مشاهدة النسخة كاملة : الخريف يأتي مع صفاء
الخواجه
11-07-2005, 12:49 PM
الخريف يأتي مع صفاء 0000الروائي / أحمد الملك
رواية
إهداء
الي والدي
عليه رحمة الله .
وشكر :
كما اتقدم بالشكر العميق لكل الاخوة الذين ساهموا في انجاز هذا الكتاب،
الاخ عيسى يوسف عبد المنان الذي قام بجهد مقدر لجمع مادة الكتاب علي الكمبيوتر واستفدت كثيرا من توجيهاته وملاحظاته .
والاخوان همام بشير ومصعب ابراهيم اللذان قاما بمراجعة وتصحيح مادة الكتاب .
وشكر خاص للأخوان : شهاب دفع الله والصديق معاوية الحسن.
خذ من شعاع الشمس نافذة
وحلق في فضاءات الغياب
الي رحيل أبدي ..
لا مكان الان لك
والله يسكن بالاماكن كلها
وجها يضوء بالازقة
شارعا يمتد في كسرة الخبز الطعام
المستحيل الي ثياب الفقراء
ماذا يلوح بالنوافذ ؟!
هل تري منديل عاشقة بلون البحر؟
دمع صبابة في نهد عاشقة بطعم النار
يقطر …
والعصافير اكتمال للندي
في شرفة الحلم تسد الافق
تبحث عن طفولتها بذاكرة الفضاء الرحب
والفجر المعلب في رفوف الصمت
واللغة الخفية للغناء علي مسام العشب
والشجر المخبأ في تماثيل الشجر .
الصادق الرضي .
أحمد الملك والواقعية السحرية بقلم : د. الصاوي يوسف
بعد أكثر من عشر سنوات من نشر روايته الاولي الفرقة الموسيقية يبدو أن أحمد الملك قد وجد المعادلة المثلي بين العبارات المكثفة المقصودة لذاتها، وبين خيط الاحدوثة الذي يتابعه القارئ بوضوح من بداية الرواية حتي نهايتها. فالعبارة عند أحمد الملك تبدو كأنها تعبير عن موقف اسطوري ملئ بالسخرية والمرارة، بمعزل عن سياق القص التقليدي، المعروف في أسلوب الحواديت. كلماته يأخذ بعضها برقاب بعض، تتكرر كثيرا لا لتوضيح المعني بل لتكثيف الرمز. حتي ان القارئ كثيرا ما يشعر أنه قد قرأ هذا النص من قبل في مكان ما، وإن بلغة أخري. ولكن ما يسهل كثيرا علي القارئ – خصوصا السوداني- أن رموز أحمد الملك ولغته المبتكرة تستند علي إرث اسطوري وفلكلوري ثر، من ثقافات أهل السودان، قديمه ووسيطه، جنوبه وغربه وشماله وشرقه، فأنت في روايات أحمد الملك تسير ليس فقط عبر فضاء الرواية الزمني، بل أيضا عبر الامكنة الموغلة في الواقعية، أمكنة معروفة وشبه معروفة، تعج بأشجار وأطيار وناس تعرفهم بأسمائهم وصفاتهم، وربما بأشخاصهم لحما ودما .
وقد كانت لغة أحمد الملك تذكرني بواقعية ماركيز السحرية والشعرية، وتعابيره المفاجئة، المبتكرة، غير المتوقعة في سياقها، تجعلك تغرق في عالم اسطوري شعري، لا هو بالواقع المسطح الذي نعيشه، ولا هو بالخيال الاسطوري الشاطح في متاهات غير المعقول. إنه خليط من هذا وذاك، اكتشاف لطرق وعرة مجهولة (ومأهولة) في غابات افريقيا وصحاريها ووديانها. أم هي يا تري غابات هذا المجتمع المتشابك المتنوع المتصارع؟ مجتمع تسحقه الدكتاتوريات العسكرية، وعظمة قادتها المتوهمة والمتآكلة مع مرور الزمان. مجتمع تلوكه الحرب الاهلية بين أضراسها، وتلفظه بقايا محطمة، بينها صراعات صغيرة وكبيرة لم تزل تنتظر دورها في التسوية .
ويبدو أن احمد الملك قد وجد ضالته المنشودة في واقع أقرب الي الخيال- بل احيانا أغرب من الخيال- في فترة من تأريخ السودان مغرقة في الظلم والظلامية. ولعل الكثيرين من قراء أحمد الملك سيظنون أن شخصية المشير الفاقد للذاكرة هي من صنع الخيال، في حين أن الكثير من السودانيين سيكتمون ضحكات الشماتة وهم يرون مصير المشير، المعتوه، المثير للشفقة. فهم يعرفون المشير حقا، وهو ما زال بينهم، ليس فقط بلحمه ودمه، وانما أيضا بآثاره وما صنعت يداه في البلاد، مما لن يزول في المستقبل المنظور، رغم زوال اسطورة المشير الظافر المنتصر أبدا .
ولكن أحمد الملك نجح بشكل ما في نسج زمان خاص به، يضع في إطاره تلك العجينة العجيبة الثرة، من أشخاص وأحداث عهد المشير. وهو إمتلك مقدرة فذة في الامساك بمفاصل الشخوص والاحداث، وتحريكها بمهارة. ولعله قد تلاعب بها عمدا، ربما انتقاما من كل ما مثله المشير، من طغيان وتلاعب بمصير البشر. وربما توسيعا لأفق الرواية حتي تستوعب كل العقداء والعمداء والألوية والفرقاء والمشيرين اللذين وضع الزمان بين أيديهم سلاحا ورتبة فما استخدموها حين استخدموها الا ضد شعوبهم المقهورة المسحوقة .
ولفت نظري في هذه الرواية العنصر الجديد تماما، ذلك الجانب الذي لم يعرفه الناس عن حياة المشير، أي دور الدكتورة صفاء والاميرة مينيساري في حياته، وبالتالي حياة شعبه ومن حوله. ولعل أحمد الملك كروائي رأي أن يطعّم جفاف عهد المشير، الذي إنعكس جفافا علي أحداث الرواية، ببعض الندي والنكهة. فخلق بذلك عالما أكثر إثارة وشاعرية. وليس جديدا علي أحمد الملك امتلاكه لكل أدوات الصناعة الروائية. مما ذكره الدكتور بشري الفاضل في مقدمته التي كتبها لرواية الفرقة الموسيقية لأحمد الملك. ولذلك جاءت صفاء قمة جديدة من قمم النضج الفني، لدي شاب نشأ في عهد المشير، ثم ما كاد أن يبدأ رحلته الادبية حتي تلقفه عهد العميد ثم عهد الفريق، وها هو في المنفي أكثر ارتباطا بقضايا شعبه، بل بأعمق الجذور الثقافية والاسطورية والفلكلورية، لذلك الشعب الغني بالابداع.
الخريف يأتي مع صفاء ليست رواية للتأريخ، بل هي موقف منه. ولو كان بعض أهل الجنوب والغرب وغيرهم يشعرون بالتهميش من الشمال، سياسة وأدبا، فإن أحمد الملك بموقفه القومي الواضح قد اختصر الكثير من الظلامات الانسانية. وموقفه النبيل يلخص التجرد المطلوب من كل أهل الادب والثقافة، بل كل فئات المجتمع، في النفاذ الي روح هذا المجتمع، التي تكونت عبر العصور، عبر التعايش والتثاقف، لا الصراع الدموي .
تلك الروح القومية، المتوحدة والمتناغمة، والانسانية، هي النداء الذي يخرج به قارئ أحمد الملك من هذه الرواية .
د.الصاوي يوسف
كاتب سوداني – كولمبورخ 10-9-2002
الخواجه
11-07-2005, 12:50 PM
ص ( 1 )
الخريف يأتي مع صفاء
الأطفال كانوا هم أول من شاهد شبحه الضخم قادما يتهادى في ضوء القمر، كانت نسمة ليلية حركت رائحة أشجار البان تتبعه، حتى أن الأطفال اعتقدوا في البداية أن هذا الشبح القادم دون ذكريات كان يمتلك سلطة خفية علي الرياح وعلي أشجار البان، وحينما لاحظوا قامته الفارعة وهو يقترب اكثر بخطوات بطيئة مثل هيكل سفينة غارقة، اعتقدوا انه العجوز منوفل الذي كان يظهر في القرية في الأيام الخوالي ساحبا خلفه جوالا من الخيش يضع فيه مقتنياته القليلة من مستلزمات التجوال.
وفجأة اكتشفوا أنه كان يسير في ضوء القمر دون ظل يتبعه، وبعد لحظات من عبوره بينهم، اكتشفوا انه يملك أيضا ميزة العبور ليس فقط دون ظل أو ضوضاء، ولكن أيضا دون ذكريات، فقد شعروا بعد لحظات من مروره أن عبوره بينهم بخطواته الواسعة مثل خطوات جمل لم يخلف لديهم أية وقائع لحفظها في الذاكرة.
تسرب الخبر إلى القرية واكتسب صخبا فوريا: عاد الطاهر محمد نور الدين، وفي البداية لم يصدق الكثيرون الخبر، لانهم لم يصدقوا إمكان ظهوره دون صخب رسمي يصاحب وجوده، لان آخر الأخبار التي وصلت عنه أكدت بأنه يشغل منصبا رفيعا في المجلس العسكري الحاكم، حتى أن الرجال تداولوا له اسما اكثر إثارة: السيد المشير، ولان بعض الشائعات زعمت بأنه يشغل منصبا سياسيا مرموقا فقد توفرت الفرصة طوال سنوات لنسج أخبار كثيرة عنه.
وتقديرا لأمجاده العسكرية المتخيلة فقد توجوه بطلا في معارك فاصلة غير موجودة في ذاكرة التاريخ واسبغوا عليه أنواطا من الدرجة الأولى بسبب التفاني والجدارة وإنكار الذات، حتى انه اصبح متعذرا في الفترة الأخيرة تخيل صورته الحقيقية بعد اللمسات الكثيرة التي وضعت عليها لجعلها تتلاءم مع كل إشاعة تلازم ارتقائه لسلم أمجاد جديدة.
وأكدت النسوة المسنات أنهن سمعن اسمه يتردد في نشرات أخبار الساعة السادسة والنصف مصحوبا بأناشيد عسكرية دون آن يستطعن الجزم إن كان اسمه يرد ضمن قائمة الأحياء أم ضمن قائمة الموتى أثناء محاولتهن البحث عن خيط يقود إلي كشف مصير المفقودين من أيام الحرب الأهلية الأولى.
في البداية احدث نبأ ظهوره إحساسا بالقهر لدى اكثر المسنين خبرة حتى أن أحدا لم يجازف برؤيته، لا خوفا من الشعور بالإحباط بسبب عدم وجود ادني شبه بينه وبين الصورة التي رسموها له في خيالهم الجماعي، وليس بسبب رغبتهم في استمرار حلم ارتقائه الأسطوري لسلالم المجد، ولكن بسبب خوفهم من احتمال حدوث أخطاء بروتوكولية أثناء استقباله، عدا بعض النسوة اللائى زعمن قرابة غير مؤكدة له.
وفي البداية لم يعثرن عليه في الأرض الجرداء التي كانت تخص أسلافه، بل وجدنه هائما في شوارع القرية وهو منهمك في البحث عن موقع بيت أسرته القديم في خريطة علي ورقة صفراء متآكلة الأطراف وبدا منظره شبيه بمنظر تلاميذ المدرسة الذين يبحثون عن كنز درس الجغرافيا المدفون في مكان ما، كان موقع البيت محددا علي الخريطة بعد مجموعة من أشجار الحراز والدوم منتشرة في شكل نصف دائرة حول تل رملي يقع في مواجهة غابة السنط التي تحف بخور ارقو، في شارع جانبي كتب علي جداره المتهدم بحروف ضخمة: شارع الأرامل.
في تلك الأثناء قام أهل القرية بتكوين الوفد الأول للترحيب بالسيد المشير، واختاروا أكثرهم خبرة في التحدث أمام ممثلي السلطة الذين كانوا يظهرون في القرية في فترات متباعدة، أحيانا وهم يرتدون ملابس عسكرية خانقة مثقلة بالنياشين وأحيانا وهم يرتدون الزي القومي.
واختاروا أكثرهم مداومة علي الاستماع لجهاز الراديو لرصد كل تغيير جديد في السلطة، حتى لا يقوم بالترحيب بممثل عهد بائد، ثم قاموا بترتيب العرائض التي ستقدم للسيد المشير والتي تراوحت بين التماسات للكشف عن مصير مفقودين من أيام انتفاضة شعبان، ومفقودين من قبل توقيع اتفاقية أديس أبابا، وطلبات للحصول علي تصديق لاستثمار أراض زراعية حكومية، وطلبات للحصول علي إعانات بسبب العوز، وطلب من اجل تخفيض سعر سلعة السكر، إضافة لطلب قدمته الأرملة سكينة بت حاج احمد لاستبدال ثلاثة جنيهات بالعملة الجديدة، لأنها كانت قد فقدت ذاكرتها في أيام تغيير العملة الوطنية مطلع العقد الأخير من القرن العشرين.
إضافة للعريضة التي قدمتها نورا الفتاة الجميلة المخبولة، طالبة تأخير موعد غروب الشمس يوم السابع و العشرين من شهر أغسطس، لإتاحة الفرصة لوردات صباح الخير لتبقي متفتحة ولإتاحة الفرصة لخطيبها الجندي الذي أستشهد في أحراش الجنوب، كما ورد في أعلان رسمي، ليعود لأنها حلمت بعودته مرهقا من وعثاء الموت في غسق ارجواني تطل من حوافه وردات نبات صباح الخير التي أصبحت الواحدة منها في حجم كرة قدم، في يوم في آخر أيام شهر أغسطس يمتد فيه غروب الشمس إلى ما بعد صلاة العشاء.
أثناء ذلك وقبل وصول وفد الترحيب، واصل السيد المشير تتبع إشارات الخريطة رغم صعوبة مطابقتها مع مواقع الأشياء أمامه، كما أن فراغ ذاكرته كان يجبره علي بذل جهد مضاعف لمحاولة تثبيت الوقائع الجديدة في ذاكرته، وفجأة تعثرت قدمه في جذر ناتئ وسقط علي وجهه.
أدى ارتجاج ذاكرته إلى حركة مفاجئة للذكريات التي رسبت في قاع ذاكرته فرأى صورا مذهلة في وضوحها ترقي لزمان غابر رأى فيها نفسه جالسا علي مقعد وثير في غرفة واسعة تطل علي حديقة استوائية تغص بأشجار التاهيتي والجهنمية وورد الحمير، رأى نفسه غارقا في حبات ضوء بدا له منتميا لزمان أكثر قدما وهو يدفن وجهه في صفحات صحيفته الرسمية، وفيما تعالت أصوات ضوضاء المظاهرات في الخارج كان رجال أمنه الفزعين يتدافعون من حوله:
سيدي الرئيس، العصيان المدني يشل المدينة، فيكتفي بإبعاد الصحيفة قليلا عن وجهه ثم يعيدها مرة أخري، فيشاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، لأنه وخلافا لمزاعم أجهزة إعلامه التي ادعت بأنه جاء إلى السلطة من خلال انتفاضة شعبية قضت علي حكم الأحزاب.
وأن ممثلي الشعب ونقابات العمال ظلوا طوال ثلاثة أيام يتوسلون إليه لتسلم أعباء السلطة من اجل إنقاذ الوطن من الفوضى التي ضربت أطنابها فيه من أقصي جنوبه الاستوائي وحتى أقصى شمال إقليم الصحراء، حيث لا شئ سوي القيظ في نهارات طويلة تتفتت فيها حتى الذكريات وتذبل فيها حتى الأوراق البلاستيكية لنبات العشر.
وخلافا للشائعات الرسمية التي كانت تطلقها أجهزة أمنه بأنه جاء إلى السلطة بوحي قرار الهي، وأن الوطن كله حلم به ليلة الثورة المجيدة فيما الأولياء الموتى يزفونه علي إيقاع نحاس الشبالنكيت، وأنه نصب مثل الشيخ بدوي أبودليق علي ككر من الذهب، في محاولة لردم حقيقة أنه وصل إلى السلطة لأنه كان الشخص الوحيد الذي استيقظ مبكرا صباح ذلك اليوم النائي، والوطن كله في حالة سبات جماعي، لا عن نشاط أو طموح، ولكن لانه كان الوحيد ضمن كتيبة كاملة الذي تعاطي خمرا مغشوشة في الليلة السابقة لاستيقاظه المبكر التاريخي.
ففي الثلث الأخير من تلك الليلة ارتدي ملابسه العسكرية الكاملة وطاف شوارع العاصمة، فاكتشف أن الوطن كله كان نائما ولم يشاهد سوي بعض اللصوص يتراجعون بغنائمهم بالقرب من كوبري النيل الأزرق، اقتحم القيادة العامة للقوات المسلحة، فوجد الحراس نائمين وقد سقطوا أرضا علي وجوههم، تفحص وضع سقوطهم ليتأكد أنه كان عسكريا، وفي غرفة جانبية عارية من الأثاث إلا من منضدة صغيرة وجد الضابط العظيم يخلد إلى نوم احتفالي في بركة من البول وحوله أربعة زجاجات شري فارغة ومنفضة سجائر غاصة بالأعقاب وجهاز راديو ملقي علي وجهه وهو يصدح بأغاني فرنسية من محطة في الكونغو، اعتلي ظهر إحدى الدبابات قطع بها الشوارع الخالية وعبر كوبري النيل الأبيض .
شاهد صيادي الأسماك نائمين علي شاطئ النيل الأبيض وشعر برطوبة النهر الدافئة مختلطة بعفونة السمك الميت تكاد تخنقه، وفجأة شاهد ومضات ضوء غريب تلمع من علي البعد فوق صفحة مياه النيل الأبيض، لم يهتم بها ولم يتسن له أن يلاحظ مطلقا أنها لم تكن سوي آخر ومضات الحياة في الوطن الواقف علي أعتاب العصر الأول للجفاف .
اقتحم الإذاعة دون ادني مقاومة من الحراس الذين كانوا نائمين في مقاعدهم، في الداخل لم يجد سوي مذيع واحد مستغرق في النوم أزاحه بقدمه وامسك بالميكرفون فاستيقظ الوطن كله علي صوته الأجش: انقلاب عسكري .
لحظة أن فرغ من ارتجال بيانه الأول شعر فجأة بفداحة ما فعل: أنه يقوم بانقلاب في الإذاعة دون أية سند من أية وحدة عسكرية، فجأة تناهي إلى سمعه صوت إطلاق رصاص، اقترب منه ثلاثة ضباط برتبة رواد وأدوا له التحية العسكرية، ارتبك لبرهة قبل أن يرد علي أول تحية عسكرية بصفته رئيسا للدولة، بادره أحد الضباط الثلاثة : تمام سعادتك، تم تأمين الموقع، وتحركت قوة لتأمين القيادة العامة، وقوة أخري لتأمين منطقة وادي سيدنا وقوة ثالثة اتجهت نحو مدرعات الشجرة، وقوة رابعة قامت باحتلال القصر الجمهوري .
شعر ببعض الاطمئنان رغم إنه عاني شعورا غامضا بأنه كان يقوم بدور معد سلفا، غادر الإذاعة في حراسة الرواد الثلاثة ليستقلوا عربة مدرعة عبرت بهم الشوارع التي بدأت تدب فيها حركة حذرة، شاهد بعض المواطنين يهتفون باسمه وفي اسفل كوبري النيل الأبيض، شاهد صيادي الأسماك الذين تركهم نائمين لدي مروره فجرا، شاهدهم يسحبون شباكهم التي تلمع فيها أسماك البياض والبلطي الفضية، شاهد عشاق الساعة السادسة والربع يتسكعون في شارع النيل، يسيرون بخطي ثابتة كأنهم رجال آليون بمحركات زمبركية.
شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستبداد بالسلطة، وقرأ في بريق عينيه المرهق، قرأ إشارات ارتباكه الأول وهو يتلقي أول تحية عسكرية داخل القصر الجمهوري ويتعرف علي أفراد المجموعة التي ساندت انقلابه ويستمع إلى آخر تقارير الموقف الذي بات جليا أنه أصبح في صالحه وبسرعة لم تخطر علي بال أحد .
وحتى يتفادي احتمال تفاقم ارتباكه وهو يقرأ برقيات التأييد التي بدأت تنهال من كل أرجاء الوطن، وحتى لا تختلط أسماء المجموعة التي ساندته بأسماء آخرين، قام بإحصائهم سرا، لم تكن تربطه بهم معرفة وثيقة فقد كانوا في رتب عسكرية اقل منه كثيرا، كما انه وبسبب شهرته كملاكم ومحطم أبواب لم تسند له طوال عدة سنوات أية مهام قد تتطلب جهدا عقليا، إلا انه تذكر انه التقي بعض أفراد المجموعة أثناء مغامرات ليلية: النقيب عثمان محمد زين العابدين، التقاه أثناء عراك ليلي قبل سنوات نجم عن إفراطه في الشراب.
الخواجه
11-07-2005, 12:51 PM
ص ( 2 )
فقد كان يعبر بوابة القيادة العامة مساء أثناء تفتيش روتيني، وفي اللحظة التي عبر فيها البوابة بعد أن أدى له الحراس التحية العسكرية، توقف فجأة وتراجع بخطوات متعجلة إلى الخلف، ثم انهال علي الحراس ضربا، أطاح بضربة واحدة بسبعة من الحراس دفعة واحدة وحطم بندقيتين، ورغم أن الحراس ولوا الأدبار، إلا انه طاردهم دون هوادة، وفجأة أوقفته قبضة يد قوية علي كتفه، توقف رغم انه كان يعلم أن بإمكانه تحطيم صاحب هذه الكف بضربة إصبع، لكنه شعر بنفوذها الواثق يجتاح كيانه كله، فعرف أنه نفوذ أخلاقي يفوق مقدرته علي المقاومة فاستسلم دون شرط، وفجأة فيما كان النقيب يقوده من يده نحو مكتبه جلس أرضا وانخرط في نوبة بكاء عنيفة .
الملازم أكرم محمد نور الدين، التقاه أثناء شجار روتيني في حانة، نشأ لان النادل تأخر لاقل من دقيقة في تلبية طلبه، بضربة واحدة كان قد حطم سياجا من القنا يحيط بالمكان، أزاح من طريقه ستة مناضد بزبائنها نصف السكارى وحطم عشر زجاجات ويسكي وكان علي وشك تحطيم المكان كله، حينما شعر بقبضة يد واثقة تكبحه. شاهد خلفه شابا صغيرا : الملازم أكرم محمد نور الدين، كان شابا صغيرا لدرجة أنه لم يره في البداية بعينه المجردة، حتى انه اقترب منه قليلا ليري شابا وسيما يمد له يده مبتسما، تردد قليلا قبل أن يري المقعد الذي كان يحمله في يده يسقط لا إراديا ويستسلم لليد التي قادته ببطء إلى الشارع حيث عربته الصغيرة التي كانت تسع بالكاد جسمه الضخم .
الرائد حسن عزالدين الطاهر، التقاه في الحفل السنوي للكلية الحربية بمناسبة تخريج دفعة جديدة من الضباط، كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير حينما توقف المغني فجأة، وبدأ العازفون في الانسحاب، ودون أن يشعر وجد نفسه علي المسرح، يحاول منع المغني وعازفيه من مغادرة المكان، لكن أحدا لم يستجب لمحاولاته، واستمر العازفون في جمع آلاتهم حينما أطاح بهم بضربة واحدة فاختلطت الأجساد مع الآلات التي عزفت لحنا نشازا بعنف مفاجئ، ثم هبط من المسرح وبدأ الضرب في الصفوف الأمامية مراعيا تدرج الرتب العسكرية، حتى وصل طلبة الكلية الحربية الذين لم يهنئوا بثياب التخرج الجديدة، فاختلطت ملابسهم بالوحل. حينما أوقفته ضربة كف واثقة علي كتفه.
.الخمسة الآخرون تذكر أنه التقاهم في مناسبات أقل أخلاقية : شجار في بيت للدعارة أقدم فيه علي تحطيم باب غرفة وثلاثة مقاعد حينما وجد أحدهم سبقه في الدخول علي الفتاة التي كان ينوي النوم معها، كمين دبروه لإفزاع زميل بتفجير لغم أرضي أثناء مرور سيارته.
شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، رأي سمات خوف غامض ترتسم في ملامح وجهه فعرف في تلك اللحظة فيما أصوات المتظاهرين تصل إلى أسماعه مختلطة بالخطوات المتعجلة لمستشاريه وهم يجمعون مستندات فسادهم، عرف سخف مقولة أن التاريخ لا تحركه الصدفة والتي ظل يرددها طوال أكثر من أربعة عقود، لأنه بات واضحا أمامه أن تاريخ حياته كله الذي صنع منه إعلام عصر الجفاف تاريخا للوطن، كان في الواقع تحركه الصدفة المحضة، الصدفة وحدها هي التي جعلته يتزعم انقلابا عسكريا كان معدا سلفا، وكان سيقع حتما حتى لو ظل نائما في ذلك اليوم الأغر كما وصفته القرارات الجمهورية.
الصدفة هي التي جعلته يشرب في الليلة السابقة خمرا مغشوشة أطفأت في دواخله رغباته الأزلية في العراك والتدمير وحافظت علي طاقة أبقته مستيقظا في وقت أخلد فيه الوطن كله للنوم، الوطن كله بدءا من مناطقه الصحراوية الجافة شمالا حيث لا شئ سوي الغبار يخيم فوق قفر أشجار السنط وحتى المستنقعات الجافة لآخر خريف منسي في قاع الوطن، حيث لا شئ سوي القحط والدمار الذي خلفته حرب أهلية نشأت في نفس لحظة مولد الوطن، لأنه ومنذ اللحظة التي بدأ فيها استبداده بالسلطة، بدأ الخريف يتراجع حتى اختفي في أدغال القارة السوداء، وأصبح الوطن كله حزاما للجفاف، وتحولت المجاعة التي حصدت الآلاف في غرب وشرق وأواسط الوطن بفضل أجهزة إعلامه إلى دعاية يطلقها الإعلام الغربي بسبب السياسات الرشيدة للنظام.
ورغم أن صلاة الاستسقاء التي أمها بنفسه لم تثر شيئا سوي الغبار، إلا أن أجهزة إعلامه أكدت أن وصوله إلي منطقة ما في نطاق الجفاف، كان كفيلا بهطول المطر، حتى تعين علي مرافقيه ارتداء ملابس من المطاط مثل الضفادع البشرية، ليتمكنوا من مواصلة الطواف معه.
وأنهم في أحد أيام هذا الخريف المبارك كما وصفته أجهزة إعلامه، ضلوا طريقهم في منتصف النهار حينما حاصرهم المطر الكثيف بالقرب من بابنوسة، واتجهوا إلى الحدود التشادية فيما كان الخريف يتبعهم دون هوادة، وأنه تعين إجلاء ركب السيد الرئيس بفصيل من الدبابات بعد أن غرزت جميع سيارات اللاندروفر في الوحل، وفيما كانت قصص الخريف المبارك تملأ صفحات الجرائد الرسمية كانت فلول النازحين من الجفاف تشكل قري عشوائية كثيفة حول العاصمة وكان وباء الكوليرا يحصد العشرات كل يوم.
بينما كان أهل القرية لا يزالون منهمكين في التشاور لتشكيل الوفد الذي سيقوم باستقبال السيد المشير، كان هو لا يزال مستسلما لنوبة الذكريات التي رأي فيها مشاهد مختلفة من عصور استبداده الثلاثة تعبر في وضوح مذهل في قفر ذاكرته، رأي نفسه يجلس وحيدا في ضوضاء شفق ناء قبل عدة اشهر من استيلائه علي السلطة، حينما فقد كل أفراد أسرته في حادث حركة مشئوم.
كانت أسرته كلها والديه وخالاته وزوجته واخوته الثلاثة متجهين في حافلة إلى مدينة كوستي لحضور مراسيم زواج أحد معارف الأسرة، حينما انقلبت السيارة واشتعلت فيها النيران. تلفت حواليه فوجد نفسه وحيدا في صحراء قاحلة لا عزاء فيها ولا حتى ومضة سراب، تشبث مثل غريق بقشة الشراب، وحين عرف بخبر الفاجعة بكي للمرة الأولى في حياته، لأن والدته أخبرته أنه لم يصرخ حينما خرج إلى الحياة.
استغرق في البكاء آنذاك حتى اعتقد الجميع أنه استنزف كل حصته المدخرة من الحزن المهمل، وطوال عدة أيام ظل باب بيته مغلقا في وجه كل الذين جاءوا لزيارته، بعضهم جاء يؤدي له واجب العزاء، والجانب الأكبر منهم جاءوا بدافع الفضول لأنهم لم يصدقوا إمكان انخراطه في البكاء بسبب شهرته كملاكم ومحطم أبواب.
وفجأة في اللحظة التي اعتقد فيها الجميع أنه لم يعد مؤهلا لممارسة الحياة بسبب استنزاف الموت، جفف دموعه وارتدي ملابس عسكرية جديدة وتأبط زجاجته واستأنف الحياة، استأنفها بضراوة أشد، لا ليعوض حيوات كل أولئك الذين ماتوا من أسرته كما اعتقد الكثيرون في البداية، ولكن خوفا من الموت الذي نظف حواليه بدقة مقص جنايني وتركه مكشوفا جاهزا لضربة أخيرة.
استأنف الحياة بضراوة اشد حتى أن أحدا لم يجرؤ في أيام عودته الأولى علي الشراب معه مساء، ورغم ذلك كان يطاردهم ليلا، يبحث عنهم دون هوادة، حتى أن معظم أصدقائه كانوا يعينون مرشدين لتنبيههم بوصوله، ليكتشف عند دخوله بعد أن يحطم كل الأبواب التي تقابله انهم لاذوا بالفرار مستخدمين الجدران، ويكتشف أن كؤوس الشراب الأخيرة التي كانوا علي وشك احتسائها لحظة وصول الإنذار لا تزال معلقة في الهواء وأن صحن الفول الضخم لا يزال ممتلئا وساخنا.
كانت تلك المرة الأولى في حياته التي ينخرط فيها في البكاء، وبكي للمرة الثانية بعد أيام من إعدام الرائد عثمان محمد زين العابدين والرائد أكرم نور الدين والمقدم حسن عزالدين الطاهر الذين أدانتهم محكمة عسكرية، لم يستطع مطلقا وطوال عدة سنوات أن ينسي مشهد تنفيذ حكم الإعدام في المقدم حسن عزالدين الطاهر في منطقة الحزام الأخضر، شاهده في ضوء الفجر الوليد يسير إلى الموت بخطوات ثابتة رافضا أن تعصب له عينيه بعصابة سوداء قبل إطلاق الرصاص عليه.
والرائد أكرم محمد نور الدين الذي كان وسيما وسامة مفرطة ويملك حضورا قويا حتى أن ظهوره في مكان ما كان يلغي وجود كل الآخرين، وكان مهذبا يستحي حتى أن يرفع عينيه في وجه طفل.
واجهه مخمورا حتى لا يقع في مصيدة الضعف أمامه، ولم يوجه له سوي سؤال واحد لم يعرف حتى كيف واتته القوة ليقوله :
ألست نادما علي أنك شاركت في انقلاب ضدي ؟
رد الرائد أكرم نور الدين بحسم ودون أن يفارقه أدبه الجم :
أنا نادم فقط لأنني اعترضت علي إطلاق الرصاص عليك منذ اللحظة الأولي.
وبكي للمرة الثالثة بعد أيام من إعدام اللواء الزبير سليمان شيخ الدين، صديق طفولته الذي أنقذ حياته مرتين، المرة الأولى أيام الحرب الأهلية الأولى، حينما كان السيد المشير علي وشك السقوط في كمين لبعض مقاتلي الانيانيا بالقرب من أويل، كان هو واقفا يرقب شمس سبتمبر الباهتة تشرق للمرة الأولى منذ عدة أيام من خلف السياج الذي يحيط بالبيت الصغير، وفجأة فتح شخص ما النار فسقط ثلاثة رجال .
التفت خلفه فزعا ليجد صديقه الرائد الزبير سليمان الذي تركه نائما داخل البيت يقترب منه وهو يخفض فوهة بندقيته، وقال وهو يستند علي السياج بجانبه :
أيقظتني من النوم العناية الإلهية .
الخواجه
11-07-2005, 12:52 PM
ص (3 )
ورآه في ضوضاء الذاكرة في زمان آخر يتحدث واقفا، رافضا الجلوس حتى بعد أن أصدر له أمرا عسكريا ليجلس :
لست هنا لاذكرك بأحداث انتهت سيدي الرئيس، بل لأحذرك من مغبة الطريق الذي تسير فيه، فنصف نساء الوطن اصبحن أرامل والنصف الآخر أصبحن ثكالي، تحول الوطن إلي مقبرة، ومن لم يمت بالتعذيب في معتقلات أجهزة أمنك، مات رميا بالرصاص، أو بسبب المجاعة التي تصر علي إنكارها حتى كاد الوطن يخلو من سكانه.
إلا أنه لا يمكن خداع كل الناس طوال الوقت، فالناس كلهم يعلمون سخف دعاوى إعلامك بأن حملة الإعلام الغربي ضد الوطن هي رد فعل للتوجهات الرشيدة للحكم، لأن أخبار الوطن لم تحتل نشرات أخبار الإذاعات العالمية إلا لأنه الوطن الوحيد المعروض للبيع بالتقسيط المريح.
والناس كلهم يعلمون بأن الحملة التي أرسلتها إلى المديرية الاستوائية لم تكن من اجل القضاء علي دودة الفرنديد، بل كانت تهدف إجبار المتمردين علي التراجع نحو نطاق وباء ايبولا في زائير، ولا تحاول خداع نفسك بالرقص بلباس من ريش النعام مع دينكا بور تحت أشجار الباباي والغناء مع الشلك في احتفالات تتويج الرث :
أجاك أقرع الطبل قرعا ليدوي …
علي أرواح جدودنا.
لأن الحرب الأهلية اندلعت مرة أخرى سيدي الرئيس.
اللواء الزبير سليمان الذي حينما احضر أمامه في المرة الأخيرة، جريحا وممزق الملابس وحول عينيه هالات سوداء من أثر إرهاق عدم النوم طوال ثلاثة أيام بعد أن تزعم المحاولة الأخطر للإطاحة بالنظام، أمر السيد الرئيس بأن يعطي ملابس جديدة وأن تضمد جراحه ويخلد لراحة تامة قبل محاكمته، وحين صدر الحكم بإعدامه، لم يجرؤ علي حضور تنفيذ حكم الإعدام، بقي داخل مكتبه حتى سمع صوت زخات إطلاق النار ثم صوت العربة التي حملت الجثمان تمضي بعيدا إلى الأبد، قبل أن يسلم نفسه طوال عدة أيام لنوبة إعصارية من تعذيب الضمير.
وبعد بضعة أسابيع أمر بإرسال الفرقة التي نفذت حكم الإعدام في اللواء الزبير سليمان إلى مناطق العمليات في جنوب الوطن لدي تجدد الحرب الأهلية، وأمر بوضعهم في المقدمة، ثم راح بعد ذلك يتسقط أخبار موتهم:
الرقيب حمدان النور لقي مصرعه بعد انفجار لغم أطاح به إلى اعلي شجرة مانجو بالقرب من توريت.. والجندي دفع الله سليمان قتل برصاص المتمردين بالقرب من راجا صباح التاسع عشر من سبتمبر بينما كان نائما، يشعر أن أوجاع ضميره باتت افضل دون ادني شعور بالخجل من تشفيه من وقائع الموت . . .
الجندي الحسين نورين خطفه تمساح بينما كان يغسل ملابسه علي ضفة بحر الجبل واضطر زملائه الي الوقوف جامدين فيما التمساح يتلاعب به خوفا من اصابته إذا أطلقوا النار علي التمساح، حتى اختفي به التمساح إلى الأبد وبعد يومين عثروا علي بقية عظامه داخل أجمة مهجورة .
الرقيب الفاتح محمد احمد قتلته رصاصة طائشة مساء السابع من أكتوبر حينما كان في المقدمة يستكشف حقلا للألغام قريبا من الحدود اليوغندية.. والجندي شرف الدين علي النور نفذت ذخيرته أثناء تبادل لاطلاق النار مع المتمردين بالقرب من نيمولي فقام المتمردون بنزع عينيه وتقطيع جسده إربا… أربا، فيشعر بتحسن طفيف في موقف ضميره دون أن يؤرقه يقين اكتشافه أن نار عذاب ضميره لم تكن تطفئها سوي نار الموت.
يطرق برهة قبل أن يسأل: وأين الرقيب عبد العظيم التوم، فيعرف أنه: في مستشفي القوات المسلحة سيدي الرئيس، حالته خطيرة بعد إصابته بطلقات نفذت إلى صدره أثناء كمين بالقرب من قوقريال.
تسلل ليلا بعربته إلى مستشفي القوات المسلحة وصعد بهدوء إلى الغرفة التي كان الجريح يخلد فيها للنوم، اكتشف أن جسمه كان موصولا بأنابيب التغذية والأوكسجين وأن ممرضة بدينة كانت تنام أرضا بجانب فراشه.
قام بهدوء بسحب الأنابيب من جسد الجريح في نفس اللحظة التي شعر فيها بجسده يبطل شحنة رعدة خوف مفاجئة نبتت في أطرافه لحظة اكتشافه إن الرقيب عبد العظيم التوم استيقظ للحظة أخيرة وحدق فيه بعيون تقطر حزنا وحقدا قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة
الخواجه
11-07-2005, 12:52 PM
ص ( 4 )
فصل جديد
كانت أولى العلامات التي ظهرت كمؤشر لبدء نشوء خلل في ذاكرته في أحد أزمنة سلطته، قد ظهرت في شكل بدء خلو ذاكرته من أخطائه الدموية العظيمة، ليس فقط نتيجة لرفضه الباطني الجازم للاعتراف بها ولكن أيضا لفراغ روحه الذي أتاح له سلطة انتقائية علي الذكريات، ولم تكن المشكلة تكمن في خطورة هذا الفراغ الذي يتيح له التنصل من كل منجزات عهده من الأخطاء، بل في احتمال ارتكابه لاخطاء جديدة أكثر دموية لشغل فراغ ذاكرته.
رغم أنه أبدي في تلك الأيام وللمرة الأولى منذ استيلائه علي السلطة قبل أكثر من عقدين من الزمان، أبدي مرونة لا تصدق تجاه الموت، لا كواقعة بل كرمز، رغم رفضه المعلن له كمبدأ، حتى أنه استعاض في الأيام الأخيرة عن عصا الشيخ الحسين الضرير التي عصمته من الموت طوال سنوات كما كانت تؤكد شائعات رجال أمنه، استعاض عنها بمسبحة من اللالوب طولها سبعة أمتار أحضرها منا فقوه الاقربون وزعموا أنها كانت تخص الشيخ حسن ود حسونة.
كما أظهر تسامحا هادئا في التعامل مع المنغصات اليومية، فاستمع بصبر إلى وزير المالية وهو يعرض عليه فحوي آخر تقرير لصندوق النقد الدولي عن التدهور الشديد في الاقتصاد الوطني، وفحوي تقرير آخر عن فشل كل محاولات الحصول علي قروض من مؤسسات الإقراض الدولية لاعادة تأهيل مشاريع التنمية.
استمع بلامبالاة هادئة كأن كل هذه المصائب تحدث في وطن آخر لايخصه، بل أنه طلب نسخا من جريدة المعارضة الخارجية التي تصدر خارج الوطن والتي تتحدث بالوثائق عن فساد نظامه.
وخلافا لتعليماته السابقة فقد رفض التصديق باستخدام الذخيرة الحية لتفريق مظاهرة كانت تعبر في تلك اللحظة في قلب العاصمة لذوي الضباط الذين اعدموا دون محاكمة في آخر محاولة انقلابية ضده، بعد فشل استخدام الغاز المسيل للدموع، كما أمر بتجاهل مرور مظاهرة لذوي المفقودين منذ أول سنوات استبداده بالسلطة.
في الساعة الثانية ظهرا كان السيد وزير المالية قد فرغ من تلاوة المقترحات التي وضعها من أجل محاولة إنعاش اقتصاد الوطن، تبدأ بتخفيض الإنفاق الحكومي واعادة ربط الميزانية المنفصلة المخصصة لجهاز الأمن القومي بوزارة المالية، وإيقاف المطبعة الخاصة التابعة للقصر والتي تطبع النقود خارج إشراف بنك الوطن، لوقف انهيار العملة الوطنية، وتكوين لجنة لمحاسبة المسئولين الذين تحوم شبهات حول تورطهم في صفقات مشبوهة.
وتحدث الوزير بإسهاب مدعم بالأرقام والمستندات عن الشركات المحسوبة علي مسئولين مقربين منه، والمتخصصة في استيراد سلع كمالية ممنوع استيرادها، ودون دفع أية جمارك عليها، كذلك اقترح وزير المالية اعلان المجاعة حتى تتمكن الحكومة من الحصول علي دعم خارجي لمواجهة الكارثة.
رافق الوزير حتى باب مكتبه، ووعده بأنه سوف يدرس اقتراحاته ويضعها فورا موضع التنفيذ، ووجهه بمواصلة مباحثاته مع مندوب صندوق النقد الدولي ومحاولة تخفيف شروط الصندوق من أجل الحصول علي قروض جديدة.
حيث يشترط الصندوق تخفيض قيمة العملة الوطنية المنهارة أصلا :
لأننا لو خفضنا قيمة العملة مليما واحدا فلن يكفي جوال من هذه الأوراق لشراء ربطة جرجير!
ورفع الدعم عن السلع الأساسية : لأننا ودون أن نرفع الدعم… وأشار بيده باتجاه ضوضاء مظاهرة النازحين بسبب المجاعة.
كانت الساعة الثالثة إلا ثلاث دقائق حينما ودع الوزير بابتسامة وعاد إلى مكتبه، فيما غادر الوزير القصر علي عجل للحاق بدعوة غداء يقيمها لمندوب صندوق النقد الدولي بالفندق الكبير، ولحظة توقفه أمام الفندق الكبير دقت الساعة الثالثة في راديو سيارته، لبث قليلا داخل السيارة ليستمع لمقدمة نشرة الساعة الثالثة وكان أول خبر في موجز النشرة: قرار جمهوري بإقالة وزير المالية.
رأي نفسه في متاهة الذاكرة جالسا علي مقعد وثير في غرفة واسعة بها مائدة اجتماعات ضخمة من خشب التيك ولوحات جدارية تصور احتفالات لوضع أحجار الأساس لمشروعات منسية.
رأي نفسه غارقا في ضوء الساعة الرابعة بعد الظهر المتسرب عبر وردات أشجار الجهنمية والتاهيتي واللانتانا وهو يدفن وجهه في رمال صحيفته الرسمية، شاهد نفسه وهو يتفحص تقاطيع وجهه علي مرآة صغيرة، لا ليتأكد من أن صورته المنشورة في الصفحة الأولى للصحيفة الرسمية تنطبق علي نفس ملامحه وأنها لا تخص شخصا آخر، بل ليتأكد انه ظل حيا رغم أن الرصاصات التي أطلقت من اجل موته، كانت تكفي لفناء جيل كامل، وأن المظاهرات التي خرجت تطالب برأسه مع بدء كل عهد جديد للاستبداد بالسلطة ومع كل زيادة جديدة في أسعار الوقود والخبز ومع ازدياد أعداد المفقودين وتجدد الحرب الأهلية، كانت تكفي لإسقاط ألف نظام.
شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستبداد، رأي العميد أبو بكر محمد عثمان النور واقفا بجانبه مثلما كان يفعل دائما منذ الطفولة منذ أن كانا يلعبان سويا في أزقة أمدرمان القديمة التي يتوه فيها حتى ساكنوها القدامى، يتذكر الآن أنه كان يستغرق في الضحك حتى تسيل الدموع من عينيه كلما سمع مقولة أن فأرا هو الذي قام بتخطيط هذه المدينة القديمة.
العميد أبو بكر محمد عثمان النور، صديق عمره، صداقة كان مقدرا لها ألا يفصم عراها إلا الموت، العميد أبو بكر الأول في المدرسة، الأول في سباقات الجري، حتى في لعبة الاختباء التي كانوا يمارسونها في الأزقة كان يختفي كأنه شيطان، ولا يظهر من أقل الأماكن توقعا إلا بعد أن يفقدوا الأمل تماما في العثور عليه .
كان الأول دائما، ورغم ذلك لم يكن يحقد عليه، رغم أنه كان يرزح في غبار المؤخرة، كان هو الوحيد الذي لا يبذل جهدا للحفاظ علي مستوي أدائه، لأن البقاء في المؤخرة لا يتطلب جهدا يذكر: استراحة مطلقة في الفشل.
العميد أبو بكر محمد عثمان النور الذي قام بصد القوات الزائيرية التي تسللت داخل حدود الوطن لمطاردة ثوار السمبا أنصار الزعيم باتريس لوممبا، وحينما انتشر وباء الكوليرا بين الجنود وفي أحياء السافنا الفقيرة، قام بإعلان التعبئة لمحاصرة الوباء رغم التهديد المستمر من متمردي حركة الانيانيا، ولم يذق طعم النوم طوال عدة ليال حتى تم احتواء الوباء.
العميد أبو بكر محمد عثمان النور الذي لم يعرف مطلقا سبب موته، ففي حين صدر إعلان رسمي بأنه توفي اثر إصابته بحمي خبيثة عشية عيد الأضحى المبارك أثناء أدائه لمهمة خاصة في جنوب الوطن، أكدت شائعات موثوقة أن الحرس الرئاسي أطلق النار عليه وأرداه قتيلا حينما أقدم فجأة أثناء نقاش ساخن مع السيد الرئيس علي توجيه اللكمات له والقائه أرضا.
شاهد صورته تطل من صحيفته الرسمية، صورته التي ترقي إلى أول أيام عصر الجفاف الذي تزامن مع استيلائه علي السلطة فتراجع الخريف عن الوطن وغارت المياه الجوفية في باطن الأرض حتى استحال الوصول إليها، حتى الطيور المهاجرة اختفت من سماء الوطن.
تستغرقه الصورة فيشعر بها تنشئ حواجز من الذكري حوله فلا يكاد يستمع إلى أصوات رجال أمنه:سيدي الرئيس رجموا وزارة الداخلية بالحجارة وأوسعوا الوزير ضربا بعصي الخيزران حينما خرج ليحاول تهدئتهم، يستمع إلى أصواتهم البعيدة القادمة من قاع الذاكرة ويقول بعد مدة طويلة وكأن الأمر لا يعنيه:
لا يستطيع حتى حماية نفسه .. هذا المغفل! …
يستمع للأصوات المذعورة من حوله تحولها حواجز الذكري التي تغرقه إلى مجرد همس متقطع:
سيدي الرئيس أحرقوا وزارة المالية، وسحلوا الوزير في التراب، فيشعر ببعض التشفي في قاع لاوعيه، يتمتم: يستحق أكثر من هذا .. هذا المفلس !
تستغرقه الصورة فيشعر بنفسه ليس مجرد رسم ضوئي في واجهة الصورة، بل يشعر بنفس أعراض زمان الصورة، يري وتيرة المواسم تتحول من حوله لتحكي زمانا يتوافق مع نفس ملامح المكان، ويستمع لصخب قديم يرقي للعصر الأول للجفاف، يري رجال أمنه المذعورين وقد استعادوا ثقة الزمن الغابر حينما كان بمقدورهم اكتشاف المؤامرات حتى قبل أن يفكر فيها منفذوها، يقولون له:
الأول عثرنا عليه في مطعم أتينيه سيدي الرئيس، كان يغني بصحبة مجموعة من السكارى أغنية ‘لو ما مصدقنا أسأل العنبة الرامية فوق بيتنا’وحينما رفعناه من الأرض وجدناه غارقا في بركة بول ساخن تفوح منه رائحة الأسيتون.
والثاني عثرنا عليه في العرض الثاني في سينما الحلفايا أثناء عرض فيلم هندي لشاشي كابور ووجدنا حوله أربعة زجاجات شري فارغة وكان يغني مع شاب من قبيلة الدينكا أغنية غير معروفة بلهجة عربي جوبا يرددان فيها نبوءات الزعيم قويك قندنق بونق بأن الحرب الأهلية سوف تندلع مرة أخري.
والثالث تبعناه وهو يعبر مجاهل السافنا، متنكرا مرة في زي رعاة الماساي ومرتديا في مرات أخرى زي قبيلة الذاندي زاعما انه حفيد الملك بودوي باسنقبي الذي قتل علي يد الإنجليز في مطلع القرن العشرين، وفقدنا أثره فجأة في منطقة الحدود الكينية ثم عثرنا عليه مرة أخرى بعد ثلاثة أيام بزي سائح أمريكي وكان يستخدم نظارة معظمة يراقب بها أسراب طائر البشروش المهاجر حول ضفاف بحيرة ناكورو.
والرابع تبعناه وهو يعبر نطاق موسم الدرت وكان يشارك أثناء مروره في عمليات حصاد الذرة والسمسم ووجدناه مشاركا في مهرجان رقصة تيوكوبو بزي فقيه من الفولاني، زاعما لنفسه مقدرة خارقة علي شفاء الجروح حتى جروح القلب الأكثر نسيانا.
ثم اقتفينا آثاره وهو يعبر مع عصابات التهريب التي تقوم بتهريب السكر والصمغ العربي من داخل الوطن، ثم وهو يتوقف ليشارك في مهرجان لاختيار ملكة جمال بحيرة تشاد وشاهدناه يرقص السنجكا وكأنه ولد وعاش في تلك الأصقاع النائية حيث لا شئ سوي أحراش الصحراء المنسية التي يعبر فيها في أمسيات ضوء القمر قطاع الطرق الذين خلفتهم سنوات طويلة من حروب أهلية لا تنتهي.
ثم عبر نهر النيجر علي متن قارب صيد صغير وتبعناه وهو يخترق الصحراء الكبرى برفقة قافلة من قبيلة الطوارق وحين أوشكنا علي الوصول إليه بالقرب من مدينة كانو، فقدنا أثره فجأة لدي بدء هبوب رياح الهارمتان الموسمية .
والخامس عثرنا عليه في مستشفي التيجاني الماحي وحتى نصدق بأنه مصاب بانفصام الشخصية حاول أن يحدثنا بلسانين مختلفين في وقت واحد، إلا أننا استطعنا تمييزه بسهولة لأنه كان المجنون الوحيد الذي اعترف بأنه مصاب بالجنون .
والسادس عثرنا عليه في ملابس شحاذ جوار الجامع الكبير ولم يكن يستجدي المارة بل كان يعظهم، وفي البداية اعتقدنا أنه مجرد واعظ مخبول يستمع له المارة بدافع الفضول، وكان يلوح في يده بنسخة من كتاب بدائع الزهور لابن اياس لولا أننا لاحظنا انه كان في حديثه يستوحي مقاطع من رأس المال .
الخواجه
11-07-2005, 12:53 PM
ص ( 5 )
فصل جديد
بعد أن تم الاتفاق علي تشكيل الوفد الذي سيقوم باستقبال السيد المشير، نشأت مشكلة أخرى استغرقت وقتا طويلا قبل أن يمكن احتواءها، فقد أصر سليمان ود حاج علي الأعرج علي أن يكون رئيسا للوفد، مستندا في إصراره علي أنه كان أول من رآه وأول من أعلن وصوله للقرية، كما أنه استند إلى واقعة قديمة حدثت قبل سنوات أثناء سمر ليلي فوق كثبان الرمال شرق القرية، فقد اقترح أحد الحضور أن يقوم كل واحد بوضع تصور خاص لصورة السيد المشير وتقوم مجموعة محايدة باختيار أفضل تصور .
كان سليمان ود حاج علي الأعرج هو الوحيد الذي نجح آنذاك في رسم صورة للسيد المشير موضحا فيها سماته العسكرية وان كان نجاحه بائسا فقد تخيله في صورة مجند في قوات الشرطة الشعبية يتعقب السكارى ويطارد النسوة المسنات لجمع الضرائب علي أشجار النخيل.
في تلك الأثناء كان السيد المشير لا يزال مستسلما لنوبة التذكر التي اجتاحت قفر ذاكرته نتيجة صعود مفاجئ لصور مدفونة في قاع لاوعيه، رأي نفسه في زمان يصعب تحديده، جالسا علي مقعد وثير في قاعة واسعة، غارقا في الضوء النازف عبر وردات أشجار الجهنمية والتاهيتي، وهو يدفن وجهه في رمال صحيفته الرسمية، محاولا الهاء نفسه عن ضجة الهاربين من حوله.
شاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة في صدر الصفحة الأولى، شاهد زملائه الستة في مجلس قيادة الثورة، المقدم حسن عز الدين الطاهر والرائد عثمان محمد زين العابدين والنقيب أكرم محمد نور الدين والرائد الطاهر علي عبد الرحمن والرائد دفع الله محمد دفع الله والرائد سليمان النور سليمان، يقفون حواليه وفي عيونهم انطباع الدهشة الأول ورغم ذلك يبدون أكثر ثقة وسلطة منه.
ورغم مظاهر التحدي في سيماء الوجوه وفي بريق العيون، وفي ضوء الظهيرة الشفاف الذي كانت تسبح فيه الصورة، إلا أن الصورة لم تشر إلى المواجهة التي لاحظ ومنذ أول اجتماع لمجلس قيادة الثورة أنها ستكون حتمية، حينما اكتشف منذ أول اجتماع أنه الأقل كفاءة منهم جميعا.
عرف انه يتعين عليه تأجيل المواجهة، فقد اكتشف بحدس مبكر أن من يستطيع تحديد ميعاد المواجهة سيكون هو المؤهل لكسب الجولة الحاسمة، وحتى لا يكشف عقمه الفكري بسرعة آثر عدم الانجرار في مناقشات مكشوفة، اختبأ في الصمت محاولا عن طريق الإيحاء بحركات عينيه أن صمته كان ناجما عن حكمة لا عن جهل.
حتى شعر بأنهم صاروا يتجاهلون وجوده الضخم المحايد، أثناء مناقشاتهم حول كيفية ترقية الأداء في المؤسسات الحكومية وإنشاء مشروعات للتنمية، ومشروعات لاستغلال الطاقة المائية وتنمية الريف وسبل إيقاف الحرب الأهلية.
هنا اكتشف وجود الثغرة الوحيدة في جدار انهياره الثقافي، حينما وجد أنه أكثرهم دراية بقضية الحرب في جنوب الوطن بسبب الفترة الطويلة التي قضاها في الخدمة هناك، إلا انه وفي اللحظة التي اعتقد فيها انه امسك زمام المناقشة، اكتشف أن أحدا لم يوليه أدني اهتمام بسبب اطروحاته التي بدا وكأنها لن تساعد علي حل القضية بقدر ما سوف تساعد علي تفاقمها.
في تلك الأيام مضي يحاول تثبيت أقدامه قبل أن يحدد ماهية الخطوة التالية، دون أن يلاحظ أي من رفاقه أن وحش السلطة بدأ يستيقظ داخل هذا الملاكم الذي ينم مظهره عن لا مبالاة خادعة.
وحينما رأوه في أول اجتماع بحجمه الضخم والبذلة العسكرية التي تكاد تتمزق مع كل شهيق وزفير، عرفوا أن عقله بدأ عطلة أبدية منذ اللحظة التي ولد فيها، وانه لم يكن لديه مؤهل واحد للبقاء علي قيد الحياة سوي قبضة حديدية، وحتى هذه القبضة الخارقة لم يكن يحسن استخدامها في معظم الأحيان، فجلبت له من المصائب أكثر مما فتحت له من دروب للمجد.
دون أن يلاحظ أي من رفاقه أن وحش السلطة في دواخله استيقظ للمرة الأولى، ونفض عن نفسه غبار لامبالاة الإفراط في حياة هامشية كانت تمضي دون هدف، دون حتى مجرد أرشيف للذكريات يمكن استخدامه يوما لا لمحاسبة الذات، بل لاعادة حساب أوهامه لتقدير الوقت الضائع من عمره .
قضي الليالي الأولى في البيت محاولا أن يقرا كل ما تقع عليه يداه، فامتلأت رأسه خلال بضعة أيام بمعلومات متنافرة حتى شعر بأنه بات اقل مقدرة علي التركيز أثناء اجتماعات مجلس قيادة الثورة بسبب تشوش امتلاء رأسه بمعلومات أقحمت علي ذاكرته بالقوة، تبدأ من أسباب غزو محمد علي باشا للوطن في مطلع القرن التاسع عشر، وتنتهي بمعلومات مبسطة استقاها من كتاب مصور عن كيفية صيانة محركات اللستر الهندية .
لاحظ أن المجموعة الأولى التي ساندت انقلابه كانت تشكل مركز قوة داخل المجلس، فحاول استمالة الثلاثة الباقين، ولدي عودته إلى البيت متأخرا مساء أول اجتماع مشترك لمجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، شعر للمرة الأولى منذ مولده أنه وحيد .
ودون أن يكلف نفسه عناء تمحيص أصول هذا الشعور، عرف أن تلك كانت أول أعراض الرغبة في الاستبداد الكامل بالسلطة، شعر بنفس أعراض الحقد والنقمة التي تجتاحه حينما يزور أحد بيوت الدعارة ويكتشف أن أحدهم سبقه إلى المرأة التي يقصدها، عندها كان يقلب الموائد ويحطم المقاعد والأبواب حتى تنتزع له المرأة من أحضان حب غير مكتمل ويتم تهريب العاشق التجاري المذعور عن طريق النافذة .
عرف أن مجموعة الثلاثة التي تمثل رأيا متميزا ومنظما داخل المجلس، لا يأتيه الباطل من بين يديه أصبحت تمثل لديه هاجسا يوميا ملحا، وتأكد من أنه سيتعين عليه تحطيم عدة أبواب وقلب عدة موائد قبل أن يتاح له أن يخلد إلى أحضان السلطة التي عرف أنها مثل عاهرة يستحيل أن ينام معها أكثر من شخص واحد في نفس اللحظة.
كان مستغرقا في وحدته حينما تسلل الرواد الثلاثة، الرائد الطاهر علي عبد الرحمن والرائد دفع الله محمد دفع الله والرائد سليمان النور سليمان، في وجودهم اكتشف أنه ليس فقط الأكثر ثقافة بل أيضا الأكثر أخلاقا، تركهم يتحادثون في الفناء واتجه إلى البيت، من ثلاجة الكولدير القديمة سحب زجاجة شري وزجاجة ماء ثم غسل الكوب الوحيد الذي عثر عليه سليما، حمل الأشياء كلها وعاد إلى الفناء ليضعها فوق منضدة خشبية صغيرة وسط المجموعة ثم عاد مرة أخرى إلى البيت.
وجده الرائد الطاهر علي عبد الرحمن بعد قليل غارقا في عرقه وهو يقوم بغسل صحن ضخم من الألمونيوم مخصص للفول، في المطبخ الصغير حيث تناثرت أواني الطبخ المتسخة أرضا وسط جيوش الصراصير، سأله الرائد الطاهر علي عبد الرحمن سؤالا مفاجئا :
لماذا لا تتزوج سيدي الرئيس ؟
شعر بالخجل حينما تذكر للمرة الأولى منذ استيلائه علي السلطة، أنه كان متزوجا من المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز، رآها جالسة في عتمة ضوضاء الذاكرة في ثوبها الأسود الذي ارتدته منذ وفاة المرحوم والدها ولم تخلعه حتى الموت.
لم تخلعه حتى بعد أن عادت تمارس حياتها الاجتماعية القديمة، تزور جيرانها وتعتني بأطفالهم وتؤسس مع زوجات موظفين آخرين جمعيات لمحو الأمية ومساعدة الأيتام. رآها جالسة في عتمة مغيب غابر وهي تسقي شجيرات ورد الحمير ووردات نبات صباح الخير ونبات الوينكا، رآها وهي تنظف أنسجة عنكبوت الجدران بمكنسة طويلة الذراع، رآها وهي تطعم طيورها الداجنة، الحمام والدجاج الفيومي وعصافير الحب التي أهداها لهم صديق أحضرها من الجنوب.
آمال النور مصطفي عبد العزيز التي تزوجها علي هدي كتاب الله وسنة رسوله والتي دفع فيها خمسة وعشرين قرشا مهرا، دفعهم المرحوم والده، والتي لم يمهلها الموت ولا حتى الوقت الكافي ليحبها، ذلك أنه لم يشعر تجاهها طوال أول عامين من الزواج سوي بمزيج من الكراهية والخوف .
قبل زواجه كان يعود إلى البيت في منتصف الليل، وبعد الزواج اصبح يعود إلى البيت في الثالثة صباحا، وأول ما كان يفعله لدي دخوله مخمورا هو تحطيم أول شئ يقابله، كإعلان احتفالي لوصوله، حتى تحول البيت بعد بضعة أشهر إلى مستودع للأثاث المحطم، وحتى بعد أن نفدت كل الأشياء التي تصلح للتحطيم، أصبح يحضر معه زجاجة خمر فارغة .
عند موتها عرف أن تحطيمه للأشياء لم يكن سوي محاولات يائسة للهروب من قدره: قدر حيوان متوحش آخذ في الاستئناس، كانت تقابل كل أوهامه التحطيمية بابتسامة وتنحني لتجمع بقايا الزجاج المهشم، وبقايا المقاعد والمناضد، تزيحها إلى المخزن الصغير في الفناء وتصنع من الأجزاء الأقل تضررا أصصا خشبية تضع فيها زهورها، فتتمدد مساحة زهورها طرديا مع تنامي ميوله التحطيمية .
وفي الصباح حينما تنجلي سطوة الخمر عن دماغه، كان يشعر بندم غامض، أن شخصا آخر يخرج من داخله مساء ليحب ويكره نيابة عنه ويحطم الأشياء، لكنه لا يملك ولا حتى القدرة لإنكار تصرفاته، يكتفي بارتداء ملابسه الضخمة علي عجل ويغادر البيت.
وبعد أكثر من عامين حينما بدأ ميله التحطيمي يهدأ في البيت لاحظ أنه يعوض ذلك بميل تحطيمي مضاعف خارج البيت، حتى أن المجموعة التي كان يسهر معها ذات ليلة نقلت كلها للمستشفي، ولاذ جميع رواد المطعم الذي كانوا يسهرون فيه بالفرار، حتى العمال والجرسونات .
ولاذ محاسب المطعم بالفرار تاركا الخزينة الصغيرة مفتوحة فتبعثرت كل محتوياتها لدي هبة ريح مفاجئة حملت مئات الأوراق النقدية إلى الفضاء، وسالت علي الأرض انهار من الويسكي والبيرة ولتهدئته تعين استدعاء فرقة من شرطة الاحتياطي المركزي، حاصرت المكان وأخلت الجرحى .
شاهد المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز ترتدي ثوبا اسود وتجلس علي عنقريب في الفناء وهي ترتق له بنطاله العسكري الضخم مستخدمة خيطا من النوع المستخدم لحياكة الأحذية، رأي وميض ضوء مغيب السابع عشر من أغسطس من خلف كتفيها معتقدا انه يراها في عتمة الذاكرة، دون أن يلاحظ أنه كان يراها لا في عتمة الذاكرة، بل في عتمة الموت، لأنه ومنذ اللحظة التي استهل فيها استبداد العصر الأول للجفاف مضي ينزلق إلى حياة أشبه بالموت، ومضت دروب قلبه تنغلق أمام كل إشارات الحياة، فلم يلاحظ ولا حتى أنه كان معزولا عن نبض الحياة في وطن الجفاف والتصحر، وعن بكاء بتامي نشرة أخبار الساعة السادسة والنصف صباحا، وعن حرمان الأرامل وذوي المفقودين وعن آلام الفقراء الطيبين ومرضي الملاريا الذين يترنحون في شوارع الوطن .
رأي المرحومة آمال النور مصطفي عبد العزيز في عتمة مغيب ناء ترتق له ملابس الشجار، جالسة في بهاء شاعري كأنها الملكة الكنداكة في مملكة مروي القديمة، وفجأة انتزعه صوت نسائي رفيع كان يغني : الليلة مسافر ما جبر الخاطر، كان الرائد دفع الله قد خرج لإحضار الفول للعشاء من مطعم أبو العباس وعاد مصطحبا بجانب صحن الفول الضخم فتاة صغيرة بالغة الجمال .
أزاح ذكريات زواجه جانبا وجلس في حضرة جمالها، لا فنها، منتشيا مثل درويش، شاعرا بأن ريشه كان ينتفش مثل ديك رومي، حاول أن يسلم أذنيه لتيار غناءها ليقاوم فضيحة بدء انفلات أشواقه، فشعر في سطوة صوتها بأول أعراض ضياعه، الذي استمر أكثر من أربعة عقود من الزمان، كانت الحياة خلالها تمضي دون أن يعرف هو نفسه كيف كانت تمضي، كان إيقاع الحياة يبدو متوقفا، ورغم ذلك كانت القطارات القديمة تعبر صحراء بيوضة إلى ميناء وادي حلفا النهري، وكانت المراكب تعبر نهر النيل تنقل الناس والبضائع، وكان طائر البشروش المهاجر يعبر سماء الوطن متجها إلى جنوب القارة، وكان أفراد قبيلة الكبابيش يرحلون بجمالهم في رحلتي النشوغ والجزو بحثا عن الكلأ الذي أصبح نادرا مع سطوة عصر الجفاف .
فجأة لاحظ أن زملائه الثلاثة أصبحوا سكارى تماما لدرجة أنهم لم يتنبهوا له وهو يسحب الفتاة إلى الداخل، ولاحظ أنهم واصلوا طربهم اللاإرادي مع صوت الفتاة رغم توقفها عن الغناء، ولم يوقظهم بعد قليل إلا صراخها الداوي .
استيقظ الرواد الثلاثة ووجدوا أمامهم صحن الفول فشرعوا في الأكل دون مناقشة، بعد قليل خرج من داخل البيت ليجد المكان خاليا وليكتشف أن صحن الفول الضخم كان نظيفا تماما، أيقظ الحراس ليقوموا بتوصيل الفتاة ثم استسلم للنوم شاعرا بتوجس من واقعة أن حلفاءه الجدد بادروا إلى أكل عشائه .
الخواجه
11-07-2005, 12:54 PM
ص ( 6 )
فصل جديد
فشاهد صورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، وقرأ إشارات الحماسة علي الوجوه الشابة، إشارات الحماسة التي خبت بمرور زمان لم يكن هو نفسه قادرا علي أن يصدق كيف بقي فيه علي قيد الحياة رغم أنه رأي نفسه مؤهلا أكثر للموت من بين كل المخلوقات .
شاهد إشارات الحماسة التي جعلته في الأيام الأولى يطوف الوطن كله من أقصي إقليم الشمال في باخرة قطعت نهر النيل، فشاهد الصبية الحفاة يهتفون باسمه، تذكر أن الدكتور إبراهيم عبد الرحيم وزير المالية المهذب حذره بأدب شديد حينما لاحظ نشوته الذائدة باستقبال الجماهير له، قال له :
هؤلاء أهلنا الطيبون سيدي الرئيس معتادون علي الترحيب بممثل السلطة منذ عهد التركية السابقة، ولكن المحك الحقيقي يكمن في من الذي يستطيع أن يقدم لهم شيئا، أشاح بوجهه عن الوزير المحسوب علي مجموعة المقدم حسن عز الدين الطاهر ومضي يحيى الجماهير بكل حواسه مرخيا أذنيه في نفس اللحظة لحديث الوزير نور الدين الأمين الذي حاول تلطيف حديث وزير المالية :
تركوا كل شئ سيدي الرئيس وجاءوا من اجل إلقاء نظرة واحدة عليكم سيدي الرئيس، يهتفون باسمكم في هذه الأصقاع النائية، حيث لا شئ سوي القيظ والذباب، صحراء مثل الموت دون نهاية، لا ينبت فيها سوي نبات السلم ذو الطعم الشبيه بطعم شجرة الزقوم، أكثر المناطق إهمالا طوال العهود الوطنية، لم تقدم لهم حكومة الأحزاب سوي وعود انتخابية كان يتم نسيانها بمجرد وصول المرشح إلى مقعده .
يحتاجون إلى أحزمة شجرية واقية لوقف زحف الصحراء التي تكاد تبتلع نهر النيل العظيم سيدي الرئيس، يحتاجون ليتعلموا تقنيات الزراعة الحديثة فلا يكتفون بزراعة ما يكفي لابقائهم علي قيد الحياة والي زيادة أعداد المدارس للقضاء علي الأمية، يحتاجون إلى حملات توعية صحية ليحاربوا الذباب الذي يسبب لهم التيفويد واليرقان، والبعوض الذي يسبب لهم الملاريا التي تستنزف كل قواهم .
وينظر حواليه فيري : النسوة اللائى جئن لرؤياك سيدي الرئيس، وأطفال المدارس الذين يحملون حقائب قماش الدمور الصغيرة، عيونهم ملتهبة من آثار التراكوما، والأرامل اللائى جئن دون أن يفقدن الأمل ليطلبن منك وقف الحرب الأهلية وكشف مصير ذويهن المفقودين .
واستطرد الوزير دون أن يلاحظ أن السيد الرئيس كان لاهيا عنه بمظاهرة استقباله : هذا البلد يحتاج لخدمات كثيرة، فآخر باخرة عبرت هذه المنطقة كانت الباخرة التى جاءت لإنقاذ غردون باشا من قبضة أنصار الإمام المهدي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وآخر قطار عبر هذه الصحراء كان القطار الذي حمل اللورد كتشنر وجنوده أواخر القرن التاسع عشر للقضاء علي الثورة المهدية، وأسلاك التليفون التي أنشأها الاستعمار الإنجليزي انقطعت عنها الحرارة في العهد الوطني، فاستخدمتها النسوة الأرامل لتعليق الملابس عليها لتجف بعد غسيلها، وباختصار شديد فإن الحياة هنا منحطة سيدي الرئيس حتى أنهم يحكون قصة أفاق أحضر معه من العاصمة تفاحة وعلقها بحبل في سقف بيته ثم سمح لاهل القرية بالدخول لقاء قرش واحد لرؤية التفاحة.
وأمام سيل الناس الذين هرعوا ليلقوا نظرة علي السلطة العائمة، شاهد فجأة رجلا ضخم الجثة قدر أنه كان أكثر ضخامة منه، شاهده ينطلق فجأة من بين أجمة الحلفاء وشعر بإلهام خارق أنه من بين الآلاف الذين هرعوا لرؤيته بدافع المحبة أو الفضول، فإن هذا الرجل كان الوحيد الذي هرع لرؤيته بدافع الكراهية .
شاهد من بين أجمة أشجار الطرفاء والسنط أطلال قصر الشاعر حمزة الملك طمبل، وشاهد مآذن مدينة أرقو الجميلة التي أنشأها الأتراك في القرن التاسع عشر، شاهد أشجار النيم الكثيفة في طرقاتها المتداخلة تخفف من قيظ الساعة الثانية بعد الظهر، وشاهد البوابة الحجرية الضخمة لمبني البلدية الذي بناه الإنجليز في الحي القديم المحاط بأشجار اللبخ والجميز والذي سيبتلعه فيضان النيل المدمر قبل عامين من نهاية القرن العشرين .
وفجأة تذكر بيت جده القديم في إحدى ضواحي مدينة أرقو، بيت جده الذي آل إليه لأنه لا يوجد وريث غيره لهذا الإرث المنسي في حافة هذا القفر الذي . . . يضل فيه حتى البدو سيدي الرئيس، حيث لا ينمو سوي نبات السيكران ذو الثمرة السامة الشبيهة بثمرة الخروع .
فور عودته أصدر قرارا بإقالة وزير المالية الدكتور إبراهيم عبد الرحيم، كانت تلك أول إشارة لا يرقي إليها الشك حول استيقاظ وحش السلطة في داخله رغم أن زملائه فات عليهم أن يتنبهوا لذلك التطور الخطير، لا مبالاة كان مقدرا أن يدفعوا حياتهم ثمنا لها .
وفي أول اجتماع لمجلس قيادة الثورة بعد إقالته لوزير المالية، طرح للمناقشة مشروع تأميم عدد من المشروعات الخاصة للحد من سيطرة بعض الأجانب علي الاقتصاد الوطني، اعترض المقدم حسن عز الدين الطاهر : الأمر يحتاج لدراسة وافية يقوم بها متخصصون سيدي الرئيس، الثورة لما تزل وليدة، والقرارات المتعجلة قد تعيدنا إلى أول مربع .
لكنه أعلن القرار في خطابه بمناسبة العيد الأول للثورة، بعد أن استعان بلجنة فنية مساعدة عين جميع أعضائها بنفسه، وبعد بضعة أيام تمت وباسم الشرعية الثورية مصادرة أكشاك صغيرة تملكها أرامل ومطاعم شعبية لبيع الفسيخ وملاح ألويكة والكسرة وبعض الشركات التي يملكها أجانب .
شاهد مآذن مدينة أرقو الجميلة، واشتم رائحة نوار أشجار دقن الباشا فتذكر طفولته الأولى التي انقطعت فجأة بسبب قرار أسرته الرحيل للاستقرار نهائيا في مدينة أم درمان، تذكر الرحلة علي ظهر عربة لوري قطعت الصحراء في سبعة أيام، تذكر أن اللوري كان محملا بجوالات البلح وانه كان يسرق البلح من ثقوب الجوالات التي يجلسون فوقها مع متاعهم القليل المكون من حقيبتين من الصفيح وضعت فيهما والدته خبز ‘القرقوش’ الجاف وقفص من خشب الزان به دجاجات هرمة مصابة بالهيم، كانت جدته تخرجها من قفصها في أمسيات الصحراء في الطريق إلى أم درمان وتدهنها بالزيت المخلوط بالرماد لقتل الهيم، وقفص من أعواد شجر النيم، أحكم داخله فرن بلدي من الفخار أصرت والدته علي حمله رغم أن والده حاول إقناعها بأن الخبز يباع في أم درمان في الشوارع .
تذكر أمسيات قمر بعيد غامض تفوح من خلاله رائحة نوار شجر النيم، كان يلعب فيه مع أقرانه لعبة شليل، شاهد الحفاة الذين جاءوا لالقاء نظرة فضول علي السلطة تمخر عباب نهر النيل، رأي الوجوه المتغضنة تحت وطأة القيظ، شاهد التماسيح تزحف في شواطئ الجزر المنسية في عمق النهر المقدس، بين سيقان نبات البردي والزعتر البري، وشاهد أسراب طائر الحباري تحوم فوق النهر، وشاهد عصافير السمان المهاجرة، واسراب طائر الرهو تبدأ رحلة الهجرة العكسية شمالا فعرف أن الشتاء انصرم، وشعر بسلطته المطلقة تبدأ مع أول أنسام الصيف، نفس الشعور الذي تعمق لديه في اللحظة التي أعيد فيها إلى سدة الحكم بعد فشل أول محاولة انقلابية ضد سلطته.
قفزت إلى واجهة ذاكرته صورة النقيب أكرم محمد نور الدين، انضباط وأدب قل أن يتوافرا في شخص واحد، وفوق ذلك وسامة مفرطة تفرض هيبة من حوله، ورغم فارق السن الكبير بينهما، إلا انه كان يجلس أمامه مثل تلميذ صغير، يشعر بأن أكثر أخطائه تفاهة كانت تبدو واضحة للعيان، يجلس في حضرته صامتا يخشي لدي صدور أية حركة أو كلمة منه أن تكشف المزيد من أخطائه .
واجه النقيب أكرم نور الدين مخمورا في الغرفة الخشبية الضيقة في سلاح المدرعات حتى يتلافي الضعف الناجم عن مواجهته في حالة وعي كامل، كان حوله جنود مدججون بالسلاح، دفعه الشعور بالأمان وسط رجاله المسلحين لينظر مباشرة في عيني النقيب، كان بريقهما القاتل قد ضعف قليلا تحت ضغط إرهاق الليلة المنصرمة، وفي وجهه بدت آثار التعذيب، انه الوحيد الذي شكل السيد الرئيس بعد إعدامه لجنة تحقيق للجنود الذين قاموا بتعذيبه، رغم أنها كانت تعليماته ، وقام بنفسه بتوقيع عقوبات تراوحت بين الطرد من الخدمة والسجن لمدد مختلفة، والذين ابقي عليهم في الخدمة وقع عليهم بنفسه العقوبة الفورية : الضرب المبرح الشبيه بالموت .
للوهلة الأولى حينما نظر مباشرة في عيني النقيب أكرم نور الدين ورغم أنه كان مخمورا، إلا انه شعر بارتباك كيف لمثله أن يكون خائنا ، حتى راودته شكوك وجود خطأ ما، بددها الرد الحاسم للنقيب : الخطأ الوحيد الذي ارتكبناه هو أننا لم نطلق عليك النار منذ اللحظة الأولى .
وليعوض شعوره بالهزيمة تجاهه، ولينتقم لضعفه، أمر بإعدامه فورا وقبل مروره علي المحكمة العسكرية التي أصدرت عشرات أحكام الإعدام رميا بالرصاص علي عسكريين ومدنيين .
الخواجه
11-07-2005, 12:54 PM
ص (7 )
فصل جديد
في تلك الأثناء واصل السيد المشير بحثه عن بيته في شارع الأرامل وبعد أن قام بقياس المسافة بمتر معدني، وراجع مواقع كل الأشياء متفحصا بدقة خبير في الأثر معالم التغيير في المكان، بدءا بالزحف الصحراوي الوشيك الذي ابتلع خور أرقو، وانتهاء بأشجار السنط التي بدأت في الجفاف وعصافير السمان المهاجرة التي بدأت في الرحيل، فاكتشف نهاية خطوط عصر الجفاف الذي اجتاح مملكته منذ اللحظة التي تسلم فيها مقاليد السلطة بعد اندحار أول محاولة عسكرية لقلب سلطته .
عندها فقط توقف للمرة الأولى منذ عدة أيام، شعر برأسه يدور وبفراغ إعصاري في معدته من سطوة سيل للذكريات كان يندفع نحو الذاكرة فتصده رياح الحنين، شاهد إشارات زمان لم يعد في متناول الذاكرة منه سوي صدي ضئيل من وهج وقائع رأي نفسه خلالها في هيئة ملاكم، واقفا وسط حلبة وحوله أعداد من المنافسين الصرعى بضرباته القاضية، حتى الحكم نفسه كان يرقد صريعا، حتى الجمهور كان صريعا كله والأجساد مختلطة بالمقاعد في مشهد سريالي .
ثم رأي نفسه ينفض عن يديه غبار الموت بعد أن تأكد أن كل الأسماء المدونة أمامه من أعدائه قد أصبحوا إما تحت التراب او توزعوا ما بين ظلام معتقلاته السرية والمنافي البعيدة.
بعدها أعلن حل مجلس قيادة الثورة، وكافأ الذين وقفوا معه في محنته الأولى، بالتسريح من الخدمة، لتجنب أية احتمالات أخرى للخيانة، وسعي بنفسه للتجسس علي أقرب معاونيه، وأرسل أكثرهم وفاء إلى النسيان، مركزا بحثه علي شخصيات ينتشلها من القاع ثم يغرقهم في بحر السلطة حتى إذا شعر أنهم بدءوا ينتفشون بريش السلطة يعيدهم إلى القاع مرة أخرى بجرة قلم .
أعلن عن استفتاء لرئاسة الجمهورية، قال فيه 99,99 من الناخبين نعم لرئاسته، وفي أول حديث شهري له في جهاز التلفزيون قال شكرا للذين قالوا نعم وشكرا جزيلا للذين قالوا لا، إلا انه عاد اثر انفعال مفاجئ بسبب رسالة من مستمع مشاكس سخر من نتيجة الاستفتاء الرئاسي موقعا علي تهنئة باسم اتحاد الموتى الذين شاركوا بأصواتهم في فوزه الساحق، ثم تساءل في النهاية إن كان من الممكن أن تحدث كل تلك المجازر التي شهدها الوطن أن كان النظام الديمقراطي مستمرا .
كانت الرسالة مفاجأة حتى لأعوانه الذين اقترحوا عليه عدم فض الرسائل علي الهواء، وأن يترك أمر مراجعتها قبل ميعاد البرنامج للجنة تقوم باستبعاد الرسائل غير الملائمة إلا أنه أصر علي فض الرسائل بنفسه وعلي الهواء مباشرة، قام بتمزيق الرسالة الاستفزازية أمام آلاف المشاهدين، وهدد كل الخونة الذين قالوا لا للتجديد له من أجل ولاية رئاسية جديدة .
وفيما بعد قام بنفسه بإعادة تجميع الرسالة التي مزقها علي الهواء، وفحص الخط بدقة بسبب شكوك راودته بأنه يعرف كاتبها، وحصل بواسطة رجال أمنه علي عدة نماذج لخطوط ضباط في الجيش ومشتبهين بانتمائهم للأحزاب المحظورة، لكنه لم يعثر علي ضالته، ثم أهمل البحث رغم أنه كان يشعر بمرارة كلمات الرسالة في حلقه تزداد بمرور الأيام .
حتى الليلة التي اخترق فيها مخمورا القيادة العامة للجيش، ولدي دخوله المباغت اصطدم بضابط شاب كان علي وشك أن يغادر المكان، اصطدمت عيناه بومضة بريق غريب في عيني الضابط الشاب ، فاكتشف أنه هو الشخص الذي يبحث عنه : الملازم خالد حسين عثمان، طرحه أرضا دون سؤال بلكمة فولاذية وأمر بنقله غائبا عن الوعي إلى سجن كوبر، وتولي بنفسه استجوابه .
أكد خبير الخطوط شكوكه في أن الملازم كان بالفعل كاتب الرسالة، وبعد يومين من التحقيق العنيف أعلن عن وفاة الملازم خالد حسين عثمان اثر اصابته بأزمة قلبية أثناء قيامه بأداء واجبه، شعر براحة بعد موت الملازم حتى أنه عفا عن بعض المارقين عن سلطته وشمل العفو بعض اللصوص والقتلة، ولشهور ظل الوطن كله في حالة ترقب بعد الدماء التي سفكت وبدا كأن الوطن كله كان يترقب الميقات الأسوأ لنزواته، ثم بدأ يحدث انفراج :
سيدي الرئيس الفاصل المداري تحرك فجأة نحو الشمال وشوهدت عواصف أشبه برياح الهارمتان تتجه نحو الإقليم الشرقي، نهر القاش فاض فجأة وغير مجراه القديم فعبر في قلب سوق مدينة كسلا ومسح أحياء بكاملها من الوجود، وصل مندوب من صندوق النقد الدولي للتفاوض حول قروض جديدة من أجل إقامة مشروعات للتنمية سيدي الرئيس، تهدمت عدة منازل في ضاحية الحاج يوسف بسبب أمطار بلغ قياسها مائة وثمانون مليمترا .
حتى الخير حينما يحل في مطلع عهده السعيد تصبح له أعراض شبيهة بأعراض الكوارث، ورغم ذلك لا يجرؤ علي الاعتراف بالعجز من عدم مقدرته ضبط القدرة التدميرية للخير، حتى تصله المزيد من أخبار الكوارث : السيول جرفت إلى نهر النيل مدينة مروي القديمة سيدي الرئيس، وشاهد الناس الإله ابادماك وقد جرفته المياه من البجراوية مبحرا نحو الشمال، تساءل بحذر عن هوية هذا الإله، وهل كان وجوده وطنيا أم انه أحد خوازيق الاستعمار الإنجليزي الذي ترك لنا وطنا واحدا وامتين .
يرخي أذنيه للمزيد من الكوارث ليعرف أنه :
تم تهجير كل أهالي الجزر التي غمرتها المياه وهم الآن في العراء دون مأوي أو غذاء، غرقت مركب شراعية كانت تقل ستين مواطنا من جزيرة بدين معظمهم من النساء والأطفال .
فعاد بباخرته يتفقد الخراب، شاهد الفقراء الطيبين يتجمعون لرؤياه بنفس الحماسة التي استقبلوه بها قبل اكثر من عامين، واكتشف أن الدمار الناجم عن الخير كان أسوأ من الدمار الناجم عن الجفاف، حينما شاهد أشجار النخيل التي تساقطت في الماء، والبيوت التي غمرتها المياه، وعلي جدرانها رسومات الأطفال، حمير وكلاب لها أذناب طويلة ورؤوس آدمية مرسومة بالجير الأبيض علي جدران الجالوص، والقلوب التي تخترقها سهام التي يرسمها العشاق المحليون بسبب سأم القيظ .
حتى تبدأ تقارير خير مضاد تصل إلى مسامعه :
بدأت مواد الإغاثة تصل إلى الوطن سيدي الرئيس، وصلت لنا مواد تكفي لغذاء الوطن كله لمدة عام، وخيام بعدد كل أهل الوطن .
أمر بتوزيع الخيام والأدوية والأغذية. وتولت طائرات الهليوكوبتر التابعة للجيش توزيع المواد الغذائية علي المواطنين الذين حجزوا في الصحراء بسبب السيول، ولأنه تأكد من حجم المعونات، ترك لمعاونيه مهمة توزيعها، لكنه أبقي عيونه ساهرة ترقبهم، فعرف بأرقام موثقة انهم قاموا بتوزيع أقل من نصف الخيام التي وصلت وأن البقية بيعت بالجملة وأنهم وزعوا الذرة واحتفظوا لانفسهم بالبسكويت والحلوى، وقاموا بتوزيع اللبن المجفف المخصص للقطط والكلاب، واحتفظوا لانفسهم بلبن النيدو الهولندي الفاخر، وشاهده معروضا في السوق العربي .
أعلن في لقاءه الشهري أن تحقيقا سوف يتم لحصر التجاوزات التي حدثت أثناء توزيع مواد الإغاثة، وأنه لن يتردد في عقاب كل من يثبت أنه تلاعب في قوت الشعب، وبعد أيام ظهر في جهاز التلفزيون وهو يتسلم التقرير الذي أعدته لجنة تحقيق مكونة من قانونيين من وزارة العدل، ترك التقرير عدة أيام علي مكتبه حتى تأكد أن كل معاونيه اطلعوا عليه ثم حفظه في درج مكتبه، مبقيا أذنيه مفتوحتين لتقارير عيونه:
الخواجه
11-07-2005, 12:56 PM
ص ( 8 )
وزير شئون القصر اشتري مزرعة ضخمة تطل علي النيل الأزرق، بها حمام للسباحة، رغم أنه لم يستحم طوال حياته ولا حتى في بركة للمطر، وبها أيضا ملعب للتنس رغم أنه لم يلعب طوال حياته ولا حتى بكرة شراب .
ومنسق شئون القصر اقتني عربة مرسيدس فخمة، رغم أن أقصي طموحاته قبل سنوات كانت اقتناء حمار يستخدمه لعربة الكارو التي ورثها عن والده، وخرج فجأة للحياة نافضا عن نفسه غبار الدفاتر التي ظل مدفونا تحتها في أرشيف حكومي حتى نسي الناس شكل وجهه، وتعافي فجأة من ربو غبار الدفاتر التي أفني وسطها أكثر من نصف عمره، زاحفا في السلم الوظيفي إلى الوراء حتى بقيت خطوة واحدة له ليتحول إلى ساع ينظف المكاتب ويعد القهوة والشاي ويحضر السعوط للموظفين، ليس فقط بسبب عدم كفاءته ولكن بسبب حجمه الصغير لأنه لم يكن يأكل طوال سنوات سوي الغبار، حتى لم يعد يري بالعين المجردة إلا بصعوبة شديدة .
ثم تزوج مؤخرا سيدي الرئيس زواجا لم نسمع بمثله إلا في أساطير ألف ليلة وليلة، فقد ظلت الموسيقي تصدح طوال سبع ليال حتى كاد جيرانه يرحلون من الحي، وزفته فرقة من شرطة السواري وهو راكب علي حصان ابيض، ويحمل سيفا ضخما أكد أنه كان يخص السلطان بادي أبو شلوخ الذي زعم أنه ينتمي إلى سلالته، رغم أنه لم يجرؤ علي التفكير في الزواج طوال عدة سنوات بسبب إصابته بعجز جنسي كما كان يعلن بنفسه، لا بسبب مرض، بل بسبب الجوع .
.. والدكتور الطاهر عبد السميع أقرب معاونيك، رأيناه يرقص مخمورا سيدي الرئيس في ملهي ليلي، وشاهدناه من علي البعد ينثر الأوراق المالية فوق المغنية البدينة حتى غطاها تماما، ولم يعد يسمع سوي صوتها الصاعق من داخل هذا التبذير الرسمي وحينما اقتربنا معتقدين أنه غطاها بالعملة الوطنية اكتشفنا أنه أغرقها بالدولارات ! فلا يؤرقه هذا التبذير الرسمي بالعملة الصعبة بقدر ما تريحه فكرة أن السيول التي أغرقت الوطن شلت فيه أية محاولات تآمرية، لأن الجميع كانوا غرقي من وادي حلفا وحتى نيمولي وأية مدرعات تحاول التحرك سوف تغرز في الوحل .
ومخازن الوطن كلها كانت مليئة بالمواد الغذائية، حتى بعد أن سرق اللصوص كل ما استطاعوا حمله، وغرق أهل الشمال النائي في القمح الأمريكي الرخيص الذي بدلا من أن يلقيه الأمريكان في البحر ألقوه لنا، حتى أرامل الحرب الأهلية وذوي المفقودين نسوا في غمرة الطوفان الغائبين القتلى في الأحراش أو المدفونين في ظلام معتقلات منسية لم يعد فيها من يذكر أسباب اعتقاله .
لم يعد هناك من يهتم بمصير الموتى، وتكاثرت علي الوطن قروض صندوق النقد الدولي ونادي باريس، وجاء الخبراء الكوريون وعلمونا كل شئ بدءا من تربية الزهور ودراسة الموسيقي، أنشأوا لنا الكونسرفتوار وبنوا لنا مسرحا، وأعادوا تأهيل دور السينما القديمة التي كادت تسقط فوق رؤوس المشاهدين الغارقين في دموعهم أثناء مشاهدة الأفلام الهندية حيث الجدران العتيقة تهتز مع كل لكمة ساحقة في الفيلم، علمونا صيانة حفر الشوارع التي أصبحت الواحدة منها تكفي لاخفاء سيارة صغيرة .
ووقعنا اتفاقية أديس أبابا التي قامت علي مبادئ اتفاق برازافيل والتي أنهت الحرب الأهلية، فغرق الوطن كله في دوامة من الرقص، الدينكا يرقصون رقصة ملوال، بعد أن عاد المتمردون إلي قراهم ونفضوا الغبار عن تفاصيل حياتهم السابقة، البنقو يرقصون النجبانديلي، والصبية علي ضفاف النيل الأبيض يغنون : التامبيرة بت عم الحوت لا بتحيا ولا بتموت، والشايقية في الشمال يغنون أغاني الجابودي، يرخي أذنيه لأخبار الخير التي تنهال عليه :
الأرض ارتوت سيدي الرئيس، ومشروعات الزراعة المطرية طرحت من الذرة ما فشلنا في تخزينه فتركناه في البيادر نهبا للطيور، ومشاريع التنمية الجديدة بدأت في العمل ويتوقع بدء إنتاج السكر في نهاية هذا العام، وانتاج القطن هذا الموسم فاق كل التوقعات حتى أننا نفكر في فتح أسواق جديدة للتصدير، والوطن كله سعيد حتى أن المرور يتعذر في شوارع العاصمة بعد الساعة العاشرة مساء بسبب أعداد السكارى الذين يترنحون في الشوارع .
وفجأة دق ناقوس غير مرئي للخطر، فأفاق الوطن كله، حتى السكارى في باحة مطعم أتينيه، وفي شيش كباب شعروا فجأة الكارثة القادمة، مظاهرة ضخمة عبرت وسط العاصمة واقتلعت في طريقها مثل الإعصار كل أثر للحياة، استمع متوترا لأول تقرير عنها:
مجموعة من الصبية سيدي الرئيس تحركوا من جامعة الخرطوم .
ضرب المنضدة بعنف حتى تفتت وأطاح بمحدثه بلكمة ألقته أرضا : ماذا يريدون ؟ وفرنا لهم الخبز والسكر وقبل وصولي للحكم كانوا علي وشك التسول، أنشأنا مشاريع التنمية ووفرنا عشرات الوظائف وبنينا المسارح ودور السينما وأصبح الذين لم يروا اللحم طول حياتهم إلا معلقا في محلات الجزارة، أصبحوا يأكلون اللحم ثلاث مرات يوميا، وفرنا لهم حتى فرص الحظ السعيد فانتقل العشرات ممن كانوا يتسولون لقمة تبقيهم علي قيد الحياة إلي الثراء بواسطة مسابقات توتو كورة .
رد مستشاره الذي كان لا يزال يئن وهو ملقي أرضا : يطالبون بشيء آخر سيدي الرئيس.. يطالبون بالحرية ..
ولأن الكوارث لا تأتي فرادي فقد انهالت تقارير أخرى :
سيدي الرئيس الخريف تأخر هذا العام والفاصل المداري تراجع حتى توقف في الحدود الكينية كأنه يرفض الدخول إلي الوطن! وغارت المياه الجوفية في باطن الأرض حتى أشجار العشر والسلم جفت في صحراء شمال الوطن .
فأعلن في حديث الصراحة الشهري أن الثورة ستضرب بيد من حديد كل من يهدد مكتسبات الأمة، وكان حديثه فاتحة لعهد جديد من التسلط، ففي اليوم التالي تساقط العشرات من جراء استخدام الرصاص في فض مظاهرات الغوغاء كما وصفها بيان جمهوري.
ولأنهم يطالبون بالحرية فقد أصدر قرارا بتكوين لجنة لوضع مسودة الدستور الدائم للوطن، وقرارا آخر بإنشاء حزب الوطن، الحزب الوحيد المسموح له بالعمل في الوطن، وعاء جامع لاستيعاب كل أبناء الوطن بمختلف اتجاهاتهم السياسية بدلا من تجربة الأحزاب التي كرست الانشقاق بين أبناء الوطن الواحد.
وأصدر قرارا آخر بإنشاء اللجنة العليا للانتخابات لتنظم إجراء انتخابات مجلس الشعب الذي سيكون وعاء لصهر كل قوميات الوطن، وجيش مساعديه يكبر وتقارير نفاقهم الشفهي تزداد يوما بعد يوم:
الوطن كله يحبك سيدي الرئيس، ففي طوافنا لتفقد الجفاف، وجدنا الأرامل يهتفن باسمك في كرتالا رغم المعاناة من العطش، ينصت لهم خاشعا وهو يسحب حبات مسبحته، ويداري بيديه احمرار عينيه بسبب رداءة خمر الليلة المنصرمة . وفي شرق الوطن كان الجميع يهتفون باسمك وهم يترقبون بدء هطول الأمطار بعد أن حرثوا الأرض وألقوا ببذور السمسم والذرة فيها، وفي الجنوب شاهدنا المزارعين في راجا وهم يهتفون باسمك في انتظار هطول المطر ليزرعوا التبغ الفرجيني الذي علمتهم الثورة كيفية زراعته، واكتشفنا لديهم طاقة رهيبة للانتظار حتى لو تأخر المطر مائة عام، طاقة قوامها الحب الشديد لكم سيدي الرئيس .
الخواجه
11-07-2005, 12:58 PM
ص ( 9 )
فصل جديد
استيقظت الحاجة فاطمة بت حاج النور فزعة علي صوت سليمان حاج علي الأعرج، وفي البداية حسبته يؤذن لصلاة الفجر، إلا أنها لاحظت ضوء الصباح الرمادي الناصع ينتشر من حولها، عند ذلك ميزت صوته بين صخب العصافير المتصاعد، سمعته يزعق بصوت كإرثي :
المشير وصل يا ناس الحلة، المشير وصل يا ناس الحلة .
تذكرت علي الفور تفاصيل الحلم الذي رأته قبل قليل، رأت نفسها مع مجموعة من أهل القرية، وهم ساجدين يصلون شكرا لله اثر امتلاء خور أرقو بالماء بعد سنوات طويلة من الجفاف، قالت الحاجة فاطمة وهي تنضو عن نفسها ثوب الكرب الأبيض : اللهم اجعله خيرا .
لعنت الشيطان الذي حاول إغراءها لتعود للنوم، ثم أزاحت الغطاء من فوقها ونهضت من الفراش، عبرت صالة البيت حيث يغط أحفادها الثلاثة في النوم، حركت طلمبة الماء اليدوية بيدها فأصدرت حشرجة جلدية جافة، صبت لها الحاجة فاطمة بعض الماء من إبريق الوضوء فلانت وتدفق الماء مع ضربات يدها، ملأت إناء الوضوء بالماء الدافئ ثم توضأت وهي جالسة فوق حصير الصلاة، ثم أدت الصلاة .
بعد الصلاة وضعت قدر الماء علي النار لتعد الشاي ثم تذكرت أنه لا يوجد سكر، فقد توقف توزيع السكر عن طريق بطاقة التموين منذ مدة ولم يعد بإمكانها شراء سكر من السوق بسعر مرتفع، خرجت إلي الفناء شاعرة بتيبس مفاصلها وفتحت زير الفخار الذي تحتفظ فيه بكمية من التمر لشهر رمضان، أخذت كمية من التمر في صحن الألمونيوم ثم وضعت الغطاء فوق الزير ووضعت فوقه حجرا حتى لا تأكل الكلاب التمر .
أعدت الشاي ثم أيقظت أحفادها اليتامى الذين خرج والدهم من البيت قبل أكثر من عشرة أعوام مرتديا ملابسه العسكرية الكاملة ولم يره أحد بعد ذلك، وبعد أيام من رحيله سمعت اسمه في جهاز الراديو ضمن مجموعة من الضباط الذين اعدموا إثر اتهامهم بالاشتراك في مؤامرة انقلابية ضد السلطة العسكرية .
الحاجة فاطمة وجدت نفسها آنذاك عاجزة حتى عن ذرف دمعة واحدة علي ولدها الوحيد، أغلقت جهاز الراديو للمرة الأخيرة وتركته في مكانه يختفي تحت نسيج العنكبوت وللمرة الأولى منذ سنوات خرجت تبحث عن إرث المرحوم زوجها فاكتشفت للمرة الأولى أن زهد زوجها في الدنيا كان إجباريا، لأنه لم يكن يملك شيئا يذكر سوي بضعة نخلات آيلة للسقوط عند أول هبة ريح موسمية في جروف خور أرقو، إضافة لبضعة أفدنه من أرض غير صالحة للزراعة ويشترك فيها معه عشرات الوراث بعضهم توفي وبعضهم لا يزال علي قيد الحياة .
سمعت الحاجة فاطمة سليمان ود حاج علي الاعرج ينادي : المشير وصل يا ناس الحلة، دفعها الفضول لتفتح باب البيت فتحة صغيرة سمحت لها بإلقاء نظرة علي الشارع المقفر فرأته فجأة يعبر بين أشجار سيسبان الشارع وللوهلة الأولى لاحظت أنه لم يكن يسير بل يتدحرج بجسمه الضخم كأن شخصا ما كان يدفعه .
لم تكن الحاجة فاطمة في حاجة لتدقق كثيرا في ملامح وجهه لتعرف أنه عاني آثار قهر الوحدة، ولم تستطع أن تصدق أن مخلوقا علي نفس هيئته التي يبدو فيها، كان بتمتع بأية سلطة، لم تلاحظ أنه كان في الواقع أحد ضحايا أوهامه، وأن هذا المخلوق الذي كان يتدحرج أمامها في قفر الشارع مثيرا من الغبار أكثر كثيرا مما أثاره من مجد طوال أكثر من أربعة عقود من الاستبداد بالسلطة،لم تلاحظ أن هذا المخلوق بسماته الصحراوية المنقرضة كان إحدى مخلفات عصر الجفاف ذلك العهد الذي حولته أجهزة إعلامه إلي عصر زاهر تمت فيه الإنجازات الكبيرة التي نقلت الوطن من عهد التسول والضياع إلي عهد الاكتفاء الذاتي وتصدير الغذاء للجيران . واستتب فيه الأمن بواسطة جهاز أمني قوي انتشر فوق الوطن كله مثل نبت سرطاني، وتقاريره كانت تنهمر عليه طوال اليوم مثل المطر :
سيدي الرئيس، قضينا علي المظاهرات ونقلنا القتلى وعددهم تسع وسبعون إلي المشرحة والجرحي وعددهم مائة وأربع وعشرين إلي أقسام الحوادث بالمستشفيات، اعتقلنا عشرة من القادة السريين للفوضي، إضافة لثلاثين ضابطا كانوا يخططون لاستغلال الفوضي للقيام بانقلاب عسكري يعلن باسم ثورة الرابع من أغسطس، وعرفنا أنهم اختاروا يوم الرابع من أغسطس لأنه التاريخ الوحيد طوال العام كله الخالي من وجود ثورة باسمه ! .
وقمنا بتنظيف وسط العاصمة حيث كان الغوغاء قد اقتلعوا تمثالكم النصفي ومرغوه في الوحل، ونظفنا أكوام زجاج العربات المحطم وزجاج واجهات المحلات في شارع الجمهورية.
أمر بتشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتآمرين الذين أصر علي استجوابهم بنفسه، وجدهم في غرفة مغمورة بالمياه مرهقين من جراء التعذيب بالصدمات الكهربائية ومنعهم من النوم طوال الليل، سقط عليهم مثل الصاعقة، أطاح بأربعة منهم بلكمة واحدة، وحطم فك الخامس بضربة صاعقة من قدمه، ووجه ضربة ساحقة للرجل السادس ولكن الضربة تحطمت في حاجز يد ساحقة، أوقفت ضربته بإرادة فولاذية، وللمرة الأولى فتح عينيه لينظر إلي اليد التي شلت قوته .
وجد أمامه رجلا فولاذي الجسم وعرف بخبرته كملاكم أنه يمكن أن يتفوق عليه بالضربة القاضية ومن أول جولة، قال الرجل بهدوء خارق :
تستطيع أن تأمر بإعدامنا .. لكنك لا تملك إذلالنا .
حدق بشراسة في العينين الفولاذيتين فأكتشف نفس بريق التحدي الذي رآه في عيني الرائد حسن عز الدين الطاهر حينما رفض أن تعصب عينيه قبل إطلاق الرصاص عليه، شعر بالهزيمة وانسحب بهدوء من الغرفة، أمر بمضاعفة التعذيب لحين تشكيل المحكمة العسكرية التي قضت بالإعدام شنقا علي قادة لحركة العشرة .
قام بتعديل حكم الإعدام شنقا إلي الإعدام رميا بالرصاص ، شئ ما جعله يعتقد أن الشنق لن يكون كافيا لقتل ذلك الرجل الفولاذي، الذي صد بكل بساطة لكمته الساحقة الكافية لزحزحة فيل، لم يقو علي الاعتراف بأن قوته الخارقة واجهت تحديا حاسما في مواجهة الزمن، ولتبديد مخاوفه حضر بنفسه تنفيذ حكم الإعدام في سلاح المدرعات، شاهد الرصاص يمزق صدر الرجل الوحيد في العالم الذي جعله يتشكك في أهم مواهبه كمصارع .
أما العسكريون الذين حامت شكوك بأنهم حاولوا استغلال الفوضي من أجل القيام بانقلاب عسكري والذين فشل رجال أمنه في تقديم أية دليل حاسم ضدهم، فقد أصدر قرارا بتجريدهم من رتبهم وطردهم من الخدمة وفق مبدأ تفسير الشكوك لمصلحة الثورة .
استتب الآمن بواسطة جهاز أمن قوي انتشر فوق الوطن مثل نبت سرطاني وتقاريره كانت تنهمر عليه طوال اليوم مثل المطر :
قضينا علي المظاهرات سيدي الرئيس ونظفنا وسط العاصمة من الغوغاء ومن مخلفات الفوضي وزجاج العربات وجميع أعداء الثورة إما انتقلوا إلي الرفيق الأعلى أو إلي السجون أو لاذوا بالفرار إلي خارج الوطن بالتواطؤ مع بعض السفارات الأجنبية التي وفرت لهم وسائل الفرار .
.. ومشاريع التنمية تعمل بكفاءة عالية، ولكن الفاصل المداري تراجع سيدي الرئيس، غاص في أدغال أواسط أفريقيا في قلب الغابات الاستوائية حتى فشل أفضل مهندسي الأرصاد الجوية في تحديد مكانه، يشعر بنفاذ صبره، أن أحد أعدائه لا يزال علي قيد الحياة : تبا لهذا الفاصل اللعين ! .
لكن رجاله لم يكن قد فقدوا الأمل بعد، فقد أعلنوا : لدينا محاولات أخرى سيدي الرئيس، وادخلوا إلي حضرته جنوبيا طويلا من قبيلة الدينكا يرتدي جلبابا قصيرا وحول عنقه مسبحة طويلة من العظم، أعلنوا أنه : صانع المطر سيدي الرئيس .
أمر بتوفير كل طلباته حتى يتمكن من إجراء طقوسه وتعاويذه الخاصة، وبعد رقص متقطع وقراءة صلوات خاصة ظهرت سحب سوداء في السماء ثم هطلت الأمطار وسط صراخ رجال أمنه : نجحنا سيدي الرئيس، مطر خاص خارج حدود الفاصل المداري !
ولكن بمجرد أن تقاضي صانع المطر حسابه وغادر القصر، توقف المطر وانقشعت السحب من السماء فاندلعت شمس حارقة مثل الجحيم .
أمهل رجال أمنه المتوترين عشرة أيام لانزال المطر، وفي اليوم التاسع جاءوه بملابس متسخة بوحل وأعشاب السافنا : عثرنا عليه سيدي الرئيس .. عثرنا عليه سيدي الرئيس .. الفاصل المداري اللعين، وجدناه مخفيا في آخر حدود الوطن داخل أعشاب السافنا البستانية التي تضيع داخلها حتى الفيلة سيدي الرئيس، وجدناه مخفيا أخفاه أعداء الثورة، واكتشفنا أنه مجرد حبل طويل مجدول من أعشاب السدود ومن فروع شجرة البومبيلي المقدسة، ومن أجل تجميعه استعنا بمائة متطوع من قبيلة الزاندي ثم نقلناه سرا في باخرة أبحرت في نهر السوباط إلى جوبا، وعلي ظهر ناقلة ضخمة نقلناه إلى مناطق الزراعة المطرية شمال القضارف، وفور أن قمنا بتثبيته علي الأرض، بدأت السحب تتجمع وشاهدنا المزارعين يهرعون لإحضار بذور جديدة بعد أن أكلت الطيور البذور التي نثروها في الأرض قبل أسابيع .
أستسلم لقصص معاونيه لا لشئ إلا لأنه أراد أن يصدق فعلا :
أن مناطق الزراعة المطرية في شرق وأواسط الوطن وغرب الوطن ارتوت سيدي الرئيس، ومشاريع الذرة والسمسم كلها نامية كما تري في الصور، لكنه لا يري شيئا، ينظر إليها نظرة خاطفة من خلف زجاج نظارته ثم يضعها في درج مكتبه وينساها فورا.
يشاهد معاونيه يزدادون من حوله بمعادلة هندسية مثل نبت شيطاني فلا يكلف نفسه ولا حتى مشقة إحصائهم، يتحركون من حوله بنعومة مثل الثعالب، لا يرتكبون أخطاء مطلقا حينما يتعاملون معه، ولا يتركون أية آثار لوجودهم، يتراجعون فوق نفس الآثار الخفيفة التي تتركها أحذيتهم فوق السجاد العجمي حتى أنه هو نفسه كان ينسي أحيانا أنهم موجودون في كل لحظة من حوله وأنهم جاهزون لتنفيذ أوامره .
يلاحظ أنه حتى سحنا تهم أصبحت متشابهة بسبب ترديد نفس الكلام ونفس النكات القصيرة المكررة طوال أربعة عقود حتى بات مجرد إعادتها لا يثير سوي الغثيان لأنها تذكر بالأمجاد الأولى لعصر الجفاف .
ولولا نشوء أحداث عارضة كانت تنشط من ذاكرته لأصاب ذاكرته الصدأ من تكرار نفس الوقائع والوجوه، أحداث عارضة من قبيل : سيدي الرئيس .. انقلاب عسكري، وفيما يصيب الارتباك مرافقيه وتتعثر خطواتهم ويصطدمون ببعضهم بعضا أثناء جريهم في ردهات القصر .
عند ذلك كان يأخذ هو زمام المبادرة، ويبدأ في تصريف شئون الهزيمة مبتعدا عن مستشاري زمن السلم الذين تشل حتى مقدرتهم علي الكلام، يراهم يختبئون تحت الأرائك من الرصاص المتطاير عبر النوافذ فيعبر فوق أجسادهم المنبطحة أرضا وهو يصدر أوامره لرجال حرسه .
وفي ليلة عيد الاستقلال المجيد رأي في المسرح الوطني في افتتاح مهرجان الثقافة والفنون مغنية صغيرة السن من اللاجئين الإثيوبيين بدت له في البداية أشبه بأنثي طائر أم كتيكي، إلا أنه حينما بدأت ملامح وجهها تتضح مع بدء تكثيف الإضاءة في المسرح، بدأ ترمومتر أشواقه يسجل انتعاشا طفيفا، وتقدم فاصل أشواقه المداري حتى شعر به يتخطي حتى أقصي حدود إقليم الصحراء في قلبه .
استمتع للحظات بهطول أمطار العاطفة في بيداء قلبه، دون أن ينتبه للآثار الجانبية لعواطفه الجامحة خارج حدود السيطرة حتى تلقي تحذيرا سريا :
حذار سيدي الرئيس يوجد ضيوف أجانب في الحفل، تلفت حواليه حذرا محاولا تقدير عدد الذين سيشاهدون الفضيحة الرسمية، فقد شعر بجهاز تحويل سرعة الأشواق وقد اصبح خارج حدود التحكم، فجأة إنقطع التيار الكهربائي وامتدت يد خفية في الظلام تعطيه حبلا صغيرا .
انقطع التيار الكهربائي لمدة ثلاث دقائق الوقت الكافي لمداراة الفضيحة الرسمية، وفجأة عاد التيار الكهربائي، وواصلت المغنية الحبشية الغناء فور وصول التيار الكهربائي كأنها تعمل بالكهرباء، إلا أن التيار انقطع مرة أخرى بعد قليل، وبعد إعادته بعد خمس دقائق طويلة، اكتشف الضيوف الأجانب اختفاء السيد الرئيس ومعاونيه والمغنية الحبشية .
لم تكد تشرق شمس اليوم التالي حتى داهمته الأخبار : سيدي الرئيس انقلاب عسكري! أعلن وهو يتثاءب بعد أن أيقظوه من النوم : ألا يمكن للإنسان أن يرتاح لمدة نصف ساعة في هذا الوطن !.
احتل المتآمرون مبني الإذاعة وأذاعوا بيانهم الأول، بدأ يوزع أوامره علي مساعديه المرتبكين وعلي قادة الوحدات العسكرية لتأمين مخارج العاصمة لضمان عدم وصول قوات مساندة للانقلابيين أعطي أمرا صريحا بإطلاق النار حتى لو حاولت الدخول قوات صديقة، لأنه وفي مثل هذه الظروف، قال وهو يحيى القوة التي تحركت لاستعادة الإذاعة : لا يمكن الثقة حتى في الأصدقاء .
الخواجه
11-07-2005, 12:59 PM
ص ( 10 )
انطلقت عدة زخات من الرصاص، كان معظمها في الهواء، وبعد اقل من ساعة كان كل شئ قد انتهي تماما، اقتحم سلاح المهندسين حيث ربط المعتقلون جميعا في حبل واحد، لم يبادر بالضرب لا خوفا من تكرار مهزلة الرجل الفولاذي التي لم ينسها، ولكن بسبب شعور مفاجئ بالشفقة علي هذا الانقلاب التافه الذي لم يجد سندا من أحد، حتى عمال الإذاعة لاذوا بالفرار فأضطر الانقلابيون إلى تحطيم عدة مفاتيح قبل أن ينجحوا في تشغيل الإذاعة .
وبسبب ارتباكهم قاموا بتشغيل شريط كاسيت به أغنيات للمطربة عائشة الفلاتية بدلا من المارشات العسكرية، حتى أن الكثيرين اعتقدوا بأن الانقلاب كان مجرد مزحة من النظام لإلهاء الناس عن ارتفاع أسعار الوقود والسكر .
أمر بأن يعاملوا أفضل معاملة لحين انعقاد المحكمة العسكرية التي أمر بتشكيلها، كما أصدر قرارا بتشكيل لجنة للتحقيق حول ملابسات هذا الانقلاب وكيف استطاع ثلاثة ضباط وبضعة جنود من اختراق العاصمة والوصول إلى الإذاعة واحتلالها فيما تغط أجهزة أمنه في النوم .
إلا أن اكثر ما أثار قلقه أن الشارع لم يتحرك سلبا أو إيجابا، أو يكترث لخطابه أمام مجلس الشعب بمناسبة دحر المؤامرة الانقلابية، خطابه الذي اعتبره مجلس الشعب وثيقة تاريخية وقرر حفظه ضمن وثائقه، ورغم ضجة تصفيق الأعضاء التي شوشت علي أفكاره إلا أنه عاني هاجسا ملحا وشعورا خارقا بالعزلة ظل ملازما له طوال عدة أيام، لم تخفف منه أكاذيب مستشاريه :
الناس مشغولون سيدي الرئيس، وحينما يكون الإنسان سعيدا فإنه يكون مشغولا نهارا ومشغولا ليلا، والسكارى يملأون الشوارع ليلا حتى أننا قمنا بتركيب شبكة معدنية في شارع النيل حتى لا يسقط الناس في النيل الأزرق من فرط البهجة ! .
ينصت لأكاذيبهم بهدوء دون أن تبدو عليه أعراض التصديق، دون أن تفارقه سيماء الملاكم المتحفز دوما للرد بقبضة يده، ورغم أنهم تعودوا علي قبضة يده، إلا أنهم كانوا يحافظون دائما علي مسافة للامان بينهم وبينه تسمح لهم بالانسحاب في الوقت المناسب دون خسائر في الأرواح .
يستمع لهم فيما ينقر بإصبعه الضخم علي مكتبه :
و المخازن لا زالت ملأي بمواد الإغاثة التي وصلت للوطن أيام كوارث السيول التي أغرقت الوطن، يستمع بشغف مراوغ وهو يعلم أن مخازن الوطن كلها كانت خاوية إلا من أنسجة العنكبوت، وأن كل مواد الإغاثة بيعت في الأسواق وحتى الخيام بيعت إلى البدو، وحينما تبقت بضعة أطنان من اللبن المجفف الذي انتهت صلاحيته باعوه بأنفسهم بربع السعر المعروض به اللبن المجفف في الأسواق، باعوه بأنفسهم بعد أن افترشوا به كل أرصفة الوطن وظلوا يزعقون بأعلى أصواتهم طوال ثلاثة أسابيع حتى باعوا آخر علبة منه، ومع كل علبة لبن مباعة كانوا يعطون المشتري قطعة بسكويت انتهت صلاحيتها أيضا ! .
وحتى لا تجرفه موجة الأكاذيب اليومية المكررة خرج مساء بعد أن هرب من معاونيه متنكرا في ثياب أعرابي من شمال الوطن، واكتشف فعلا ازدياد عدد السكارى في الشوارع ولكن ليس بسبب الرخاء المزعوم، بل بسبب الضغوط النفسية الناجمة عن الفاقة، حينما مد يده ليرفع أحد السكارى من الأرض فاكتشف أنه كان يبكي وانتبه فجأة إلى أن الجميع كانوا يبكون .
اكتشف أن أسعار السلع الغذائية كانت ضعف الأرقام التي تظهر في تقارير معاونيه، وعرف لأول مرة بأن حكومته كانت علي وشك الموافقة علي توصيات صندوق النقد الدولي برفع الدعم عن السلع الأساسية وتخفيض قيمة العملة الوطنية،فيما التقارير التي ترد له يوميا تؤكد تحسن موقف العملة الوطنية أمام الدولار الأمريكي، وان مشاريع التنمية تعمل بكفاءة مضاعفة بعد أن قام الخبراء الكوريون بصيانتها، وان إنتاج القطن ذلك الموسم فاق كل التوقعات، والفاصل المداري ثابت في مكانه، رغم انحسار موسم الخريف، حتى أن المزارعين فشلوا في حصاد محاصيلهم الزراعية بسبب استمرار هطول الأمطار .
ولتكتمل لديه الصورة قام بزيارة أحد مشاريع التنمية بطائرة هليوكوبتر عسكرية، استقبلته جيوش الفئران في مكاتب الإدارة، حتى أن أحدا من مرافقيه لم يجرؤ علي مغادرة الطائرة العسكرية قبل هروب الفئران، في الداخل اكتشفوا أن الماكينات كانت مغطاة بغبار خريفي يرقي إلى أيام الاستعمار الإنجليزي، وحتى الحزن نفسه الذي كان يثيره في النفس مشهد مقدرة الإنسان علي الإهمال حتى ذلك الحزن كان يبدو منتميا لزمان آخر .
تراجع الجميع مرتبكين من منتجع الفئران المنعزل ذلك حيث أشجار المهوقني تنمو عشوائيا واشجار المانجو مثقلة بثمار ناضجة مغطاة بأنسجة الغبار وحيث نبات الطروز المائي يغزو المكان، واثناء مغادرتهم للمكان شاهدوا عددا من الفتيات يملأن جرار الماء من جوف أشجار التبلدي، عرفوا منهن أن آخر مسئول حكومي زار المنطقة كان السير ريتشارد نيوبولد حاكم السودان العام في عهد الاستعمار الإنجليزي كما علمن من جداتهن .
الأمر واضح سيدي الرئيس قال الدكتور محمد الأمين عبد المجيد الأستاذ بكلية الزراعة الذي رافق الموكب الرسمي بناء علي طلب السد الرئيس : الغبار يغطي الوطن كله وكل المرافق الهامة اختفت تحت أنسجة العنكبوت، وحتى مساحة القطن الذي نصدره لمصانع لانكشاير تقلصت .
وطافت الطائرة فوق مشروعات الزراعة المطرية فلم يروا شيئا سوي السهول المقفرة، فور عودته اصدر قرارا بإقالة وزيري الزراعة والمالية وتكوين لجنة للتحقيق في التجاوزات التي تمت بشأن إعادة تأهيل مشروعات التنمية، أصدر قرارا بتعيين اثنين من اكفأ ضباط الجيش وزيرين للزراعة والمالية.
العقيد محمد النور عبد الهادي وزيرا للمالية والعقيد كمال الدين محمد علي وزيرا للزراعة، استقبل الاثنان النبأ كمن يستقبل كارثة، إلا انهما وفي نفس لحظة صدور القرار الجمهوري شمرا عن ساعد الجد : سيدي الرئيس ميزانية جهاز الأمن الوطني ترهق كاهل الوطن ولا يمكن أن نفرض ضرائب جديدة غير محتملة علي المواطنين .
سيدي الرئيس يجب توسيع الرقعة المزروعة بالقطن ويجب تقديم دعم للمزارعين لتشجيعهم، يجب تقليص الصرف الحكومي، تكفي سيارة واحدة بدلا من ثلاث سيارات لكل وزير. ورغم أنه يعلم أن استمرار سلطته بات رهينا بقبول هذا التقشف، إلا انه كان يرخي أذنيه في المقابل لاحتجاجات معاونيه الآخرين كعزاء أخير :
هذا العقيد كيف تعينه وزيرا للمالية انه لا يعرف كم يساوي مجموع واحد + واحد، راجعنا نتائجه في المدرسة الثانوية واكتشفنا انه كان يرسب طوال فترة دراسته في مادة الرياضيات ولم يكن متفوقا سوي في مادة التربية البدنية، والمشاكل هنا لا تحتاج إلى عضلات بقدر ما تحتاج إلى عقل !.
فيشعر ببعض التشفي بسبب اضطراره لقبول إجراءات الوزير التقشفية، وبسبب خوفه غير المعلن حينما يكون العقيد محمد النور عبد الهادي جالسا معه يستشعر خوفا غامضا حتى انه يحاول اختصار زيارته، يوقع علي كل الأوراق التي يقدمها له دون حتى أن يقرأها.
وهذا الذي عينته وزيرا للزراعة لا يعرف الفرق بين شجرة قطن وبين نبات السلم، هل تصدق سيدي الرئيس حضرنا له اجتماعا مع مزارعي مشروع الجزيرة. وفجأة قاطع كلامهم حينما كانوا يناقشون معه طرق تمويل الموسم الزراعي وتحفظاتهم علي عقد السلم، قاطع كلامهم موجها سؤالا مفاجئا عن الموسم الذي يزرع فيه القمح ! وهل يزرع صيفا أم شتاء وحينما أجابه أحدهم مندهشا بأنه معروف ان القمح يزرع شتاء رد قائلا : خسارة ! لو كان يزرع صيفا لزرعناه مرتين لأن موسم الصيف طويل عندنا وكنا حققنا بذلك الاكتفاء الذاتي مرتين ! وكنا استفدنا أيضا من حزام الزراعة المطرية لزراعة القمح بدلا من الذرة الفتريتة التي لا تصلح الا لصناعة المريسة ! . وفور دخوله إلى مبني الوزارة أصدر أمرا ألا تتحرك أية عربة حكومية من وزارته دون إذن منه، وحول الوزارة إلى ثكنة عسكرية حتى أن الموظفين تحدثوا عن انقلاب عسكري داخل الوزارة .
يرخي أذنيه ويستمتع بخوف مساعديه الذي يعادل غرور قلقه من بدء انفلات سلطته، ويشعر ببعض العزاء في وجود شخص يمكن أن يصيب مساعديه ببعض القلق، ويشعر باطمئنان حذر لوضعه أهم وزاراته في أيد أمينة حرمته حتى من السفر :
سيدي الرئيس الخزانة فارغة ولا اعتقد انك ترضي بالسفر للخارج في الظروف الحالية مما سيضطرنا لشراء الدولار من السوق الأسود الأمر الذي سيضعف العملة الوطنية في الوقت الذي بدأت فيه قيمتها في التحسن .
تبا لهذا العقيد، ورغم ذلك ينصت دون أن يجرؤ علي الاعتراض :
لا داعي لهذا الصرف البذخي في احتفالات عيد الثورة سيدي الرئيس، إن الاحتفال الحقيقي أن نقدم شيئا لهذا الوطن، ولا حتى عيد الوحدة سيدي الرئيس، إن الاحتفال الحقيقي بالوحدة لن يكون بالرقص بزي محاربي الدينكا سيدي الرئيس بل بمزيد من التنمية في أقاليم الجنوب حتى نزيل المفاهيم الخاطئة التي تركها الاستعمار، وحتى عيد الاستقلال نفسه يجب ألا نذكر المواطنين باحتفال مكلف بأن هذا الاستقلال الذي قدمنا من اجله التضحيات بقي مجرد رمز، لأننا ومنذ أن غادر آخر جندي إنجليزي ارض الوطن ووقف أول قائد عام وطني لقوة دفاع الوطن يلوح لهم مودعا وهم يستقلون نفس القطار الذي جلبهم أواخر القرن التاسع عشر، منذ تلك اللحظة لم نتوقف عن الصراع علي كراسي الحكم سيدي الرئيس، حتى أن ما قدمناه من شهداء في الصراع الوطني علي السلطة فاق عدد الذين قتلوا في المواجهة مع المستعمرين طوال حقبتي الحكم التركي والحكم الإنجليزي ! .
تبا لهذين العقيدين لا يجيدان غير إثارة المواجع، كأن الوطن في حالة حداد معلن، ورغم ذلك يكتشف تحسنا في كل شئ، يعود للطواف فوق الوطن بطائرة هليوكوبتر، وبدلا من الفئران في مشروعات التنمية، استقبله مزارعو قصب السكر، وفي مكاتب الإدارة شاهد شبابا بوجوه مشرقة يشاركون الخبراء الكوريين العمل، وشاهد أشجار اللانتانا والتاهيتي تحيط بالمبني، وشاهد قصارى الظليات في المكاتب البيضاء النظيفة ومراوح السقف التي تخفف قيظ أغسطس والنوافذ المغطاة بسلك النملية لمنع البعوض، وشاهد الماكينات القديمة وقد سحبت إلى المخازن، وماكينات جديدة تعمل في هدوء رخيم .
شاهد عمال اللقيط تحملهم اللواري من كل أنحاء الوطن والجميع يغنون، شاهد شباب الوطن من كل اصقاعه، واللاجئين الأثيوبيين الذين هربوا من بطش الديكتاتور منجستو هيلا مريام، شاهدهم يغنون وهم يعملون في مرحلة الكديب، وتناول معهم الكجيك والبالونقا .
شاهد مزارع الدواجن في واو ومشروع مراعي رمبيك ومشروع زراعة التبغ في راجا، ورقص مع فتيان من قبيلة الجور رقصة الادو، لم يلاحظ أن إشارات الانفراج الشامل كانت تحمل نذر الخطر علي استقرار سلطته، فاستسلم تماما لفكرة أن جسم الوطن كله عاد ينبض بالحياة حتى فاجأته المارشات العسكرية التي انطلقت في الاذاعة : انقلاب عسكري .
الخواجه
11-07-2005, 01:00 PM
ص ( 11 )
فصل جديد
كانت بتول بت عثمان قد ربطت حزمة الحطب التي جمعتها ورفعتها فوق رأسها حينما عبر المشير بجانبها اثناء بحثه في الاحراش عن اثر يقود إلى موقع بيت أسرته القديم في القرية.
ظهر أمامها فجأة مثل شبح حتى أن المفاجأة سمرتها في مكانها، بقيت جامدة في نفس مكانها حتى مرور سليمان حاج علي الأعرج، ضحك بصوته الأجش المتعجل حينما رآها مسمرة وحزمة الحطب فوق رأسها، وانتبه بسرعة إلى أن الرعب المرتسم في وجهها زاد من سطوة جمالها الرهيب .
لم يلاحظ سليمان الأعرج أن الرعب الرهيب علي وجهها كان رعب من رأي الموت، ضحك بصوته الأجش المتعجل واكتشف بسرعة أن الفرصة واتته سريعا ليرد لها صفعة رفضه حينما تقدم لها قبل عدة شهور طالبا الزواج منها .
يذكر بمرارة تفاصيل ذلك الصباح النائي الذي نال فيه مجد أن ترفضه بتول بت عثمان، الواقعة الحزينة الوحيدة في حياته التي لم يحاول أن يقصيها عن واجهة ذاكرته، بل كان يستمتع باجترار تفاصيلها شاعرا بنوع من الفخر كونه الوحيد الذي نال هذا الشرف .
لا يزال يتذكر بدهشة رغم مرور السنوات، أنه ربما كان العاشق الوحيد الذي رفض حتى قبل أن يفتح فمه ليكشف عن نواياه، حتى انتهي به التفكير إلى اعتقاد جازم أن بتول كانت تعتمد علي قوي خفية من الجان تكشف لها ما يدور في عقول الآخرين، عندها شعر ببعض العزاء من يقين أن رفضه كان نتيجة معلومات مضللة من شيطان!.
في ذلك الصباح كان قد ارتدي جلبابه الوحيد الذي ادخره لهذه المناسبة منذ سنوات،ارتدي جلباب السكروتة ونثر فوق جسمه زجاجة عطر كاملة بعد أن اضطر ليستحم للمرة الأولى منذ عدة سنوات ذلك انه لم يتخلي قط عن اعتقاد يقيني بأن جسم الإنسان يمكن أن يستهلك بكثرة الاستحمام وكان يحاجج دائما بالحاجة سكينة زوجة عمه يقول انظروا نتيجة هوسها اليومي بالاستحمام، وفي النهاية مضي جسمها يتضاءل حتى اختفت تماما .
سليمان حاج علي الأعرج اقدم للمرة الأولى منذ عدة سنوات علي الاستحمام ورغم انه اكتفي بصب الماء فوق جسمه دون أن يبذل جهدا تنظيفيا قد يستهلك جزءا من جسده، إلا أن الاستحمام الرمزي نفسه بعث في ذاكرته صورا قديمة كان قد دفنها في النسيان فرأي نفسه طفلا صغيرا تضربه أمه بالعصا لتجبره علي الاستحمام ممزقة جسده بقطعة من ليف النخيل القاسي لتزيل أوساخ ظهره وسط سيل من العويل والدموع .
أقدم علي الاستحمام للمرة الأولى، ثم نثر علي جسمه زجاجة عطر كاملة استولي عليها من مقتنيات شقيقه الذي يعمل في المملكة العربية السعودية، إضافة لعمامة من التوتال طولها عدة أمتار وضعها فوق رأسه حتى شعر بأنفاسه تنقطع بسبب ثقل وزن العمامة، ورغم القيظ فقد وضع حول عنقه شالا من الصوف وفي جيب جلبابه الأعلى وضع علبة سجائر بنسون فارغة ووضع داخل العلبة سيجارة واحدة من نوع رخيص .
وجد بتول بت عثمان ود حاج احمد في الباحة الصغيرة أمام بيتهم تلعب الاريكا مع بعض فتيات القرية، في الداخل وجد أمها تنظف القمح لإرساله للمطحنة، لاحظ أنها فوجئت بملابسه ومظهره الفخيم، قادته ليجلس في صالة البيت حيث تفوح في المكان رائحة نوار الليمون، وفي انتظار القهوة التي مضت الأرملة تعدها له جال ببصره في المكان النظيف رغم فقره، فشاهد المؤن القليلة المعلقة في السقف وأزيار الحبوب والعناقريب القديمة الموضوعة فوق علب اللبن الجاف الفارغة لمكافحة الأرضة .
فجأة رأي والد بتول يبرز أمامه علي الجدار بين الخيوط الرقيقة لعنكبوت الصباح في الصورة الوحيدة التي أمهله الموت الوقت ليتركها مجرد ذكري لتعرف ابنته الجميلة شكل وجهه وبريق عينيه، رغم أنها توقفت أمام الصورة مرة واحدة فقط حينما بدأت تكبر ولثانية واحدة أحصت فيها نجوم كتفيه .
شرب سليمان حاج علي الأعرج القهوة وبقي يحدق في الصورة، دون أن بعرف من أين يبدأ، إلا أن بتول بت عثمان وفرت عليه المجهود الذي كان يتعين عليه أن يبذله في الفشل، دلفت إلى البيت بعد قليل ولاحظ سليمان حاج علي الأعرج للمرة الأولى أنه ومع دخولها انتشرت رائحة عطر طبيعي خارق غطت علي رائحة عطره الرخيص .
شعر بنفسه يطفو فوق سحابة عالم سحري حيث للزمن خواص ضوئية كثيفة، دوامة فجر وليد في عالم نوراني لا يمت لعالمه بصلة، ذاب فيه مفتقدا حتى ذاته، حتى أنه بعد قليل حينما بدأت نشوته تتراجع تحسس مواضع جسده ليتأكد من انه لا يحلم وتحسس رأسه ليتأكد من انه لم يتركه في البيت في غمرة عجلته للحاق بقطار فشل القلب .
بدأت نشوته تتراجع وتراجع معها العالم النوراني الذي نهض من حوله، وانسحبت الصور الحالمة من أمام عينيه، فتلمس ضوء الضحي الشفاف، والتقط بأنفه رائحة نوار الليمون، وبأذنيه صوت عصفور أبو البشير يغرد فوق شجرة الحناء، وصوت نواح القمري فوق غصون أشجار اللبخ، فشعر بحزن خارق لم يستطع تبين أسبابه .
بتول بت عثمان انكفأت فور دخولها إلى البيت فوق زير الماء وشربت بطريقة صبيانية حتى غطت وجهها وصدرها بالماء، فالتصق فستان الكرب القصير الذي كانت ترتديه بصدرها، فرأي سليمان الأعرج النهود النابتة في الجسد الذي يصعب تصديق انه يخص أحد البشر .
فور دخولها استلقت ببساطة فوق العنقريب ووضعت رأسها في حجر أمها وقالت دون اهتمام ( الأعرج دة داير شنو؟) ثم قالت لامها دون ان تنتظر منها ردا ( قولي ليه أنا ما ح اعرسو ).
سليمان الأعرج بعد شهور حينما وجدها واقفة جامدة وفوق رأسها حزمة خشب السنط، عرف ان الفرصة واتته ليرد لها الصفعة وفق أسلوب علاجي، اقترب منها ثم بصق في يده قبل ان يصفعها في وجهها صفعة داويه، فأسقطت فوق رأسه حزمة خشب السنط .
بعد صلاة العشاء كان سليمان حاج علي الأعرج لا يزال منتشيا لأنه صفع بتول بت عثمان، بتول التي صدته طوال سنوات، جلس بعيدا عن شباب القرية الجالسين فوق قوز رمال في وسط القرية .
جلس سليمان حاج علي الأعرج منتشيا ولم يشغل نفسه بالاستماع لأحاديثهم المكررة، نفس النكات التي رووها أيام موسم الدميرة المنصرم، نفس القصص التي رووها في موسم الشتاء المنصرم، يروون قصة الشباب الذين يعملون في مصلحة السكة الحديد في مدينة عطبرة وكانوا في جلسة سمر وشراب مساء حينما داهمهم فجأة ضيف ثقيل لم يكونوا يرغبون في وجوده فضربوه حتى سقط هامدا ليكتشفوا انه مات، اسقط في يدهم ولكن أكبرهم وعدهم بتخليصهم من هذه المشكلة، قاموا بتكفين الميت ورفعوه في عنقريب وخرجوا به إلى الشارع، وعلي الفور كان الناس يهرعون ليحملوا معهم العنقريب وكلما امسك شخص ما العنقريب معهم كان واحد منهم يختفي، وحينما وصلت الجنازة إلى المقبرة اكتشف الناس الذين تقاطروا للسير في الجنازة انه لا يوجد للميت أي قريب ولا أحد يعلم هويته ! .
سليمان الأعرج كان منتشيا لدرجة انه نسي ساقه المريضة ورأي نفسه أهم رجل في القرية حتى بعد ظهور هذا العجوز الذي يذرع طرقات القرية دون هدف تلاحقه أصداء مجد غير مؤكد، جلس علي مبعدة من شباب القرية ولم يرخ أذنيه كما كان يفعل دائما ليستمع لأحلامهم التي لا تتغير : الرغبة في السفر إلى الأراضي المقدسة لزيارة قبر الرسول الكريم والبقاء بحثا عن فرصة عمل هناك، يستريحون لفكرة السفر في مواجهة عناء الحياة اليومية .
يختبئ سليمان حاج علي الأعرج منتشيا في صمته، يشعر بذوبانه الهائل في ضوء القمر، في الأشباح الضخمة لأشجار النيم، في رائحة النوار، نوار الليمون ونوار المانجو ونوار النيم ، في تغريد عصفور ليلي وحيد فوق شجرة سنط، يود لو يسحب خلفه كل صبية القرية، يقود مظاهرة يعلن فيها انه صفع بتول بت عثمان، يعرف أن أحدا لن يصدقه حتى هؤلاء الشباب، يعرف انهم مثلما يحلمون بالذهاب للعمرة بصوت مرتفع، فإنهم جميعا يحلمون سرا بالزواج من بتول بت عثمان، جميعهم حتى جمعة الأعمى الذي فقد بصره منذ طفولته الباكرة .
لم يكن سليمان الأعرج يصدق أن اعمي مثله يمكن أن يقع في الحب، حتى وجده يوما سكران لا يقوي علي المشي، يسير خطوتين ثم يسقط أرضا، اضطر لحمله فوق ظهره إلى بيته رغم انه كان يشتمه طوال الوقت (يا اعرج الرماد قايل نفسك زول .. علي الطلاق أنا أرجل منك)، رغم ذلك يحمله فوق ظهره، متسليا بشتائمه، حتى سمعه فجأة يبكي وهو يردد اسم بتول فيما اندفع عبر جلبابه سيل من البول الساخن. أجفل سليمان الأعرج حينما سمع اسم بتول حتى انه القي جمعة الأعمى أرضا ثم تركه ملقي علي الرمال ومضي، تركه غارقا في دموعه دون سلوي، وسمعه من علي البعد وهو يصف بتول بت عثمان كأنه رآها، تذكر سليمان الأعرج تلك الواقعة وعرف الآن أن جمعة العميان رأي بتول رغم أنه لا يري شيئا، وان وصفه لها تلك الليلة كان وصف من رأي بعينيه لا من سمع أو أحس .
جميعهم حتى الطاهر حاج وراق، الطاهر الضخم الجثة مثل ثور، الأبله كأنه حمار، خلق ليكون ملاكما لكن عمره ضاع في هذه القرية علي حافة الصحراء، قوته الهائلة دفنها في أعمال تافهة: ضرب السوط في مناسبات الأفراح وكان مشهورا بضربته الساحقة حتى انه قتل شابا قبل سنوات، القبض علي ثور جامح من ذيله، وحينما بلغ الأربعين اكتشف انه لم ينجز شيئا سوي بقاءه علي قيد الحياة .
جميع فتيات القرية رفضن الزواج منه، لم يكن يملك شيئا سوي شهرته كثور مصارعة، لا بيت له ولا ارض يفلحها ولا حتى حمار، رفضته حتى السرة التي مات زوجها منذ عدة سنوات، ولم يجرؤ أي من أهل القرية علي التقدم للزواج منها بسبب الإشاعة التي لم تثبت أبدا بأنها قتلت زوجها ضربا .
جميعهم يحلمون بالزواج من بتول بت عثمان، عباس محمد عثمان المدرس في المدرسة الأساسية، والنور النجار يسمعه سليمان الأعرج يغني غناء عاشق ولهان وهو يصنع العناقريب من أعواد شجر النيم والحراز، يغني وهو يجدل الحبال التي يستخدمها في نسج العناقريب من ليف النخيل ومن نبات الحلفاء، يغني أغاني يؤلفها بنفسه لبتول ست الناس كما يسميها، لا يجرؤ علي إعلان حبه رغم انه يغني في ليالي السمر في الصيف فوق كثبان الرمال، حينما يتحلق الشباب حوله في ضوء القمر المشبع بندي حقول الذرة، يغني بصوت ساحر مثل كروان ليلي فيعرف سليمان الأعرج إن النور النجار كان يقصد بتول بغنائه، لكنه يتحاشي ذكر اسمها، يصف فتاة اسمها امونة وكأن بتول تقف أمامه .
سليمان الأعرج كان يعرف إن حظه في المنافسة علي بتول ربما ليس افضل من حظ الطاهر، ورغم ذلك لا يستسلم لليأس، يعرف إن ذلك هو كل رأسماله : إلا يستسلم لليأس . التعزي بالفشل الجماعي لكل شباب القرية، يعرف إن الجميع كانوا مرفوضين حتى قبل إن يرتكبوا حماقة التقدم لطلب يدها رسميا، هو الوحيد الذي جرؤ علي نيل شرف الفشل، تاركا جراح قلبه تتعفن دون عزاء .
الخواجه
11-07-2005, 01:02 PM
ص ( 12 )
رغم ذلك لا يستسلم لليأس، يتعزي بفشل الجميع، النور النجار يغني لست الناس المجهولة، وجمعة الأعمى يبكي في قاع لاوعيه الليلي، والطاهر الذي يحب دون موهبة أو مؤهلات سوي غباء لم تخففه مرارة السنوات، ولا خبرة الفشل المتراكم ، وعباس محمد عثمان المدرس الوسيم الوجه ، الوحيد في القرية الذي يرتدي سراويل الجينز .
الجمال الخارق لبتول بت عثمان كان امتحانا يوميا قاسيا لم يفشل فيه فقط شباب القرية، بل فشل فيه أيضا رجالها المسنين، يراقبهم سليمان الأعرج طوال اليوم متنقلا من داخل أجمة حلفاء ، إلى شجرة نخيل كثيفة إلى سقوف المنازل المتداعية، يراقبهم شاعرا بالعار من هستيريا هذه المراهقة المتأخرة، عبد الرحيم عثمان عضو اللجنة الشعبية الذي لا هم له سوي الشجار مع الأرامل اللائى يحاولن التهرب من دفع الضرائب الباهظة علي أشجار النخيل .
إكتشف سليمان الأعرج انه يصبغ شعر شاربه بالحناء ليبدو اصغر سنا، رآه وهو يحوم مثل النسر داخل غابة السنط حيث تجمع بتول ورفيقاتها من فتيات القرية الحطب، وحينما غادر المكان اكتشف سليمان حاج علي الأعرج إن العجوز قد خلف وراءه كومة من السعوط مثل روث بقرة أثناء توتر مشاهدة بتول بت عثمان .
والطيب ود الحاج التاجر وعضو اللجنة الشعبية، رغم انه كان يغش دائما في وزن السكر إلا انه كان يعطي بتول كمية إضافية معبرا عن إعجابه بضحكات صاخبة بدون أسنان .
سليمان الأعرج كان منتشيا لدرجة انه لم يكترث لصخب رفاق سمره فوق كثبان الرمال، سحب جسده دون إن يشعر به أحد وعاد إلى البيت، اخلد إلى النوم بمجرد إن وصل إلى فراشه وفجأة انتبه إلى أذان الصبح، وفي عتمة الضوء الفضي رأي الماء يحيط به من كل جانب حتى حسب نفسه وقد غرق في نهر النيل، إلا انه انتبه بعد قليل لبوابة البيت النوبية الغارقة في الماء ثم بدأ الماء يتبدد بعد قليل مع ضوضاء عصافير الصباح .
صلي الفجر وهو لا يزال منتشيا بالصفعة التي وجهها إلى بتول بت عثمان، ثم جلس بجانب أمه وهي تعد الشاي علي نار الحطب، شرب الشاي الساخن ببطء متلذذا بطعم النعناع واللبن المحروق، خارج البيت وجد العالم الوليد لا يزال غارقا في ضوضاء الفضة، وفجأة رأي عجوزا ضخما يتدحرج في ضوء الفجر دون هدف، بدا له شكله غريبا كأنه خرج توا من أحد الأحلام .
اقترب منه فاكتشف انه السيد المشير الذي عبر من أمامه دون إن يكترث لرؤيته، ورغم صخب العتمة الآفلة، إلا انه رآه بوضوح مذهل، مجرد عجوز متوحد دون ماض أو ذاكرة، ولم يحتاج لجهد يذكر ليعرف إن العجوز الذي افني نصف عمره يفتش حرس الشرف كان في الواقع يفتش عن نفسه، وأنه جاء إلى هذه الأرض النائية لا بحثا عن ارث مزعوم لعائلته، بل ليري صورته في مرآة زمان ضائع علي حافة هذا القفر حيث لا شئ سوي القيظ والنسيان .
رآه مجردا من أية إشارة تربط بينه وبين ذلك المحارب العنيد الذي كان ينكفئ علي جراحاته يلعقها في أوقات استتباب الأمن، ويخرج من قوقعته بمجرد إن ينطلق صوت المارشات العسكرية، يحتفظ بثباته وسط الرصاص المتطاير فيما يتصادم مستشاروه المتعجلون وهم يبحثون عن مكان يصلح للاختباء لحين انجلاء الوضع ومعرفة الفائز الجديد في المعركة الأخيرة لينضووا في ركابه .
لا يتفوهون إلا بعبارة : سيدي الرئيس .. انقلاب عسكري، قبل أن يتبخروا من حوله، تاركين له عبء إدارة الأزمة وحده، حتى في المرة الوحيدة التي انشقت فيها الأرض وابتلعته حينما انطلق الرصاص الكثيف وهو ينزل من علي سلالم الطائرة التي أقلته في رحلة تفقد فيها إقليم الصحراء .
في اللحظة التي لامست فيها قدمه الأرض انطلقت زخات كثيفة من الرصاص، لاذ الجميع بالفرار وحينما انجلى الموقف بعد قليل لم يعثر ولا علي جثة واحدة، ولا حتى قطرة دم، لم يكن هناك سوي كومة من الأحذية وساعات الرولكس الغالية ونظارات الكريستيان ديور وأقلام الباركر الذهبية ولا شئ آخر .
حتى في تلك المرة تبين كما ذكرت الشائعات الرسمية أن ذلك لم يكن سوي اختباء تكتيكي وان السيد الرئيس ظهر بعد ساعات قلائل ليقود معركة استرداد السلطة، ساعات قلائل كانت كافية لقواته المسلحة لدحر المهاجمين، مساء اليوم نفسه ظهر في جهاز التلفزيون مرهقا وقلقا من يقين أن المحاولة الأخيرة كانت الاكثر خطرا بسبب اعتمادها علي قوات تم تدريبها خارج الوطن .
أمر بتشكيل المحاكم الميدانية، وأثناء المحاكمات الصورية وقبل صدور الأحكام كانت الجرافات تعمل لحفر القبور الجماعية في الحزام الأخضر، وبمجرد صدور الأحكام بدأ التنفيذ، وكان الأسعد حظا هم الذين أطلق عليهم الرصاص قبل دفنهم نصف أحياء .
وبعد أن اطمأن لا إلى بقاءه قيد الحياة، بل في قمة السلطة استهل تحقيقا سريا لتحديد الثغرات التي تسببت في هذه الحركة التي كادت تقصم ظهر نظامه، متجاهلا تقارير جهاز أمنه التي ألمحت إلى اتهام الوزيرين الوحيدين اللذان يعملان في حكومته كما وصفهما هو نفسه في خطاب تاريخي أمام مجلس الشعب بمناسبة صدور قرار جمهوري بحل المجلس قبل نهاية مدته استنادا إلى الصلاحيات التي منحها له الدستور الدائم .
تجاهل تقارير أجهزة أمنه التي ألمحت إلى أن الوزيرين كانا علي علم بالحركة، وانهما لاذا بالصمت مقابل وعد بأن يبقيا في منصبيهما بعد نجاح الثورة المضادة، قرأ التقارير كلها فلم يجد شيئا آخر ملفتا للنظر فحفظها في درج مكتبه واستهل تحقيقا سريا اعتمد فيه علي بعض المقربين من ضباط جهاز الأمن ممن يثق في كفاءتهم، فسلموا له بعد أسبوع واحد تقريرا مذهلا : أن المجموعة المسلحة التي غزت العاصمة، دخلت إلى العاصمة تحت سمع وبصر رجال أمنه ضمن اللواري الضخمة التي كانت تنقل عمال لقيط القطن، وان تلك العربات المتهالكة المليئة بعمال من كافة أصقاع الوطن يغنون جميعا في وقت واحد بلهجات مختلفة كانت في الواقع مدججة بكل أنواع الأسلحة وان جهاز أمنه كان يغط في النوم حتى بعد أن انتشرت تلك المجموعات داخل العاصمة .
أشار التقرير إلى وجود ثغرات في نظام حراسته شخصيا، وانه لم يكن هناك أي عائق يقف أمام اغتياله سوي الحظ، اصدر قرارا بإقالة رئيس جهاز الأمن الوطني، وقرارا آخر بتكوين لجنة تشرف علي إعادة تنظيم الجهاز وقرارا ثالثا بإلحاق وزارة التجارة بوزارة المالية تحت قيادة الوزير العقيد محمد النور عبد الهادي .
وقبل حتى أن يتسلم الوزير مسئولياته الجديدة بدأت تقارير مستشاريه تنهمر : حتى قبل أن يجلس علي كرسي مكتبه الجديد سيدي الرئيس، قام بإصدار قرار بمنع استيراد ثلاثين سلعة اسماها السلع الكمالية، دعما لاستقرار العملة الوطنية كما أعلن، ولوقف ما اسماه بالتضخم الحلزوني الذي يضرب اقتصاد الوطن، واصدر قرارا بتكوين لجنة من عدد من القانونيين للإشراف علي تطبيق القرار .
وبسبب هاجس برود الشارع تجاه الحركات المسلحة ضده، حاول تحسين صورته واستعادة أوهامه الشعبية ، فشارك فرقة الموسيقي الشعبية الرقص علي أنغام آلة الكيتا في مهرجان الثقافة والفنون، وشارك بنفسه في استعراض منفرد علي الحصان قبل بدء السباق السنوي للخيل، وشوهد في يوم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وهو يرقص بزي درويش علي ضربات الطار .
كما شوهد عدة مرات وهو يساعد العميان علي عبور زحام العربات في شارع القصر، دون أن يلاحظ أن الكفيف الذي يساعده علي عبور الشارع ويدس في جيبه ورقة فئة خمسة جنيهات، كان مدججا تحت ثيابه الممزقة بالسلاح وانه أحد أفراد القوات الخاصة المكلفة بحراسته شخصيا، وانه كان يبصر أمامه افضل منك سيدي الرئيس، لأنه مدرب حتى علي الرؤية للخلف .
وحتى المتسولين المعوقين الذين كنت توزع عليهم الصدقات سيدي الرئيس جوار الجامع الكبير، كانوا من رجال الأمن بعد أن تم طرد المتسولين الحقيقيين من المكان تحت تهديد السلاح، حتى النسوة اللائى حاولن لقاءك لإهدائك سلالا من سعف الدوم الملون قضين عدة أيام في صناعتها لك لا بسبب الفراغ بل بسبب الحب، وقدمن لك سيدي الرئيس عريضة يعلن فيها استنكارهن للمظاهرات التي سيرها ذوي ضحايا أحداث يوليو الذين دفنوا أحياء في الحزام الأخضر، بإعتبار أنهن الأهل الحقيقيون لأولئك الضحايا، كانوا من رجال الأمن سيدي الرئيس .
فتصاب حاسة السمع لديه بارتجاج خفيف لم يستطع أن يميز أن كان بسبب هول ما يرد إليه من تقارير مضادة حول أداء رجال جهاز أمنه الذين جعلوا من أذنيه مختبرا للأكاذيب، أم أن سبب ارتجاج أذنيه كان بسبب الشيخوخة المبكرة، أم بسبب المظاهرة الهادرة التي شعر بها تتلوي مثل الأفعى في شوارع وأزقة العاصمة .
وليكتسب شعبية أكثر صدقا وبعيدا عن تدليس رجال أمنه أصبح يحضر بنفسه مباريات كرة القدم بين فريقي النجوم والشمس، وفي أول مباراة يحضرها بمناسبة عيد الوحدة، كان فريق الشمس مهزوما بثلاثة أهداف دون مقابل، وعرف أن الفريق يلعب بعشرة لاعبين بعد أن أقدم الحكم علي طرد أحد أهم لاعبيه، شاهد الوجوم يخيم علي مشجعي فريق الشمس بسبب الهزيمة وعرف أنهم كانوا أغلبية في المدرجات الغاصة بالبشر حيث يتعالي هتاف : التحكيم ظالم .
وفجأة اقتحم السيد الرئيس الميدان دون أن يعلن المدرب أي تغيير، اهتزت ارض الملعب تحت ثقل قدميه وهو يجري، التقط الكرة وسدد قذيفته الأولى فأحرز هدفا، ثم توالت قذائفه علي مرمي فريق النجوم، حتى بلغت دستة أهداف كاملة، دون أن يجرؤ أي من لاعبي فريق النجوم علي الاقتراب منه لا خوفا من سطوة سلطته الميدانية ولكن خوفا من سطوة قدمه الشبيهة بقدم فيل .
الخواجه
11-07-2005, 01:03 PM
ص ( 13 )
فصل جديد
بعد أن بذل جهدا شاقا حدد السيد المشير موقع بيته في نهاية الشارع، ألا انه اكتشف أن الموقع الذي حدده كان خاليا تماما ألا من مجموعة من أشجار العشر وبعد أن أعاد حساباته عشرات المرات كان يعود في كل مرة إلى نفس المكان، حتى انه اضطر لطرق اقرب باب بيت مجاور ليتأكد من موقع بيته .
فتحت له الباب الأرملة دار المقام بت الشيخ عثمان، وبسبب شحوب القيظ في وجهه وملابسه الخضراء الداكنة، اعتقدت في البداية انه زوجها الغائب منذ اندلاع مارشات أول انقلاب عسكري فاشل ضد السلطة العسكرية، فألقت بنفسها في حضنه، ألا أنها اشتمت في كثافة رائحة عرقه رائحة اللبن المتخثر تفوح مع أنفاسه فعرفت بسبب خبرتها أنها إشارة لمجد ضائع .
دعته ليجلس في فناء البيت علي مقعد خشبي تحت شجرة النيم وأعدت له كوبا من القهوة، ولأنها لم تستطع تذكر هويته الذائعة الصيت في القرية، لأنها أغلقت جهاز الراديو منذ عدة سنوات للمرة الأخيرة حينما سمعت اسم زوجها الجندي بالجيش يرد ضمن مجموعة حكم عليها بالإعدام .
أغلقت جهاز الراديو وأغلقت معه قلبها حتى تحجر، ولم تترك له سوي منفذ وحيد لدخول الهواء حتى لا تتعفن ذكرياتها، وأغلقت باب دارها وتفرغت لتربية الأطفال الثلاثة بإرث قليل ورثته عن المرحوم والدها وبمساعدات قليلة ظلت تتسلمها دون انتظام من شقيقها الذي هاجر من الوطن .
أعدت له القهوة دون أن يدر بخلده وهو يرقبها تعد القهوة علي نار حطب السنط، انه أن كان هناك عدو واحد في الدنيا لهذه المرأة التي جلست أمامه أرضا تنفخ النار فيما تناثرت خصلات شعرها المصبوغة بالحناء، فسيكون هو، وأن زوجها هو أحد الجنود الذين أمر بالحكم عليهم بالإعدام، رغم أن القانون لا يجيز إعدام الجنود لأنهم ينفذون تعليمات الرتب الأعلى، في ذلك الانقلاب الذي أطلق عليه هو نفسه الانقلاب التافه، انقلاب لم تحتج قواته من اجل القضاء عليه ألا لاطلاق طلقة واحدة في الهواء .
انقلاب معزول لم يجد مساندة من أحد، حتى الفنيين في الإذاعة تسلقوا الجدران وهربوا حينما شعروا بارتباك مجموعة الضباط والجنود التي اقتحمت الإذاعة، انقلاب انتهي حتى قبل أن يبدأ، وحتى البيان الأول لم تتم إذاعته لأن البيان الذي اعد في الليلة المنصرمة ضاع فجأة، وفيما كان الانقلابيون عاكفين داخل الإذاعة علي وضع بيان جديد اقتحمت قواته المكان .
أمر بإعدام الجميع، حتى الضابط الذي كان مشاركا في الانقلاب لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة وابلغ جهاز الأمن بتفاصيل التحرك الانقلابي مما كان له الأثر الحاسم في فشل الانقلاب، ورغم ذلك أمر بأن يعدم الواشي في البداية، لأن من يخون أصدقائه لا يمكن لنا أن نأمن غدره، كما أعلن .
شعر ببعض الاستقرار النفسي، نفس الأعراض التي تنتابه عقب دحر كل محاولة انقلابية، وعقب القضاء علي كل محاولات تنظيم انتفاضة تأتي من الشارع، نفس الأعراض التي تنتابه كلما تأكد من أن مجموعة أخري من أعداء الثورة كما تطلق عليهم البيانات الرسمية أصبحت خارج حلبة الصراع، تم تحييدها إلى الأبد .
ينفض عن يديه غبار الموت ويواصل الحياة، نفس الأعراض التي تنتابه كلما تولت أجهزة أمنه كنس آخر آثار المؤامرة الدنيئة علي مكتسبات الشعب كما تسميها أجهزة إعلامه، ويتم القبض علي آخر المتعاطفين المدنيين مع المحاولة ويزج به إلى النسيان، وبعد تمزيق آخر المنشورات التي تطبع لتهيئة الشارع لتقبل الوضع البديل، وبعد أن يوقع علي القرارات الجمهورية بالتغييرات الروتينية في قيادة جهاز أمنه عقب كل محاولة فاشلة، ويقرأ تقارير اللجنة المختصة التي شكلها للتحقيق في الثغرات التي نفذ منها الانقلاب الأخير، يقرأه دون اهتمام، دون حتى أن يلاحظ أن التقرير كان مطابقا لكل التقارير السابقة، يقرأه دون اهتمام ثم يضعه في درج مكتبه وينساه .
يشعر ببعض الاستقرار النفسي، فيستمع بهدوء لوزير ماليته : سيدي الرئيس منعنا استيراد ثلاثين سلعة كمالية دعما لاستقرار العملة الوطنية، ورغم ذلك فإن المعروض منها في الأسواق تضاعف، الفرق فقط هو أن أسعارها تضاعفت رغم أننا علمنا أنها صارت تدخل إلى البلاد دون دفع جمارك عليها، وهذه صور لأوامر صدرت من القصر بإعفاءات جمركية لبعض المتعاملين في هذه السلع، فيلقي نظرة عجلي علي أسماء هؤلاء المتعاملين فيكتشف فيها ثلاثة من أسمائه المستعارة التي يستخدمها بعض مساعديه فيحتفظ بالورقة ويطمئن الوزير بابتسامة محاولا إنهاء المناقشة بقوله : سوف أحقق في الأمر .
ألا أن الأخ الوزير استرسل : هناك شئ أخير سيدي الرئيس، وهو أمر خطير جدا، لقد اكتشفنا أن لجهاز الأمن مطبعة نقود خاصة به، وفسر لنا ذلك أسباب تدهور العملة الوطنية رغم أننا نفذنا كل المقترحات التي أوصي بها نخبة من الخبراء وأساتذة الجامعة من أجل الحد من السيولة بتخفيض تسهيلات البنوك الممنوحة للمتعاملين وبرفع الرسوم والضرائب والجمارك، ورغم ذلك ظلت العملة الوطنية تتدحرج حتى اكتشفنا وجود أوراق جديدة في السوق، لم تتم طباعتها تحت إشراف بنك الوطن، ولاحظنا الفرق الواضح في صورتك سيدي الرئيس، أن نقود جهاز الأمن جعلتك مبتسما سيدي الرئيس !.
يبتسم هو أيضا ويفكر : ماذا لو علم الأخ الوزير أننا في القصر أيضا بصدد استيراد مطبعة خاصة بنا، يعده بدراسة الأمر واتخاذ الإجراءات المناسبة، ويتسلم من الأخ الوزير ورقة مالية فئة خمسة وعشرين قرشا لكي يري صورته مبتسما بدلا من صورته في عملة بنك الوطن التي جعلته يبدو حزينا علي نحو ما، فيما جعلته عملة جهاز الأمن يبدو في المظهر الاكثر واقعية : يبدو سعيدا، في المظهر الذي يليق بمتطلبات المرحلة حيث لا هم لأعداء الثورة سوي البحث عن ثغرة تنبئ عن عدم استقرار النظام .
وحتى لا يفقد أواصر تواصله الشعبي، فقد واصل ظهوره المفاجئ في أماكن عامة فزار خلال أسبوع مصنعا للنسيج واستمع لشرح المهندس المسئول حول طريقة عمل الماكينات، وحول أسباب توقف بعض خطوط الإنتاج بسبب نقص قطع الغيار وشوهد في جهاز التلفزيون وهو يستمع بصبر لشكاوي العمال، وهو يطمئنهم إلى انه قام بتكوين لجنة لوضع اقتراحات من اجل تخفيف أعباء المعيشة .
كما شوهد في جهاز التلفزيون وهو يشارك في توزيع شهادات التفوق والجوائز في مدرسة ابتدائية في منطقة أم ضوا بان، وهو يشارك مع التلاميذ في إنشاد ديني لقصيدة السراي، وهو يشاركهم في أداء نشيد وطني، وهو يصفق لتلميذ صغير قدم عزفا علي صفارة مصنوعة من البوص لاغنية مرت الأيام، وشوهد وهو يرقص في حفل زفاف في ضاحية الحاج يوسف مشاركا العريس رقصة السيف .
دون أن يلاحظ أن رجال أمنه قاموا بتفريغ المكان قبل وصوله بدقائق من كل المدعوين واستبدلوهم برجال أمن مع نسائهم وأطفالهم ولم يتركوا أحدا سوي العروسين، لم يلاحظ شيئا مريبا رغم انه شعر بأنه يختنق في مرجل فرح رسمي .
الخواجه
11-07-2005, 01:04 PM
ص ( 14 )
ونقل جهاز التلفزيون مشاركته في حفل تتويج رث الشلك في قرية ديبالو بالقرب من مدينة فشودة، وشوهد وهو يرتدي العاج المقدس مشاركا مع جيش نيكانج في المعركة الرمزية مع جيش الرث بالقرب من خور اريبارجو، واثناء احتدام المعركة التي استخدم فيها جيش نيكانج جريد النخيل في ضرب جيش الرث اقترب منه احد حراسه وابلغه بهدوء صاعق : سيدي الرئيس وردت اشارة من العاصمة تفيد وجود تحرك عسكري مضاد في العاصمة ! .
لم يرتبك فالخبر اصبح مألوفا لديه، لكنه تلفت حواليه بحذر خوفا من وجود مؤامرة لاغتياله في غمار هذه الحرب الرمزية، شاهد رجال جيش الرث يلقون نحوهم بسنابل الذرة، فيما كان رجال جيشه يضربونهم بجريد النخيل دون هوادة، اصدر تعليماته لرجال الامن بالاتصال فورا بالقيادة الجنوبية ومتابعة الاخبار، فيما استمر هو في مشاركة جيشه في ضرب جيش الرث بجريد النخيل وبسبب توتره فقد ازدادت ضراوة ضرباته حتى انه أطاح ثلاثة من جيش الرث بضربة عصا واحدة .
تمزقت عصاه فتم استبدالها بعصا أخرى، حتى تفرق جيش الرث كله، وشاهد بمشاعر مرتبكة الرث الجديد وهو يدور حول دائرة في الأرض وتمثال نيكانج فوق كتفه ، تابع قلقا بقية إجراءات التتويج أمام قبة نيكانج في فشودة ، وحينما شاهد الرث يجلس علي كرسي التتويج المغطي بقماش ابيض وحول رأسه تمثالا نيكانج وداك المزينان بريش النعام الأسود، تذكر فجأة عرشه، الذي ربما يجلس عليه الآن شخص ما .
انسحب ببطء وقبل اكتمال اجراءات التنصيب ، كان لا يزال يرتدي ثوبا من ريش النعام حينما استقل السيارة العسكرية التي كانت في انتظاره واتجه الي قيادة الفرقة الجنوبية لمتابعة الموقف ولحظة دخوله أبلغوه بعدم توفر معلومات كافية عن التحرك حتى تلك اللحظة، سأل بحذر عن هوية قائد التحرك فجاءه الرد الفاجع : العميد صلاح محمد عبد الرحمن سيدي الرئيس .
العميد صلاح محمد عبد الرحمن، اقرب أصدقائه، نشأا سويا في حواري مدينة أم درمان القديمة، كانا يشكلان فريقا منفصلا هما الاثنان في مباريات كرة الشراب مع أولاد الحي، وقرب المغيب كانا يتسللان سويا إلى حي المسالمة ليشاهدا فتيات المسالمة البيضاوات الجميلات، الوحيد الذي لم يحقد عليه حينما كان يتفوق عليه في مباريات الجري حيث المجال الوحيد الذي لا يسمح لكائن بمنافسته فيه لأنه مجال تفوقه الأوحد، وهو الذي وصف رياضة الجري يوما أثناء استعراض عائلي لمهارته الوحيدة بالهروب الإيجابي، وكان صديقه العميد صلاح محمد عبد الرحمن يمازحه قائلا : انه الشيء الإيجابي الوحيد الذي تقوم به !
العميد صلاح محمد عبد الرحمن الأول في المدرسة، الأول في الشارع، الأول في الكلية، بينما يرزح هو في المؤخرة، الأخير في المدرسة، يجلس في الفصل مع انداده في الفشل وضخامة الجسم، يجلسون في الصف الأخير داخل الفصل، يتصبب عرقهم من رهق عدم الفهم، يكتفون بالمراقبة لا يشاركون في أية مناقشة أو يجيبون علي أي سؤال منذ بداية العام الدراسي وحتى نهايته كأنهم مضربون عن الكلام، يسميهم مدرس الرياضيات : الصحفيون الأجانب !، لأنهم يكتفون بالمشاهدة والاستماع باتجاه واحد، يكتفون بتمرير ما يستمعون له داخل آذانهم ليخرج مباشرة من الأذن الأخرى، دون بذل ادني جهد لمحاولة تمريغه في وحل الذاكرة، التي يحتفظون لها بصفة مراقب .
الأخير في الشارع عدا المصارعة التي يتفوق فيها دون جهد، الأخير في الكلية، الأخير حتى في الحساب يوم القيامة .
لم يصدق في البداية إن العميد صلاح محمد عبد الرحمن يمكن إن يخونه، استغرقه التفكير فيما رجال حراسته يحاولون دون جدوى الاتصال بالعاصمة :
الخائن، عينته قبل سفري وزيرا للدفاع أعطيته ما لم أعطه لاحد من مساعدي وأصدقائي، أعطيته السلطة وكان يتعفن قبل إن أتذكره في أرشيف حكومي لا يلتقي فيه إلا بأرباب المعاشات من المحاربين القدامى الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى ليصرف لهم مستحقاتهم التي لن تكفي ولا حتى لتأمين تكلفة المواصلات التي سوف تعيدهم إلى بيوتهم، ويصدق لهم قطعا سكنية وهمية في مناطق لم تطأها بعد قدم بشر، ويوزع عليهم بطاقات لصرف حصص صغيرة من زيت الطعام والسكر والصابون بأسعار زهيدة من التعاونيات التابعة للجيش .
أعطيته السلطة وكان يركب قبل إن أتذكره سيارة فورد قديمة صنعت في أوائل القرن ولا يوجد مثيل لها إلا في المتاحف حتى إن الصبية كانوا يزفونها ويسابقونها فيجرون أسرع منها ويقذفونها بالحجارة كلما ظهرت في مكان ما .
أعطيته أوراقا ممهورة بإمضائي يمكن إن يستخدمها حتى في استيراد الأفيون لو أراد رغم إن قرارات الأخ وزير التجارة تحظر حتى استيراد الهواء نفسه من اجل محاربة انهيار العملة الوطنية، الأخ وزير التجارة الذي كان يردد دائما : إذا ما استمر الحال في نفس وتيرة تدهوره فلن يكون هناك شئ في متناول المواطنين بعد سنوات سوي الهواء سيدي الرئيس !
جعلته نائبا لرئيس الجمهورية وشريكا في الحكم، في وطن لا يمكن إن يحكمه اثنان لأن قانون ( ريسين بيغرقوا المركب ) الأزلي هو الذي يحكمه ، ورغم ذلك قبلت إن أتنازل له عن جزء من الدفة فإذا به يحاول الاستئثار بها كلها.
العميد صلاح محمد عبد الرحمن الذي نقلته فوق كتفي لمسيرة يوم كامل وهو مصاب بطلق ناري في صدره ودماءه تنزف مثل نافورة، وكنت احمله فوقي وازحف قريبا من الأرض حتى لا أصاب برصاص المتمردين الذي كان يتطاير من حولي مثل البعوض .
ولمدة يومين ظلت الإذاعة صامتة، ظل فيها السيد الرئيس تحت رحمة القيظ والبعوض يستمع إلى أصوات الشلك يغنون للرث الجديد : اجاك اقرع الطبل قرعا ليدوي .. علي أرواح جدودنا . وبعد مرور يومان علي الانقلاب لاحظ إن الجنود بدءوا يتجاهلون تحيته عسكريا، كان يسمعهم يغنون بأصوات مخمورة وهم يعبرون من حوله، يغنون أغنية, حبايبي الحلوين أهلا جوني وأنا ما قايل .. حلوين زي دول بدوروني، يلوكون المقطع نفسه عشرات المرات مثل اسطوانة مشروخة، يترنحون ويستندون عليه أثناء مرورهم، تفوح منهم رائحة المريسة التي يشربونها في قطاطي السافنا، حيث الرائحة الراكدة لمستنقعات خريف منسي، تتصاعد في ساعات القيلولة مصحوبة بعزف حزين علي آلة امباية وبغناء عصافير الحب فوق أشجار الباباي .
في اليوم الثالث اتخذ قرارا بالعودة إلى العاصمة مهما كلف الأمر، رغم ثقته من انه سيتم اصطياد الطائرة قبل دخولها أجواء العاصمة، أصدر أوامره بتحرك القيادة الجنوبية لإنقاذ الوطن، إلا إن الضباط ترددوا في تنفيذ أوامره متعللين بقولهم :
سيدي الرئيس إن تحركنا قد يهدد الوحدة الوطنية التي ضحينا من اجلها كثيرا، والمعلومات المتوفرة لدينا تؤكد تجمع أعداد كبيرة من المتمردين في بعض الدول المجاورة، بينهم أعداد من حركة الانيانيا ممن لم يتم استيعابهم في الجيش حسب بنود اتفاقية أديس أبابا، وسحب الحاميات من الجنوب في هذا الوقت بالذات قد يؤدي إلى كارثة .
وفجأة في حمي القلق والانتظار بدأت الإذاعة تعمل : بثت في البداية مارشات عسكرية، تم إحباط المحاولة وتم اعتقال جميع المتآمرين، استقل طائرته وقبل إن تهبط الطائرة رأي الشوارع تغص بالمتظاهرين فحسبهم خرجوا تأييدا له، لكنه علم فيما بعد إن المحاولة كانت خطيرة جدا وان الشارع تعاطف معها تماما ولولا حدوث خلافات بين بعض الانقلابيين تسربت علي أثره شائعات بأن قادة الانقلاب سوف يطردون نصف ضباط الجيش من الخدمة مما جعل القيادة الشمالية والقيادة الشرقية تتدخلان لإنهاء الانقلاب .
طلب إن يري المجموعة الانقلابية علي الفور، كانوا محتجزين في مدرعات الشجرة، ولدي اقتحامه الغرفة فوجئ بالعقيد محمد النور عبد الهادي، وزير المالية، وفي البداية حياه معتقدا انه جاء مثله لتفقد المتآمرين، لكنه انتبه بعد قليل للدوائر السوداء حول عينيه، نظر خلفه فشاهد العقيد كمال الدين محمد علي وزير الزراعة، ثم شاهد نائبه وصديقه وزير الدفاع العميد صلاح محمد عبد الرحمن، كان واقفا بكبرياء رئيس منتخب، نظر إليه نظرة عابرة دون إن يحاول إن يحدق في عيني العميد، وللمرة الأولى لم يأمر بتحويل المعتقلين ليحقق معهم بنفسه قبل تقديمهم للمحكمة العسكرية التي انعقدت علي الفور .
الخواجه
11-07-2005, 01:05 PM
ص (15 )
فصل جديد
حتى تعد الأرملة دار المقام القهوة، جلس المشير قلقا علي مقعد خشبي بدا واضحا أن الأرملة صنعته بنفسها فقد كانت رؤوس المسامير البارزة تعوق أية محاولة للاسترخاء عليه .
أما الأرملة فلأنها لم تستطع تذكر هويته الذائعة الصيت في القرية، بسبب السنوات الطويلة التي توقف فيها تواصلها الاجتماعي مع أهل القرية منذ إعدام زوجها، فقد حاولت كشف هويته عن طريق مقايضة الذكريات، فسردت أدق تفاصيل ذكرياتها، منذ المرة الأخيرة التي شاهدت فيها زوجها يغادر البيت بملابسه العسكرية إلى الأبد .
حكت انه اقدم للمرة الأولى والأخيرة طوال حياتهما معا علي شئ لم يفعله من قبل رغم كثرة أسفاره، فقد لوح لها بالقبعة العسكرية وهو يغلق الباب وقال لها : اهتمي بالولدين ولا تتهاوني في تعليمهما حتى لو اضطررت لبيع الافدنة الخمسة التي ورثتها عن المرحوم والدي .
ثم سردت تفاصيل المصائب اليومية التي واجهتها حتى كبر الأطفال، وكيف أنها أبقت باب بيتها مغلقا طوال ست أعوام أقدمت خلالها علي تنفيذ وصية زوجها الراحل وباعت افدنته الخمسة ، وأنها كانت ترسل ابنها الأكبر علاء الدين يوم الأربعاء ليقوم ببيع الحلوى التي تصنعها من السكر في قوالب من الخشب ، ويشتري اللوازم القليلة التي تكفيهم بالكاد، حتى نسي الناس صورتها .
وحكت انه رغم أنها كانت غريبة عن أهل القرية ولا أقارب لها، إلا أنها كانت تكتشف مطلع كل شهر جديد أن أحد المحسنين قد وضع فوق جدار البيت جوالا صغيرا تجد في داخله كمية من المستلزمات المنزلية دون أن يتسنى لها قط أن تعرف هوية ذلك المحسن رغم أنها كانت تسهرعدة ليالي وتراقب المكان دون جدوى، فقد كانت تخلد للنوم فجأة لتستيقظ علي مشهد الجوال فوق الجدار .
ستة أعوام ظل فيها باب بيتها مغلقا حتى انه حينما تعين عليها أن تغادر البيت للمرة الأولى منذ إعدام زوجها لتقوم بتسجيل علاء الدين في المدرسة بعد أن بلغ الثامنة، تعين عليها أن تستعين ببعض الأعراب الغرباء ليزيحوا الرمال التي سدت مدخل البيت وليقتلعوا أشجار الطرفاء التي نمت وأغلقت المدخل، وحكت له أن أحدا لم يتعرف عليها حينما اخترقت شوارع القرية وحينما تجولت في السوق يوم الأربعاء التالي .
ورغم أنها كانت تركن للصمت لتعطيه فرصة لسرد ذكرياته، لتحاول أن تحدد منها هويته الأصلية التي بدت لها مختلفة تماما عن صورته الماثلة أمامها، عجوزا متهدما يجهل حتى اسمه .
أحضرت له ماء ليغسل وجهه، وأعدت له القهوة، شرب القهوة وكأنه يتجرع سما، ثم لبث ممسكا بالفنجان الفارغ حتى امسكته منه، حاولت أن تقرأ خطوط ذاكرته علي فنجان القهوة، وللوهلة الأولى لاحظت الخط النشط للنسيان الذي بدأ في اختراق أهم خطوط دفاعات ذكرياته، التي بدت لها تفتقر إلى الترابط وأنها مبعثرة في بيداء ذاكرته دون رابط .
ولأن خطوات النسيان كانت بطيئة وواثقة، فقد عرفت أنها لم تكن سوي الخطوات المموهة للموت، حتى أنها عادت لتحدق في عينيه، وفي إحصاء تجاعيد وجهه لتتأكد انه كان لا يزال علي قيد الحياة، دون أن تدري لماذا داهمتها فكرة أن هذا الغريب الذي يبدو زاهدا حتى في الحياة، كان يجهل انه علي قيد الحياة، حتى أنها أحضرت له مرآة صغيرة نظر فيها آليا دون اكتراث، فرأي وجهه .
شاهد الآثار الأكثر دمارا لا لمرور الزمن بل الموت، واكتشف فجأة أن وجهه الهرم كان يبدو اكثر شبها بصورته التي ترقي إلى أول أيام الاستيلاء علي السلطة، رغم انه لاحظ دون اكتراث أن بريق عينيه كان بدون هوية، فراغ قاحل يبدأ من الخارج ويتغلغل حتى قاع عينيه، مفرغا نظراته من بقايا الحزن القديم الذي قال له العقيد الزبير سليمان شيخ الدين عنه يوما : كان ذلك الحزن في عينيك في أول صورة لمجلس قيادة الثورة هو نبوءة بحجم الدماء التي تعين عليك سفكها لكيما تظل في السلطة، حتى انه بعد سنوات قليلة كاد الوطن أن يصبح خاليا من سكانه سوي النسوة الأرامل اللائى بقين علي أمل عودة المفقودين، سنوات طويلة وهن في انتظار أن يسمعن خطواتهم تمزق صمت ليالي الشتاء الطويلة، حيث لا شئ سوي صوت الريح التي تكاد تقتلع البيوت من الأرض، يحاولن إبقاء جذوة الحياة متقدة من حولهن، يرقبن دون جدوى كل صفارة قطار عابر وكل صفارة باخرة .
المفقودون الذين لم يجرؤ نظامه علي إعلان موتهم، لا خوفا من منظمات حقوق الإنسان، ولكن لأنه هو نفسه انتهي به الأمر لأن يصدق أكاذيب أجهزة إعلامه التي كانت تعلن صباحا ومساء أنه لايوجد في الوطن ولا سجين سياسي واحد، وان الحرية مكفولة للجميع، مثل الهواء، ومنابر حزب الوطن مفتوحة لكل أبناء الوطن ليعبر كل مواطن عن رأيه دون قيد .
ويواصل اللواء الزبير سليمان : فيما تحول حزب الوطن سيدي الرئيس إلى كارثة وطنية أخرى، مجرد مقهى يلتقي فيه المنتفعون من النظام لاستخراج رخص الاستيراد والحصول علي وقود السيارات فيما الوطن كله يقف أما في طوابير الوقود أو في طوابير الخبز، تركت المنافقين يحومون حولك مثل الذباب، يبايعونك علي المنشط والمكره، فيما الشرفاء أما تحت الأرض بدون حتى شاهد يوضح هويتهم بعد الموت، كأنك تخشى أن ينهضوا فجأة فلا يستطيعون تذكر أسمائهم . أو في السجون التي تعفنوا فيها حتى نسوا أسباب اعتقالهم، أو يشيخون في المنافي الباردة تصيبهم أمراض الانتظار فلا يبقي لهم سوي مرارة الشوق وقائمة الأطعمة التي يمنعهم الأطباء من تناولها حتى لا ترتفع نسبة الكوليسترول في دمهم، وقائمة أخرى يكتبون فيها أسماء الأصدقاء حتى لا تختلط أسماءهم مع أسماء الأعداء عند بدء انحلال الذاكرة .
وحتى نسمة الرخاء الرقيقة التي هبت علي الوطن وأدتها دون رحمة، وأعدمت أفضل وزيرين ارتضيا العمل معك، وغامرا بسمعتهما الطيبة بالعمل مع نظام مشبوه، نظام وزراؤه سماسرة يقتطعون عشرة في المائة من كل معاملات الوطن وقروضه .
وفجأة انتبه للمرأة الماثلة أمامه، تنتظر في صبر انتهاء نوبة الذكريات التي داهمته، لم يتذكر أين رآها، وما مناسبة وجوده في هذا البيت ذو الفناء الواسع المفروش بالرمل الأحمر حيث يزدهر في أحواض صغيرة نبات صباح الخير بوروده الحمراء، وحيث شجرة النيم الضخمة تخفف من جحيم قيظ ينبئ عن بدء تحرك الفاصل المداري نحو الشمال منهيا العصر الثالث للجفاف، رأي عصافير الرهو والسمان تبدأ موسم رحلتها العكسية شمالا، وتلمس طعم زمان غريب شعر به يعبر من حوله بينما هو ثابت في مكانه مثل جذع شجرة مقطوعة .
رأي للمرة الأولى البدايات الأولى للفراغ الذي شعر به يبدأ في دواخله منذ إعدامه لوزيري المالية والزراعة العقيدين محمد النور عبد الهادي وكمال الدين محمد علي، دون أن تفلح كل ضجة عصور الجفاف وقصص الحب الرسمي الفاشلة في تخفيف سطوة ذلك الفراغ، منذ أن تطلع إلى خريطة الوطن من أقصاها إلى أدناها بحثا عن صديق واحد، فلم يعثر علي شئ، تطلع إلى الوطن كله، من أقصى إقليم الصحراء شمالا وحتى حدود الغابات الاستوائية، فلم يجد ولا حتى صديقا واحدا .
لم يجرؤ علي الاعتراف بأنه قتل مع الوزيرين آخر احتمالات بقاءه في السلطة، فشعر بالفراغ يدب من حوله، فراغ يبدأ من الذاكرة، جعله يتوجس خيفة من احتمال أن يفقد الذاكرة نهائيا، حينما اكتشف فجأة انه اصبح يخلط أسماء الأشياء، وحتى يوقف نزيف الذاكرة قرر وقف استخدامها لتجنب أي إجهاد محتمل قد يؤدي لظلام شامل .
اصبح يتعمد عدم مناداة الذين يتعامل معهم يوميا بأسمائهم، حتى أولئك الذين كان تذكر أسمائهم لا يسبب له أية إجهاد، يستخدم عبارة أخي الوزير، لأفراد طاقم وزرائه، ويقول صديقي لكل معاونيه ومستشاريه .
يستمع إلى أكاذيب أصدقائه :
الأحوال تتحسن سيدي الرئيس، والسوق امتلأ بالسلع التي كان المرحوم العقيد محمد النور عبد الهادي قد حرم الناس منها، وكانت النساء الأكثر تضررا من سياساته فقد اختفت من الأسواق مواد وأدوات التجميل واختفت الملابس الفاخرة والأحذية الإيطالية والتايوانية والباروكات، فبسبب قرارات الوزير الراحل رحمه الله، ارتفعت معدلات الطلاق سيدي الرئيس ولم تكن حالات الطلاق بسبب الغيبة أو الإعسار كما تزعم إعلانات المحاكم الشرعية في الصحف اليومية بل بسبب انعدام مواد التجميل في الأسواق، بحيث أمكن لمعظم الأزواج رؤية زوجاتهن علي صورهن الأصلية !، ولم يعد بالإمكان مداراة آثار مرور الزمن علي الوجوه، بسبب انعدام مواد التجميل، حتى أن النسوة اضطررن للجوء لأساليب كلاسيكية عفا عليها الزمان، مثل الحناء لاخفاء شيب الشعر، والترمس لتبييض البشرة، وزيت السمسم لترطيب الشعر والبشرة، ولولا موته لاصبحت نصف نساء الوطن مطلقات خلال اقل من عام سيدي الرئيس .
السوق ملئ بالسلع والناس سعداء، وفي سوق سعد قشرة والسوق الشعبي يتعذر المرور بسبب الأعداد الهائلة للبشر الذين هرعوا للأسواق بمجرد أن علموا أنها امتلأت مرة أخرى بالسلع، والناس سعداء والسكارى يرقصون طوال الليل في الشوارع، ومشروعات التنمية تعمل بصورة افضل بعد أن تسلم الدكتور حسب الرسول وزارة الزراعة وقام بوضع خطة علمية لتطوير أساليب الزراعة وزيادة الرقعة المزروعة علي امتداد الوطن، ومطابع العملة تعمل ليلا ونهارا، وجيوب الناس ملأي بالنقود حتى أن التجار في سوق مدينة أم درمان يرسلون نقودهم لإيداعها في البنوك في جوالات الخيش سيدي الرئيس! .
لا تبهجه هذه الأكاذيب بقدر ما يؤرقه فراغ ذاكرته، يشعر به في معدته في صورة نوبات مترددة من الجوع، فيحاول إفراغ شحنات توتره في الأكل حتى يشعر بازدياد وزن جسمه، ورغم انه يرتدي حذاء يصنع له خصيصا في سوق الجلود بمدينة أمد رمان بسبب عدم توفر قياس قدمه من الأحذية الجاهزة، إلا انه يشعر بالحذاء الضخم يكاد يتمزق من وطأة ازدياد ضخامة قدميه .
يطوف داخل القصر طوال اليوم، فتصيب عدوي قلقه مستشاريه وجيش الموظفين والسكرتارية، يبحث عن شئ ما يملأ الفراغ الملح الذي يغزو دواخله، يكتشف أن الملل كان يخيم فوق كل شئ من حوله، فخرج في مساء اليوم نفسه متنكرا.
مر بتجمعات المداحين علي إيقاع الطار في السوق العربي، ودفع خمسة وعشرين قرشا ليشارك في رقصة العرضة، واستمع إلى واعظ تجمع حوله عدد من الناس بدافع الفضول لا الورع كما اعتقد في البداية،فشعر للمرة الأولى بأنه بدأ يحدد جذور فراغه الداخلي، كان الخطيب الأعرج الذي يدور داخل الحلقة مثل النحلة، مستندا علي عصاه، كان يتحدث عن الموت والحياة الأخرى .
شعر السيد الرئيس بأن فراغ روحه اصبح محتملا قليلا، وبعد قليل حينما بدأ الواعظ يشرح أوصاف الحياة الأخرى في الموت، فبدت شبيهة بأوصاف الحياة في عصر جفافه، بدأ الناس ينسحبون، حتى اكتشف بعد قليل انه يقف وحيدا في مواجهة الواعظ الذي انتهز الفرصة فأفرغ في وجهه شحنة تحذير مركزة بعواقب الأعمال السيئة، ذكره بيوم الحساب، ثم انتقل محاولا هدايته إلى الطريق القويم بعبارات مبسطة وبالغة الصرامة في الوقت نفسه، ذلك أن الواعظ قصير القامة خطرت له فجأة فكرة أن هذا الكهل الضخم الجثة الذي يرتدي ملابس قبيلة البني عامر، سروال ابيض ضخم له تكة طويلة من الصوف الملون يسحبها علي الأرض، وجلبابا قصيرا فوقه صديري ازرق وعمامة ضخمة تخفي معظم تفاصيل وجهه .
بدا له هذا الكهل الضخم الجثة جاهلا بأبجديات الفروض الدينية، سادرا في خطيئة دائمة ألهته حتى عن تذكر الموت، حتى أنه شرح له كيفية الوضوء الصحيح وأشار له علي اتجاه قبلة الصلاة باتجاه الكعبة في مكة المكرمة، فقد بدا له أن هذا الكهل الغارق في الخطيئة حتى أن اقتنع بأداء الصلاة فإنه سيصلي علي اتجاه يحدده هو بنفسه .
وفجأة انسحب السيد الرئيس تاركا الواعظ يواصل صياحه دون مستمعين، وفي مساء اليوم التالي حضر حفلا لتوزيع الدرجات العلمية في جامعة الخرطوم، شاهد فتاة ارتجف لها قلبه، وشعر بتبدل يقينه حول أصول فراغ روحه الذي حسبه ذو صلة بالموت، علق بصوت هامس بثلاث كلمات :
فتاة رائعة الجمال !
ألقت الفتاة الكلمة الأولى في الحفل، ثم تراجعت إلى مقعدها في المقدمة في مواجهته، وللمرة الأولى اكتشف أن قلبه كان لا يزال يعمل، فقد شعر به يومض وميضا خفيفا من داخل عتمته الحجرية . شعر بألم في معدته، وبفراغه الداخلي يتآكل وهو يستمع إلى تقرير هامس حول الفتاة :
كانت
الخواجه
11-07-2005, 01:05 PM
ص ( 16 )
الأولى ضمن المتخرجين في كلية الاقتصاد سيدي الرئيس، والدها من سلالة المك نمر ملك الجعليين السابق الذي هاجر إلى الحبشة بعد أن اقدم علي قتل إسماعيل نجل محمد علي باشا حاكم مصر مطلع القرن التاسع عشر سيدي الرئيس، وهو أستاذ بالجامعة، وهي مخطوبة لمحام شاب من أقاربها له مكتب في مدينة أم درمان .
شعر أن فراغه الداخلي بدأ ينحسر أمام بدء اشتعال نار العاطفة، فيتظاهر بأنه مشغول بقراءة تقارير الموقف الاقتصادي فيما يرخي أذنيه لتقارير رجال أمنه الشفهية :
والدها أستاذ في كلية الزراعة، حصل علي درجة الدكتوراه عن أبحاثه في البصل سيدي الرئيس، تصيبه خيبة أمل طفيفة : كل هذا المجد تصنعه بصلة ! ، لكن خيبة أمله سرعان ما تبددت تحت إلحاح فضول القلب فيواصل الاستماع، حينما ذهبنا لرؤيته وجدناه عجوزا جدا حتى أننا لم نصدق في البداية أنه كان حيا، لولا أنه كان يتحدث عن أشياء لم نفهم منها شيئا سيدي الرئيس، ليس فقط بسبب خلطه المصطلحات العلمية مع كلامه العادي، ولكن لأنه كان ينسي وجودنا بجانبه، ولاحظنا انه كان يوجه كلامه أحيانا إلى المنضدة أو إلى النافذة، وفي إحدى نوبات نسيانه تركنا وغادر المكان، وحينما عاد بعد اكثر من ساعة، قام بالسلام علينا مجددا وكأنه يرانا للمرة الأولى، رغم انه واصل حديثه الذي قطعه بخروجه من نفس المكان الذي توقف فيه .
يتظاهر بأنه يقرأ في تقرير الموقف الاقتصادي، يقلب صفحة أخرى دون أن يقرأ كلمة واحدة، فيما يرخي أذنيه للتقرير الشفهي :
عرفنا أن شخصيتها قوية سيدي الرئيس، لاحظنا ذلك حتى في طريقة تأثيث البيت، كل شئ في مكانه الصحيح الذي لا يمكن تخيل وجوده في مكان آخر غيره، حتى في ألوان الستائر والأبواب، حتى في حديقة البيت الصغير، كل شئ ينبض مثل الساعة ولم يحدث تخريب للنظام الدقيق في المكان حتى حينما انقطعت الكهرباء، ظل كل شئ ينبض في مكانه، قدمت لنا أكواب الشاي واعتذرت بسبب انشغالها في التحضير لرسالة الماجستير .
يتظاهر بأنه يقرأ في التقرير، يقلب صفحة أخرى دون أن يقرأ كلمة واحدة ثم يلقيه جانبا ويملي قرارا جمهوريا، فأصبح والدها بقرار جمهوري أذيع في نشرة الساعة الثالثة وزيرا لوزارة صنعت خصيصا من اجله : وزارة الرعاية الاجتماعية، مقرها داخل القصر الجمهوري .
خطا السيد الوزير مرتبكا خطوته الأولى داخل القصر دون أن يلاحظ مطلقا أنها الخطوة الأولى في الدرب الذي سيتعين عليه أن يقطعه منذ تلك اللحظة والذي سيقود به إلى حتفه والي تشتت شمل عائلته، استقبله السيد الرئيس في مكتبه ونبهه ضاحكا إلى الورقة الصغيرة المعلقة حول عنقه وقد كتب عليها : أنا ذاهب إلى دورة المياه ! .
انتزع السيد الوزير الورقة محرجا ووضعها في جيبه، أوضح انه ينسي أحيانا الاتجاه الذي يسير فيه أو السبب الذي جعله يخرج من مكتبه، لذلك يقوم بوضع هذه اللافتات ليستخدمها تلاميذه في الكلية لاعادته نحو الوجهة الصحيحة، ضحك السيد الرئيس واقترح عليه لافتة جديدة :
أنا ذاهب لاداء القسم، واكمل فقد أصبحت يا عماه وزيرا للرعاية الاجتماعية، وزارة جديدة لنج!، حتى أنه لا تفوح في أرجائها سوي رائحة الطلاء الذي قمنا بعمله علي عجل، حتى أننا اضطررنا بسبب عدم وجود عمال يوم الجمعة، إلى العمل بأنفسنا، واستطرد مازحا : جربنا من قبل كل أنواع الضرب، إلا أن هذه المرة الأولى التي نجرب فيها ضرب الطلاء! ثم أشار لاحد مساعديه فسحب خلفه الرجل العجوز الذي سأل عدة مرات عن الوجهة التي يقصدها وعن سبب وجوده في هذا القصر القديم الذي تفوح في أرجائه رائحة السلطة ورائحة زمان راكد منذ الأزل، والذي لم يعجبه فيه لحظة دخوله، سوي منظر الجنديين اللذين يقفان وقفة واحدة طوال النهار دون حتى أن تهتز رموش عيونهما .
الخواجه
11-07-2005, 01:06 PM
ص ( 17 )
بدت له الظاهرة في النهاية جديرة بالاستنكار بسبب ما فيها من امتهان لكرامة الإنسان، لأنه بدا واثقا من انهما كانا لا يأكلان طوال اليوم ولا يقضيا حاجتهما، تسلم السيد الوزير وزارته من المستشار الذي بادره : هذه وزارتكم سيدي الوزير، ثلاثة مكاتب وبهو صغير ودورة مياه، سحب السيد الوزير نفسا طويلا، خليط من رائحة الطلاء ورائحة مطهر الديتول قبل أن يسأل : وأين الموظفين ؟ فجاءه الرد : سوف نعتمد عليك يا سيدي في تعيين كل موظفي وزارتك، وربما كان من الأفضل أن تبدأ بتعيين سكرتيرة لتنظم المواعيد، ويفضل أن تكون من أقربائك ، ابنتك مثلا، لأنها معتادة علي كل عادات سيادتكم .
في اليوم التالي جاءت صفاء، صفاء عثمان محمد صالح، الدكتورة صفاء كما سوف يطلق عليها السيد الرئيس، كريمة الوزير وسكرتيرته الخاصة، جاءت صفاء تسير بثقة وبنفس طريقتها في وضع قطع أثاث البيت، بنفس طريقة تنسيق زهورها، كل شئ ينبض في مكانه وفق إيقاعه الخاص، كل الأشياء تعمل وفق أبعاد ثلاثية لحركة ساكنة، واثقة ومنظمة .
في اللحظة التي خطت إلى داخل القصر تبدل الجو الداخلي مع هبة ريح غير منظورة، حملت إلى داخل القصر عبق رياحين خريف منسي، تفتح نبات صباح الخير فجأة عن زهور جديدة، وبدأت الضفادع النائمة في بياتها الشتوي تغني وظهرت تشكيلات من طيور الرهو والسمان المهاجرة، وبدأت تنمو في حديقة القصر نبتة السيكران التي تنمو في الخريف، واجتاح المكان كله شعور خارق بالخريف رغم الجفاف المخيم في الخارج.
عندها فقط شعر بفراغه الداخلي يبدأ في التلاشي، حينما اكتشف أن خريف الفتاة الخاص داخل القصر كان يخفف من ضراوة الجفاف الذي يضرب الوطن كله، يتظاهر وكأنه يقرأ تقارير الانهيار الاقتصادي وهو يرخي أذنيه مستمعا لتقارير رجال أمنه وفجأة أزاح الأوراق جانبا وقال : ولكن المشكلة تكمن في خطيبها، ثم قام بتغيير موضوع كلامه ليسأل عن احد مستشاريه الذي لم يظهر في القصر منذ عدة أيام، قالها مرة واحدة : ولكن المشكلة تكمن في خطيبها وتعمد أن يبدو ساهما وهو يعلن ذلك، فتم اعتقاله في نفس اليوم :
وجدنا في مكتبه سيدي الرئيس مطبعة رونيو صغيرة وكمية من منشورات الحزب الشيوعي، تحض المواطنين علي الثورة علي النظام القائم .
يتظاهر بأنه مستغرق في قراءة التقارير فيما هو غارق حتى أذنيه في وهم الحب، يقرأ السطر عشر مرات دون أن يفهم شيئا، يشعر بجسده الضخم يتلاشي في مظاهرة الخريف المخيم داخل القصر، فيسترد بعض نشاطه الغابر، يبدأ يومه مبكرا داخل القصر بشراب القهوة مع الأخ الوزير، رغم أنه يكتشف لدي دخوله إلى مكتب الوزير انه يضع لافتة مكتوب عليها : لقد شربت القهوة، حتى لا ينسي ويشرب القهوة مرة أخرى بسبب إصابته بارتفاع ضغط الدم ومرض التهاب المصران .
لكنه يستجيب لرغبة السيد الرئيس الذي يمازحه قائلا : نحن الموظفون إذا لم نشرب القهوة في مكاتبنا ..فماذا سنفعل ؟، يتجاهل تحذيرات ابنته من الإفراط في شراب القهوة، ويقول للسيد الرئيس :
أنجزنا كل شئ، المكاتب جاهزة، اشترينا ثلاثة مقاعد ومنضدتين وستة منافض للسجائر، واشترينا ورقا ودفاتر وأقلاما، كما احضروا لنا قصارى من البلاستيك الأبيض من الأسواق الحرة لنغرس فيها النباتات الظلية، وقمنا بتعيين ثلاثة موظفين بعثهم لنا مكتب العمل، وسكرتيرة واحدة وساع واحد، واشترينا ساعة حائط وخزانة حديدية للأوراق، واحضروا لنا موكيت فرشناه علي أرضية المكاتب، واحضروا لنا أيضا أجهزة تكييف صحراوية .
كل شئ اكتمل تماما، لكن بقيت مشكلة أخيرة، هي أننا لا نعرف ماذا يجب علينا أن نفعل بعد ذلك ؟!، واثناء حديثه كان ينسي أحيانا أن السيد الرئيس يجلس بجانبه، يبطئ في شرب القهوة حتى يطيل من جلوسه في المكان، يشعر بجسده الضخم يسترخي داخل البزة العسكرية الضخمة فيما يتحول جسده إلى ماء .
ينسي أن السيد الرئيس جالس بجانبه، يغادر المكان دون مقدمات واضعا لافتة كتب عليها : أنا ذاهب إلى دورة المياه، ليعود بعد قليل واضعا علي صدره لافتة مكتوب عليها : أنا عائد إلى مكتبي، أحيانا كان يخطئ في حضرة السيد الرئيس ويضع لافتة مكتوب عليها : سوف ا