكس إنها حريصة على البعد عن العلاقات العاطفية وتتعامل مع كل زملاءها بشكل عادي. لكن لما سألتها كانت ردودها ما واضحة أو ما مفهومة. على أي حال أظن أنها ما مهيأة من حيث المبدأ لمسألة الزواج. أو بالأصح الرجل غير مطروح بالنسبة ليها كشريك على الأقل في الوقت الحاضر.
إذا كنت مصر شكلك حتنتظر كثير وتبذل جهد أكبر عشان تغير إتجاهات تفكيرها.
سألته عن عنوانها. قال أنه لا يتذكره ربما يكون مكتوباً في مكان ما في منزله في فينا قال سوف يرسله لي لو تذكر.
عرفت أنه لن يرسله فهو تقليدي في نظرته للمرأة، ولم يجد فيها أي تقليد لأي إمرأة عرفها في الدنيا . بالنسبة له حسب تعبيره إنها من نوع النساء اللائي يتركنك دوماً متأرجحاً بين الأرض والسماء. والرجل يحتاج إلى أرض ، بيت ، سرير.
سافر هو.
ومرت الأعوام وفقدت أثرها تماماً. كنت أجدها في خطاباتها القديمة، في كتاباتي عنها في اللوحات التي رسمتها من الذاكرة لوجهها، في صورة قديمة سرقتها من فاطمة بت خالتي، في الأماكن التي تواجدت فيها .
فقط في الماضي فحاضري خالي منها إلا في خيالي.
في هذا الزمن الفراغ منها ومن كل ما يقرب منها، دخلت حياتي صباح. إمرأة من لحم ودم، سيطرت على حياتي بإحكام أنثوي غريب، أحبتني لدرجة عدم قدراتي على الإفلات. قارنت بينهما.
لا وجه للمقارنة لكن الغريب في الأمر وجدت نفسي أفكر في الأمر
رجحت كفة صباح فقط بالحضور والتواجد، هي إمرأة حاضرة بعواطفها طيبتها وكانت سناء أسطورة .
جلست مع صباح حكيت لها كل ما يتعلق بسناء. حذرتها من خطورتها على مشاعري حال ظهورها. أخبرتها أنها قد تكون الزوجة الأولي لكن تظل الحبيبة الثانية.
وافقت صباح ربما على أمل أن تختفي سناء تماماً من سمائي وإلى الأبد.
خطبت صباح . وكانت هذه خطوة استفزازية لمشاعر سناء حتى تظهر مرة أخرى في عالمي. وقد كانت هذه كبوتي الثالثة في طريقي إليها.
فبعد خطوبتي بفترة قصيرة سمعت إنها تخرجت ورجعت وأنها سوف تتزوج نهاية العام نفسه اي بعد خطوبتي من صباح قررت هي الزواج ايضاً من محظوظ تقاطع طريقيهما في مكان ما في غفلة مني ومن الزمان والمكان.

لم التقيها بعد عودتها وزواجي أبداً هربت من كل طريق يمكن أن تكون فيه.
علمت بعد ذلك بسنوات إنها لم تكن في أي درب تخيلته. وعلمت أنني في غمرة تخيلي الهروب كنت أقتفي دربها في دأب من يبحث عن عمره.
ضبطت نفسي وأنا أسمي إبنتي نفس الأسم الذي تخيلتها سوف تسميه لأبنتها لو رزقت بنتاً. سبحان الله كانت إمرأة تجيد كل شئ حتى إختيار الأسماء. لها فلسفة غريبة ومريحة في الحياة.

shereen
04-01-2008, 04:22 PM
ذات مساء مفعم بذكراها ككل الأمسيات وأنا جالس في حديقتي المفتعلة أمام باب منزلي أتاني صوت الكاشف من بعيد في مقطع جميل من أغنية أحتار أنا...بقت حياتي مقسمة نص في الأرض ونص في السما . فكرت في الكيفية الغريبة التي قسمت بها حياتي في الصباح العمل الذي لا يشبه في أي جزئية منه تكويني في بدايات المساء أطيافها التي سكنتني في تملك غريب وفي الليل صباح التي تكافح شبحها في صمت وصبر رسالي دؤوب.
سرحت مع صوت الكاشف في انتظار إبراهيم صديقي الذي إعتاد مشاركتي الأمسيات فهو صديق حميم لي شاءت الصدفة أن يكون صديق الرجل الذي تزوجته سناء فكان موعدي معه يرتبط دوماً بتحركها الحر في ذاكرتي المسكونة بها فجالت في خاطري حواراتنا الكثيرة وتوقفت عنوة في إطار بحثي عن سبب تفريطي فيها عند حوار دار بيننا عن الخداع فقد كنا نتحدث عن صديق مشترك بيننا كنت سراً أغير منه.
تذكرت جزئية من الحوار حيث قلت لها: أحذري أن يخدعك.
قالت لي في حكمة غريبة على من هن في سنها: كل إنسان يسمح لأحدهم أن يخدعه. فأحرص على أن تحسن إختيار من يخدعك.
ضحكت حينها والآن بعد مرور الأعوام الوخيمة. إكتشفت حكمتها في هذا القول الفذ.
فلم أحسن إختيار من خدعوني لدرجة فقدها
وصل إبراهيم وضحك مطولاً من حالة الجذب التي تعتريني حاول أن يخرجني منها بأحاديث في السياسة العربية أغرقتني مجدداً في ذكراها تحدثنا عن وضع الأحزاب اليسارية ودورها في المنطقة فذكرني ذلك حديثها عندما قلت لها: أخشى أن تصبحي شيوعية.
ضحكت تلك الضحكة التي تحيل أعصابي إلى سائل وقالت لي: تعلم الفرق بين الشعوبية والأممية. أصل الموضوع في الفكر والمرحلة. ناهيك عن الشعوبية ممكن الفكر الانساني في ظرف عشرة سنوات أو أكثر يتخطى الأممية. أرجوك راهن على جواد رابح.
ضحكت مطولاً على قولها في غمرة تعصبي للفكر البعثي وقلت في سري يا لها من طفلة خيالية.
تذكرت هذا كله تلك الأمسية الفاصلة.
وفكرت: هل كانت هذه المجنونة تفكر في العولمة لهذا غيرت مجال دراستها؟؟ وقررت في تلك اللحظة المشحونة بالذكريات أن أخرج هذه الأسطورة من رأسي تماماً بفعل أكثر جنوناً.
وقلت لنفسي لابد من رؤيتها حتى أتأكد من أنها تحولت إلى سيدة عادية تزور جاراتها وتمارس الفراغ والقطيعة وقهوة الضحى ولا تذكر من السياسة والجدل إلا العناوين.
قررت الكف عن الهروب غير المجدي من دربها فكرت في رؤية المنزل الذي تسكنه ونوع حياتها لأهزم إلى الأبد تلك المرأة الفكرة في داخلي.
ذهبت في مساء اليوم التالي حسب ما رسخ في ذهني من حديث إبراهيم إلى الشارع حيث منزلها. وكانت هذه خطوة جنونية. لأني على يقين من أنني لن أجرؤ على دخول منزلها هذا لو استطعت تحديد مكانه.
وكانت هذه كبوتي الرابعة في طريقي إليها وخطوة جادة في طريق الجنون.
أين العقل في هذا؟ ذهني صفحة بيضاء لا استطيع التكهن بما سيأتي حتى أني لا أعرف إلى أين أنا ذاهب . وارد جداً أن أمشط الطريق وأعود أدراجي. وأنا في هذه الهاوية الشعورية سائر في الشارع المعني وأتخيل أن كل من قابلني إكتشف تباشير الجنون . وفجأة أنفتح باب على يميني وظهرت سناء أمامي . ذات الأناقة ذات الجمال ذات الرقة ذات الدهشة الصامتة.
قلت في سري يا إله السموات!
وترنحت خطوات إلى الوراء ...............
إتجهت نحوي سلمت علي كأنها تتوقع حضوري. بل تنتظرني.
هل يعقل هذا؟؟
بعد هذا العدد من السنوات.... إنه عقد كامل
كيف عرفت بمروري في هذا الطريق في هذا اليوم في هذه الساعة ........المغربية؟؟؟
سلمت علي وسألتني من ناس بيتنا وأولادي كأنها كانت تعرف آخر أخبارنا. وأنا مندهش من غرابة الموقف الذي وضعت فيه نفسي مع سابق التصميم والإصرار أمام إجاباتي المبهمة وهمهماتي ضحكت تلك الضحكة.
قلت يا ربي: كيف إحتفظت بها كل هذه السنوات؟
أدركت أنها تنتظر خطوتي التالية.
قلت لها: تعالي سلمي على ناس البيت. وأسرعت ماضياً في طريق لم أكن أدرك نهايته. أفقت لنفسي بعد ساعات في منزلي. أدركت فقط أنني فشلت.
لا أعرف كيف وصلت ولا أي طرق سلكت فقط عرفت أنني كنت طوال هذه السنوات أقتفي أثرها وأنها تسكنني لدرجة الجنون.
لم أعرف قط أن هذه الحادثة وقعت بالفعل أم أنني خرجت تماماً عن محيط العقل وبدأت رحلة الجنونة الميمونة.
بعد ثلاثة أشهر من هذا المساء حضرت إلى منزلنا حاولت بطريقة غير مباشرة أن أعرف سبب زيارتها وهي التي لم تزور منزلنا قط منذ عودتها من أوربا.
حاولت أن أحتشد كل قدرتي للتأكد من أن ذلك اليوم كان حقيقي وأنني فعلاً التقيتها أمام منزلها.
وقد هالتي المفآجأة إذ وجدت أنها حضرت لنفس السبب............حضرت لتتأكد من أننا قد التقينا ذلك اليوم.
تأكدت حينها فقط من أن هذه السيدة الفريدة قد سكنتني منذ أعوام وإلى الأبد. وأن حضورها يشكل وجداني بشكل غريب.
تعرفت على أطفالي سلمت على حاجة فاطمة وتعرفت على صباح كانت مواجهة غريبة بينها وبين صباح. هربت فاطمة إبنة خالتي وزينب إبنة أختي إلى المطبخ تركت وحدي بين السيدتين واحدة أمضت الأعوام تحارب شبح الأخرى والأخرى ليست لديها أدنى فكرة عن هذه الحرب.
فكرت هل أهرب أنا أيضاً؟؟
تذكرت شجاعتها في مواجهة الموقف.
قلت في سري: أركز يا رجل وشوف الشابتين ديل حيديروا الموقف كيف؟
توترت صباح في البداية لكن سناء تعاملت ببساطة الضيفة المهذبة فنجحت في إذابة بعض الجليد خرجت لأحضر سجائري وعندما عدت وجدت جو من الألفة شديد الجمال مما أخرج زينب وفاطمة من المطبخ.
كان الحديث في ظاهره عام جداً لكن وصلتني الرسائل تباعاً.
أنهت الزيارة في إتفاق صامت بأن حد الجنون هنا.
وما تبقى من عقل هو نصيب هؤلاء الأطفال الرائعون.
بعد ذهابها قالت لي صباح: ياخي دي أنسانة لطيفة
قلت في سري: انت كتلت يا رجل. فقد حضرت لتضع اللمسة الأخيرة على اللوحة وانتزعت إعجاب أول الأعداء وآخرهم. وتركت في داخلي جرثومتها إلى الأبد.
بزيارتها
وضعت حد لسباق فرسينا في فلسفة صامتة بليغة. تركتني أدرك أن الفرق بيننا هو الفرق بين الحكمة والتهور.
عرفت أنني منذ أن عرفتها أخطو أملاً أن أسبقها فتقفز هي سابقتني ، أحاول تحديد نظرتها للمستقبل بحد الأفق لأكتشف أن ما للأفق من حدود.

أدركت أنني في محاولة فتح الدروب إليها كنت أضع العقبات واحدة تلو الأخرى دون قصد.
قد تكون أحبتني كل هذا العمر ولكني في محاولات التزاكي وضعت حاجزاً بعد الآخر في طريقي اليها لم تتركني .. لم أتركها ......... لكن شق علي عبور حواجزي التي كانت وللفاجعة من صنع يدي.

لم تتخل عني ولكني كنت أحتاج إلى منظار أشعة فوق الحمراء لرؤية الدرب اليها. وبدلاً منه وضعت كائنات من بعضي في حاجز اصبح هو الأصعب والمستحيل عبوره.
وتركت لها أن تضع النهاية لتثبت لنا جميعاً أنها أنثى من ذهب أو بالأحرى أن الذهب منها.

shereen
04-01-2008, 04:24 PM
حزنت قلييييلاً على نهاية الثلاثي الممزوج بالحب والحبكة، لا أخفي عليك راحتي بنهاية الورطة.
شعرت أني تركت الجماعة عند أهلهم وعدت وحدي لأول مرة منذ سكنوني وحدي إلى البيت.نمت خلسة وأنا أعرف أن صباح تجابد لتصوغ نهاية وحدها لتترك لي خيوط المأسآة أنسجها مرة أخرى وحدي بخيوط الألم.
قلت لأسرق لحظات الراحة سابقة المؤامرة
لا أعرف متى يبدأون الحوامة في رأسي مرة أخرى
أرجوك اسبقهم بالقراءة