المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكايات عربية


fatima
10-22-2005, 11:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ورمضان كريم
هذه تعتبر مشاركتي الاولي الفعلية في هذا المنتدي الرائع ارجو ان تجد القبول ،وهي بعض الحكايات القصيرة من التراث العربي وجدتها في احد المواقع العربية واعجبتني ورايت ان انقلها لكم هنا لتعم الفائدة
(1)
أماني
مرض أحد الصحابة يوماً، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه الرسول، فقيل له:‏ ‏ إنه انتقل إلى رحمة الله، فقال ألم يقل شيئاً، فقيل له إنه حين وفاته قال:‏ ‏ ليتها كانت كثيرة، ليتها كانت الجديدة، ليته كان كاملاً، فلم ندر ماذا يعني بذلك، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام، إن هذا الصحابي كان يسعى ذات يوم جمعة، مهرولاً إلى المسجد، فوجد في الطريق رجلاً ضريراً، وليس معه من يقوده، فأخذ بيده إلى المسجد، فعند الموت رأى ثواب ذلك فقال:‏ ‏ ليتها كانت كثيرة.‏ ‏ وكان في يوم من أيام الشتاء القارس، يسعى إلى صلاة الصبح، فوجد رجلاً بالطريق، يكاد يموت من شدة البرد، وكان يلبس حـُلتين إحداهما جديدة، والأخرى قديمة، فأعطى الرجل القديمة، وعند الموت رأى ثواب ذلك، فقال ليتها كانت الجديدة.‏ ‏ وفي أحد الأيام، رجع إلى داره، فسأل امرأته عما لديها من طعام، فقدمت له رغيفاً من خبز الشعير، فلما هم بتناوله، إذا بطارق بالباب يقول: إني جائع، فأعطاه نصف الرغيف، وعند موته رأى ثواب هذا فقال ليته كان كاملاً.
(2)
أخلـص قلبـك لله
قال مالك بن دينار، رضي الله عنه:‏ ‏ خرجت إلى الحج، وفيما أنا سائر في البادية، إذ رأيت غراباً في فمه رغيف، فقلت:‏ ‏ هذا غراب يطير وفي فمه رغيف، إن له لشأناً، فتبعته حتى نزل عند غار، فذهبت إليه، فإذا بي أرى رجلاً مشدوداً لا يستطيع فكاكا، والرغيف بين يديه، فقلت للرجل:‏ ‏ من تكون؟ ومن أي البلاد أنت؟ فقال:‏ ‏ أنا من الحجاج، أخذ اللصوص مالي ومتاعي، وشدوني وألقوني في هذا الموضع كما ترى، فصبرت على الجوع أياما، ثم توجهت إلى ربي بقلبي وقلت:‏ ‏ يا من قال في كتابه العزيز: "أمـّن يجيب المضطر إذا دعاه" فأنا مضطر فارحمني، فأرسل الله إليّ هذا الغراب بطعامي.‏ ‏ قال مالك: فحللته من الوثاق، ثم مضينا فعطشنا، وليس معنا ماء، فنظرنا في البادية فرأينا عليه ظباء، فدنونا منه فنفرت الظباء، وأقامت غير بعيد، فلما وصلنا إلى البئر كان الماء في قعره، فاحتلنا حتى استقينا وشربنا، وعزمت ألا نبرح حتى نسقي الظباء، فحفرت وصاحبي حفرة وملأناها بالماء، وتنحينا فأقبلت الظباء فشربت حتى رويت، فإذا هاتف يهتف بي ويقول: يا مالك، دعانا صاحبك وتوجه إلينا بقلبه ونفسه فأجبناه وأطعمناه، وحللنا وثاقه وسقيناه، وتوكلت علينا الظباء فسقيناها (3)
أحمد بن طولون والصيّاد
ركب أحمد بن طولون فاجتاز بشاطئ النيل فوجد عنده شيخًا صيادًا عليه ثوب خلق لا يواريه، ومعه صبي في مثل حاله من العُرْي وقد رمى الشبكة في البحر. ‏ ‏ فرثى لهما أحمد بن طولون، وقال لنسيم الخادم: ‏ ‏ يا نسيم، ادفع إلى هذا الصياد عشرين دينارًا. ‏ ‏ ثم رجع ابن طولون عن الجهة التي كان قصدها واجتاز بموضع الصياد فوجده ملقى على الأرض وقد فارق الدنيا والصبي يبكي ويصيح. فظن ابن طولون أن شخصًا قتله وأخذ الدنانير منه. فوقف بنفسه عليه وسأل الصبي عن خبره فقال الصبي: ‏ ‏ هذا الرجل ـ وأشار إلى نسيم الخادم ـ وضع في يد أبي شيئا ومضى، فلم يزل أبي يقلبه من يمينه إلى شماله ومن شماله إلى يمينه حتى سقط ميتًا. ‏ ‏ فقال ابن طولون لغلمانه: فتشوا الشيخ. ‏ ‏ ففتشوه فوجدوا الدنانير معه. وأراد ابن طولون الصبي على أن يقبض دنانير أبيه إليه فأبى، وقال: ‏ ‏ أخاف أن تقتلني كما قتلت أبي. ‏ ‏ فقال أحمد بن طولون لمن معه: ‏ ‏ الحق معه، فالغِنَى يحتاج إلى تدريج وإلا قَتَل صاحبَه. ‏ من كتاب "سيرة أحمد بن طولون" لابن الدَّاية.
(4)
أبي نواس مع شاعر الأندلس‏
كان عباس بن ناصح، الشاعر الأندلسي، لا يَقْدم من المشرق قادمٌ إلا سأله عمَّن نَجَمَ هناك في الشعر، حتى أتاه رجل من التجار فأعلمه بظهور أبي نواس، وأنشده من شعره قصيدتين؛ إحداهما قوله: ‏ ‏ جَرَيْتُ مع الصِّبا طَلـْقَ الجُمُوحِ ‏ ‏ والثانية: ‏ ‏ أما ترى الشمس حَلـَّت الحَمَلا ‏ ‏ فقال عباس: ‏ ‏ هذا أشعرُ الجن والإنس. واللّه لا حبسني عنه حابس. ‏ ‏ فتجهَّز إلى المشرق. فلما حلَّ بغداد نزل منزِلة المسافرين، ثم سأل عن منزل أبي نواس، فأُرشـِد إليه، فإذا بقصر على بابه الخـُدَّام. فدخل مع الداخلين، ووجد أبا نواس جالسًا في مقعد نبيل، وحولَه أكثرُ متأدّبي بغداد، يجري بينهم التمثل والكلام في المعاني. فسلّم عباس وجلس حيث انتهى به المجلس، وهو في هيئة السفر. ‏ ‏ فلما كاد المجلس ينقضي، قال له أبو نواس: مَن الرجل؟ ‏ ‏ قال: باغي أدب. ‏ ‏ قال: أهلاً وسهلاً. من أين تكون؟ ‏ ‏ قال: من المغرب الأقصى. وانتسب له إلى قرطبة. ‏ ‏ فقال له: أَتَرْوي من شعر أبي المخشيّ شيئًا؟ ‏ ‏ قال: نعم. ‏ ‏ قال: فانشِدني. ‏ ‏ فأنشده شعره في العمى. فقال أبو نواس: ‏ ‏ هذا الذي طَلَبَتْه الشعراء فَأَضَلَّتْه. أنشـِدني لأبي الأجرب. ‏ ‏ فأنشده. ثم قال: أنشدني لبكْر الكنانيّ. ‏ ‏ فأنشده. ثم قال أبو نواس: ‏ ‏ شاعر البلد اليوم عباسُ بن ناصح؟ ‏ ‏ قال عباس: نعم. ‏ ‏ قال: فأنشِدني له. فأنشده: ‏ ‏ فَأَدْتُ القَريض ومَنْ ذا فَأَدْ ‏ ‏ فقال أبو نواس: أنت عباس؟ ‏ ‏ ‍قال: نعم! ‏ ‏ فنهض أبو نواس إليه فاعتنقه إلى نفسه، وانحرف له عن مجلسه. فقال له مَن حضَر المجلس: ‏ ‏ من أين عرفَته أصلحك اللّه؟ ‏ ‏ قال أبو نواس: ‏ ‏ إني تأمّلته عند إنشاده لغيره، فرأيته لا يُبالي ما حدث في الشعر من استحسان أو استقباح. فلما أنشدني لنفسه استَبَنْتُ عليه وَجْمَةً، فقلت: ‏ ‏ إنه صاحبُ الشِّعر! ‏ ‎‎ من كتاب "طبقات النحويين واللغويين" للزُّبيدي الأندلسي.
(5)
إبراهيم الموصلي وزائره الغريب‏
قال المغنـِّي إبراهيم الموصلي: ‏ ‏ استأذنتُ هارون الرشيد في أن يَهَبَ لي في كل أسبوع يومًا أخلو فيه مع جواري، فأذِن لي في يوم الأحد. وقال: ‏ ‏ هو يومٌ أسْتَثـْقـِلُه. ‏ ‏ فلما كان في بعض الآحاد أتيتُ الدارَ فدخلت، وأمرتُ الحجـّابَ ألاّ يأذنوا لأحد عليّ، وأغلقت الأبواب. ‏ ‏ فما هو إلا أن جلست حتى دخل عليَّ شيخ حسنُ السَّمْتِ والهيئة، على رأسه قلنسوة صغيرة، وفي رجله خُفـّان أحمران، وفي يده عصا مُقَمَّعَة بفضـَّة. ‏ ‏ فلما رأيتـُه امتلأتُ غيظـًا، وقلت: ألم آمر الحجـّاب ألا يأذنوا لأحد؟ ثم فكرت وقلت: ‏ ‏ لعلهم علموا من الشيخ ظَرْفًا وهيئة، فأحبوا أن يُؤْنسوني به في هذا اليوم. ‏ ‏ وسلـّم الشيخ، فلما أمرته بالجلوس جلس، وقال: ‏ ‏ يا إبراهيم، ألا تغنّيني صوتـًا؟ ‏ ‏ فامتلأت عليه غيظـًا، ولم أجد إلى ردّه سبيلاً لأنه في منزلي، وحملته منه على سوء أدب العامة. فأخذتُ العود وضربتُ وغنيت ووضعت العود. ‏ ‏ فقال لي: ‏ ‏ لِمَ قطعت هزارك؟ ‏ ‏ فزادني غيظـًا، وقلت: لا يُسـَيِّدُني ولا يُكَنِّيني ولا يقول أحسنت! فأخذت العود فغنّيت الثانية، فقال لي: ‏ ‏ أحسنت! فكِدْت واللّه أشقّ ثيابي! وغنّيت تمامَ الهزار. فقال: أحسنت يا سيدي! ثم قال: ناولني العود. ‏ ‏ فواللّه لقد أخذه فوضعه في حِجره ثم جَسَّه من غير أن يكون ضَرَب بأَنْمـُلَة، فواللّه لقد خِلْتُ زوال نعمتي في جَسِّه. ‏ ‏ ثم ضرب وغنّى: ‏ وقــد زعمـوا أن المـحبّ إذا دنـا يُمـَلُّ، وأن النـَّأْيَ يُسلي من الوَجـْدِ بكــلٍّ تداوينا فلـم يـُشـْفَ ما بنا ‏ ‏ على أن قربَ الدار خيرٌ من البُعـْدِ ‏ فواللّه لقد خِلـْت كل شيء في الحضرة يتغنّى معه حتى الأبواب والستور والنمارق والوسائد وقميصي الذي على بدني. ثم قال: ‏ ‏ يا أبا إسحاق! هذا الغناء الماخوريّ، تعلـّمه وعلـِّمه جواريك. ‏ ‏ ثم وضع العود من حِجره وقام إلى الدار، فلم أره. فدفعت أبواب الحرم فإذا هي مغلقة، فسألت الحجّاب عن الرجل، فقالوا لي: ‏ ‏ لم يدخل عليك أحدٌ حتى يخرج. ‏ ‏ فأمرت بدابّتي فأُسْرِجت، وركبت من فوري إلى دار الخليفة، واستأذنت. فلما رآني قال ألم تنصرف آنفـًا على نيّة المقام في منزلك والخلوة بأهلك؟ ‏ ‏ قلت: ‏ ‏ يا سيدي، جئتُ بغريبة. ‏ ‏ وقصصت عليه القصة. فضحك الرشيد حتى رفع الوسائد برجليه. وقال لي: ‏ ‏ كان نديمُك اليوم إبليس يا أبا إسحاق. ودِدتُ أنه لو مَتَّعَنَا بنفسه كما متـَّعك! ‏ من كتاب "جمع الجواهر في المُلـَح والنوادر" للحـُصـْري. ‏
(6)
أُجـرة الحمـار
حكم القاضي بمصر بإفلاس رجلٍ كَثُرت ديونُه، فأركبه حماراً وطوَّف به في البلد ليحترز الناس من معاملته بعد ذلك. ‏ ‏ فلما أُنزِل عن الحمار قال له صاحبُ الحمار:‏ ‏ أين أجرةُ الحمار؟‏ ‏ فقال له: يا أبله، فَفِيم كُنّا طول النهار؟! من كتاب "الكشكول" لبهاء الدين العاملي.
(7)
لا أرضـاها لــك خطب رجلٌ إلى ابن عبّاس يتيمةً يربّيها عنده، فقال ابن عباس:‏ ‏ لا أرضاها لك.‏ ‏ قال:‏ ‏ ولـِمَ، وفي حـِجْرِك نَشـَأَتْ؟‏ ‏ قال:‏ ‏ لأنها تتطلـّع إلى الرجال وتنظر.‏ ‏ قال الرجل:‏ ‏ لا أرى في ذلك عيبًا.‏ ‏ فقال ابن عباس:‏ ‏ الآن لا أرضاك لها. ‏ من كتاب "عيون الأخبار" لابن قتيبة. ‏ (8)
إنـّا أعطيناك الجـَماهـِر ‏
ادعى رجل النبوة في زمن خالد بن عبد الله القـَسري، وعارض القرآن. فأتى به خالد، فقال له:‏ ‏ ما تقول؟‏ ‏ قال: عارضتُ في القرآن ما يقول الله تعالى: (إنـّا أعطيناك الكوثر. فصلِّ لربك وانحر. إن شانـِئك هو الأبتر)، فقلت أنا ما هو أحسن من هذا: إنـّا أعطيناك الجماهـِر، فصلِّ لربك وجاهـِر، ولا تـُطع كل ساحر وكافر.‏ ‏ فأمر به خالد فضـُربت عنقه وصـُلب على خشبة. فمر به خـَلف بن خليفة الشاعر فقال:‏ ‏ إنا أعطيناك العـَمود. فصلِّ لربك على عود. وأنا ضامن عنك ألا تعود! ‏ من كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه. (9)
أهلـي.. أهلــي
وفد أعرابي على كسرى أنو شروان، فسأله عن اسمه وصناعته، فأجابه، أنا الحارث بن كـِلدة، طبيب العرب، فقال كسرى:‏ ‏ ما يصنع العرب بالطبيب، مع سوء أغذيتهم؟ قال:‏ ‏ إن كان هذا حالهم، فهم أجدر بالطبيب، فقال:‏ ‏ وكيف يعرفون من يسلمون إليه أمرهم، مع ما هم عليه من شدة الجهل، قال:‏ ‏ إن الله عز وجل قسم العقول بين العباد، كما قسم الأرزاق، وأخذ القوم نصيبهم، ففيهم ما في غيرهم من جاهل وعالم، وعاجز وحازم وغير ذلك، فقال:‏ ‏ ما هو المحمود من صفاتهم، قال:‏ ‏ هو أكثر من أن يـُحصر، فإن لهم أنفساً سخية، وقلوباً جريـَّة، وعقولاً صحية، وأنساباً نقية، لغتهم أفصح اللغات، وأوسعها في التراكيب والكلمات، ألسنتهم طليقة، وعباراتهم رقيقة، يمرُق الكلام من أفواههم مروق السهام من أوتارهم، أعذب من الماء وألين من الهواء، يطعمون الطعام، ويواسون الأيتام، عزهم لا يرام، وجارهم لا يضام، فاستوى كسرى على كرسيه، وجرى ماء الحلم في وجهه، وقال لجلسائه مشيراً إلى ابن كلدة: ‏ ‏ إني وجدته راجحاً، ولقومه مادحاً، وبفضلهم ناطقاً، ولما يورده من لفظه صادقاً، وكذا العاقل، من أحكمته التجارب، ولا يكون حاطباً مع كل حاطب، ثم بشَّ في وجهه قائلاً، لله درك من عربي، لقد أعطيت علماً، وخـُصصت فطنة وفهماً، وأحسن صلته، وقضى جميع حوائجه.

منقول من موقع عجيب ولي عودة انشاء الله

المسافر
10-22-2005, 11:54 PM
بداية رائعة يا فاطمة .....................

عساها لا تتوقف .....................

وكوني دوما بالجوار ....................

fatima
10-23-2005, 01:33 PM
شكراً لك أخي المسافر
وباذن الله سوف اكون دوما معكم
ولك كل التقدير

BrBrNeT
10-24-2005, 11:33 AM
الأخت فاطمة أهلا بك في منتديات شبكة بربر
سعداء بوجودك بيننا
وإزدادت سعادتنا أكثر بطرحك لأول مواضيعك

إدارة منتديات شبكة بربر
10-24-2005, 11:44 AM
تم نقل الموضوع لمنتدى القصص والروايات

للإختصاص

بت السرور
10-25-2005, 12:35 PM
‏ إن الله عز وجل قسم العقول بين العباد، كما قسم الأرزاق،


fatima
جعلنا الله من ذوي العقول النيرة المنيرة ووفقك وسدد خطاك

fatima
10-25-2005, 01:08 PM
شكراً لكم بربر نت واختي بت السرور وانار الله لكم طريقكم دنيا وآخره

fatima
10-25-2005, 02:51 PM
(10)
أذان بـــلال
رُوي أن بلالاً رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول له:‏ ‏ ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال، فانتبه حزيناً وجلا خائفاً، فركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يبكي عنده، ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له:‏ ‏ نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فعلا سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر، ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ازدادت رجتها، فلما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله، خرجت العواتق من خدورهن وقلن:‏ ‏ أبـُعـِثَ الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قال:‏ ‏ فما رأيت يوماً أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم. ‏
(11)
أُخرج بالتي هي أحسن
نزل أبو الأغر، وهو شيخ أعرابي من بني نهشل، ضيفا على بنت أختٍ له تسكن البصرة، وذلك في شهر رمضان. فخرج الناس إلى ضياعهم، وخرج النساء يصلِّين في المسجد، ولم يبقى في الدار غير الإماء وأبي الأغرّ. ودخل كلب من الطريق إلى الدار، ثم إلى حجرة فيها، فانصفق باب الحجرة ولم يتمكن من الخروج. ‏ ‏ وسمع الإماءُ الحركة في الحجرة فَظَنَنَّ لصّا دخلها، فذهبت إحداهن إلى أبي الأغر فأخبرته، فأخذ عصا ووقف على باب الحجرة وقال: ‏ ‏ يا هذا إنك بي لعارف. أنت من لصوص بني مازن، وشربتَ نبيذًا حامضا خبيئا حتى إذا دارت الأقداح في رأسك مَنَّتْكَ نفسُك الأماني، فقلتَ: أَطْرُقُ دُورَ بني عمرو والرجال في ضياعهم والنساء يصلين في المسجد فأسرِقهن. سَوْءةً لك! والله ما يفعل هذا رجلٌ حر! وبِئْسَمَا مَنَّتْك نفسُك! فاخرج بالتي هي أحسن وأنا أعفو عنك وأسامحك وإلا دخلتُ بالعقوبة عليك. وأيم الله لتخرجنّ أو لأهتفن هَتْفَةً فيجيء بنو عمرو بعدد الحصى، وتسأل عليك الرجال من ها هنا، وها هنا ولئن فعلتُ لتكوننَّ أشأم مولود في بني مازن. ‏ ‏ فلما رأى أنه لا يجيبه أخذ باللين فقال: ‏ ‏ أخرج بأبي أنت منصورا مستورا. إني والله ما أراك تعرفني، ولئن عرفتني لوثقت بقولي، واطمأننت إليّ. أنا أبو الأغر النهشلي، وأنا خالُ القوم وقُرّة أعينهم، لا يعصون لي رأيا، وأنا كفيلٌ بأن أحميك منهم وأن أدافع عنك. فاخرج وأنت في ذمتي، وعندي فطيرتان أهداهما إليّ ابن أختي البار، فخذ إحداهما حلالا من الله ورسوله، بل وأعطيك بعض الدراهم تستعين بها على قضاء حوائجك. ‏ ‏ وكان الكلبُ إذا سمع الكلام أطرق، فإذا سكت أبو الأغرّ وثب الكلب وتحرّك يريد الخروج. فلما لم يسمع أبو الأغرّ ردّا قال: ‏ ‏ يا ألأم الناس! أراني في وادٍ وأنت في آخر. والله لتخرجن أو لأدخلن عليك. ‏ ‏ فلما طال وقوفه جاءت جاريةٌ وقالت لأبي الأغرّ: ‏ ‏ أعرابي جبان! والله لأدخلنَّ أنا عليه! ‏ ‏ ودفعت الباب، فوقع أبو الأغر على الأرض من فرط خوفه، وخرج الكلبُ مبادرا فهرب من الدار. ‏ ‏ واجتمعت الجواري حول أبي الأغرّ فقُلْن له: ‏ ‏ قم ويحك! فإنه كلب! ‏ ‏ فقام وهو يقول: ‏ ‏ الحمد لله الذي مسخه كلبا وكفى العربَ شرَّ القتال! ‏ من كتاب "عيون الأخبار" لابن قتيبة.
(12)
أعيتـه الحيلــة
‏يعتبر أبو جعفر المنصور، رجل بني العباس، والمؤسس الثاني لدولتهم، بعد أن انتقلت إليهم الخلافة من بني أمية، وكان إذا دخل البصرة أيام الأمويين، دخل متنكراً متكتمـاً، وكان يجلس في حلقة أزهر السمان العالم الثبت المتحدث؛ فلما أفضت الخلافة إليه، قدم عليه أزهر فرحب به وقربه وقال:‏ ‏ ما حاجتك يا أزهر؟‏ ‏ فقال: يا أمير المؤمنين، داري متهدمة، وعليّ أربعة آلاف درهم، وأريد أن أزوج ابني محمداً، فوصله باثني عشر ألف درهم، وقال له:‏ ‏ قد قضينا حاجتك يا أزهر، فلا تأتنا بعد اليوم طالباً، فأخذها وارتحل. فلما كان بعد سنة أتاه، فقال له أبو جعفر:‏ ‏ ما حاجتك يا أزهر؟ فقال:‏ ‏ جئت مسلماً، فقال:‏ ‏ لا والله بل جئت طالباً، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، فاذهب ولا تأتنا بعد اليوم طالباً ولا مسلماً. فأخذها ومضى؛ فلما كان بعد سنة أتاه، فقال له:‏ ‏ ما حاجتك يا أزهر فقال:‏ ‏ أتيت عائداً. فقال:‏ ‏ لا والله بل جئت طالباً، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، فاذهب ولا تأتنا بعد اليوم طالباً ولا مسلماً ولا عائداً، فأخذها، وانصرف. فلما مضت السنة أقبل، فقال له:‏ ‏ ما حاجتك يا أزهر؟ فقال:‏ ‏ يا أمير المؤمنين، دعاء كنت سمعتك تدعو به جئت لأكتبه. فضحك أبو جعفر وقال:‏ ‏ الدعاء الذي تطلبه مني غير مستجاب، فإني دعوت الله به ألا أراك، فلم يستجب لي. وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، وتعال إذا شئت، فقد أعيتنا الحيلة فيك. ‏
(13)
التحاسـد والتخـاذل
‏ قال أبو عبيدة مَعمر بن المُثنَّى:‏ ‏ مرَّ قيس بن زهير ببلاد غطفان، فرأى بها ثروة وعددا،‏ ‏ فكرِه ذلك.‏ ‏ فقيل له: ‏ ‏ أيسوءك ما يسُرُّ الناس؟‏ ‏ قال:‏ ‏ إنك لا تدري أنَّ مع النعمة والثروة التحاسد والتخاذل، وأن مع القلة التحاشد والتناصر. ‏
(14)
أتهـزأ بـي؟
بينما النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف، إذ سمع أعرابياً يقول:‏ ‏ يا كريم، فقال النبي خلفه: يا كريم، فمضى الأعرابي إلى جهة الميزاب وقال:‏ ‏ يا كريم، فقال النبي خلفه:‏ ‏ يا كريم، فالتفت الأعرابي إلى النبي وقال:‏ ‏ يا صبيح الوجه، يا رشيق القد، أتهزأ بي لكوني أعرابياً؟ والله لولا صباحة وجهك، ورشاقة قدك، لشكوتك إلى حبيبي، محمد صلى الله عليه وسلم، فتبسم النبي وقال:‏ ‏ أما تعرف نبيك يا أخا العرب، فقال الأعرابي:‏ ‏ لا، فقال النبي:‏ ‏ فما إيمانك به، فقال:‏ ‏ آمنت بنبوته ولم أره، وصدَّقت برسالته ولم ألقه، فقال النبي:‏ ‏ يا أعرابي، اعلم أني نبيك في الدنيا وشفيعك في الآخرة، فأقبل الأعرابي يقبـِّل يد النبي، فقال النبي:‏ ‏ مه يا أخا العرب، لا تفعل بي كما تفعل الأعاجم بملوكها، فإن الله سبحانه وتعالى بعثني لا متكبراً ولا متجبراً، بل بعثني بالحق بشيراً ونذيراً، فهبط جبريل على النبي وقال له:‏ ‏ يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، ويقول لك:‏ ‏ قل للأعرابي، لا يغرَّنه حلمنا ولا كرمنا، فغداً نحاسبه على القليل والكثير، والفتيل والقـِطمير، فقال الأعرابي:‏ ‏ أو يحاسبني ربي يا رسول الله؟ قال:‏ ‏ نعم يحاسبك إن شاء، فقال الأعرابي:‏ ‏ وعزته وجلاله، إن حاسبني لأحاسبنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:‏ ‏ وعلى ماذا تحاسب ربك يا أخا العرب؟ فقال الأعرابي:‏ ‏ إن حاسبني ربي على ذنبي حاسبته على مغفرته، وإن حاسبني على معصيتي، حاسبته على عفوه، وإن حاسبني على بخلي حاسبته على كرمه، فبكى النبي حتى ابتلت لحيته، فهبط جبريل على النبي وقال:‏ ‏ يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويقول لك:‏ ‏ يا محمد قلـّل من بكائك فقد ألهيت حملة العرش عن تسبيحهم، قل لأخيك الأعرابي لا يحاسبنا ولا نحاسبه فإنه رفيقك في الجنة.
(15)
ابن صبيح والفضل بن يحيى
اعتلّ الفضلُ بن يحيى.‏ ‏ فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا أتاه عائداً لم يـَزد على السلام عليه والدُّعاء له.‏ ‏ ويخفـّف في الجلوس، ثم يلـْقـَى حاجبـَه فيسأله عن حاله ومأكله ومشربه ونومه.‏ ‏ وكان غيره يـُطيل الجلوس.‏ ‏ فلما أفاق من علـَّته، قال:‏ ‏ ما عادني في علـّتي هذه إلا إسماعيل بن صبيح.