مشاهدة النسخة كاملة : مسرحية امادو ( نص مسرحي )
لفصل الأول
يفتح الستار عن خشبة خالية إلا من لافتة حمراء معلقة بشكل طولي في منتصف يمين المسرح ، وعليها بصمات اكفّ مغموسة بلون اصفر . يدخل من شمال المسرح ممثل يرتدي ملابس يابانية تقليدية طويلة ، ويغطي وجهه بقناع ضخم يحمل تعبيرا جامدا. يقف الممثل قبالة الجمهور ، ينحني انحناءة طويلة ثم يبدأ بالحديث بصوت محايد رتيب قائلا :
آمادو .. جندي ياباني شارك في الحرب العالمية الثانية ، بقي وحيداً مدة ثلاثين عاماً فوق جزيرة صغيرة . ترى لماذا بقي امادو وحيداً ؟ قد تكون هذه هي قصته .
ينسحب الراوي ويفتح ستار ثانٍ . المكان هو جزيرة فيها قليل من نخيل جوز الهند والكثير من الأدغال . في وسط المسرح بوابة ملجأ عسكري مدفون تحت الأرض ولا يبدو منه إلا بقايا مدخله الذي يجلس أمامه رجل كثّ الشعر, يرتدي نظارات طبية مستديرة ثبتها بخيط حول رأسه ، ملابسه بالية ، بنطلونه مرقّع وبأرجل قصيرة وقميصه واسع مهلهل . يرتدي حذاءاً ضخماً مصنوعاً من القش المربوط بالأسلاك . الرجل جالسا وأمامه نار صغيرة يتدفأ بها ، تقترب أصوات متداخلة من جهة يمين المسرح .
الأصوات : نار ، نار .. ربما كان أحدهم هنا .
يدخل المسرح رجل ستيني منتصب القامة يرتدي بدلة أنيقة بيضاء ، يتقدم بثبات وحذر ويتكلم بلهجة آمرة . يدخل خلفه بعض رجال يحملون الكاميرات .
الرجل : قف .. انهض .. من أنت ؟
الجندي ببلاهة : همم !! ماذا ? ؟ أنا .. أنا ..
الرجل : انهض .. انهض وقل لنا من أنت .
الجندي يتحرك بفزع ، يدخل الملجأ العسكري ويخرج حاملا بندقية قديمة وهو يصرخ بخوف : : انتم الأعداء .. توقفوا .. سأطلق النار .
الرجل مباغتاً : مهلاً مهلاً .. أنا النقيب يوشي قائد السرية الثانية ، قدم نفسك أيها الجندي .
الجندي بتردد : ماذا ؟ ألست من الأعداء ؟
الرجل : أخبرتك أنني قائد السرية .
الجندي : أنت ؟ أنت النقيب يوشي قائد السرية ! اذا كنت حقا قائد السرية فردد كلمة المرور
الرجل بدهشة : ماذا ؟ كلمة المرور! بعد ثلاثين سنة ؟
الجندي : ولو بعد ألف سنة .. إنها الأوامر .
الرجل وقد تمالك زمام نفسه : حسنا . حسنا .الشمس
الجندي : مشرقة ..
الرجل : دائما ..
الجندي : تقدم يا .. سيدي .
الرجل : من أنت أيها الجندي ؟
الجندي وهو يجلس على الأرض تاركاً بندقيته : أنا امادو .. امادو يا سيدي . لا أظن انك تتذكرني … لم اكن شخصا مهما يوما ما … لم اكن إلا .. الجندي امادو .
الرجل يتقدم بحذر وثبات ليقف أمام الجندي . يدفع البندقية بقدمه بعيدا . يتلفت ويتجول باحثا عن سلاح آخر, ثم يعود ليقف أمام الجندي ، ينظر إليه ثم ينحني ويمسكه بكلتا يديه ويجبره على الوقوف . يمسك بوجهه ثم ينظر في عينيه . يصرخ بفرح وهو يحتضن الجندي :
نعم .. لقد عرفتك . انه أنت .. أتذكرك الآن تماما أعتقد أنك . .. أنت امادو .
الجندي : لقد أخبرتك بذلك يا سيدي … أنا … أنا امادو .
الرجل : لا اصدق .. لا اصدق انك ما زلت حيا يا امادو .
الجندي : نعم سيدي .
الرجل : اترك هذه الكلمة .. أنت لا تعرف أبدا مدى سعادتي برؤيتك . لن تستطيع أن تدرك مدى سعادتي لبقائك حيا . البلاد كلها ستحتفل بنجاتك .
الجندي : أنا .. أنت سعيد لرؤيتي .. البلاد .. من سيحتفل بعودتي .
الرجل : الجميع سيحتفل بعودتك .. إننا نبحث عنك وعن آخرين منذ شهور.
الجندي : لماذا .. لماذا تبحثون عنا يا.. ياسيدي ؟
الرجل : كان لدينا شكوك في نجاة بعض رجالنا . وقد كانت شكوكنا في محلها . وها أنت ذا أمامي برهان على صحة فروضنا .
الجندي : لماذا ..؟ أية شكوك ؟؟ لا افهم عم تتحدث . لماذا جئتم ؟
الرجل : امادو .. أودّ ان أخبرك بأمر ما .. أريدك أن تعلم بان الحرب قد انتهت .
الجندي صارخا : ماذا . الحرب .. الحرب انتهت . لا اصدق هل تعني ما تقول يا سيدي
الحرب انتهت . انتهت الحرب وأنا ما أزال على قيد الحياة .. تحققت أمنية أمي .. أخيرا .. أخيرا توقفت تلك الحرب المجنونة .
الرجل بحرج : الحرب لم تنته الآن .. في الحقيقة لقد انتهت الحرب قبل .. ثلاثين سنة
الجندي ببلاهة : ماذا ؟ ماذا تقول يا سيدي .. لا افهم تماما .. أرجوك فسر لي عبارتك يبدو أن عقلي لم يعد يعمل جيدا .
الرجل : إنها مسالة محرجة فعلا . ولكن هذا ما حدث . انتهت الحرب بعد أن تركنا الجزيرة ببضعة أيام .
الجندي : أهذا معقول !! أنت تريد أن تخبرني الآن بان الحرب قد توقفت بعد أن غادرتم الجزيرة وتركتمونا هنا دون زورق .. هذا يعني أن الحرب انتهت منذ زمن بعيد جدا ..
منذ …..
الرجل بحزن : ثلاثين سنة ..
الجندي : ثلاثون سنة . ثلاثون سنة . وقت طويل . طويل جدا . كيف انتهت الحرب . هل انتصرنا . لا شك في هذا .. نعم لقد انتصرنا . لا شك أننا قد انتصرنا.
الرجل : النصر .. لا .. يؤسفني أن أخبرك بأننا قد .. خسرنا الحرب .
الجندي جاثيا على ركبتيه : مستحيل .. خسرنا الحرب .. لا . نحن لن نخسر أبدا .. يا الهي بعد كل ما بذلناه . بعد كل ذلك الجحيم .. اولئك الضحايا . تلك النيران .. بعد ثلاثين سنة من الانتظار . تأتي لتخبرني بكل بساطة أن الحرب قد انتهت . وأننا قد هزمنا يا ليتني مت قبل أن أسمع هذا الخبر .
الرجل : تماسك .. تماسك يا بني .. حدث هذا منذ زمن بعيد .. وانتهى ... ونسيناه .
الجندي : أتماسك ؟ أتريدني أن أتماسك ؟ كيف يتماسك جندي مهزوم ؟
الرجل : لم تعد جنديا مهزوما . لقد حدث هذا منذ زمن بعيد يا ولدي . حدث وانتهى . أطلقوا علينا أسلحة فتاكة . أسلحة جديدة . اضطررنا للاستسلام . فانتهت الحرب . ثم تغيرت الأمور بعد ذلك تغيرا كاملا . وقد بنينا لنفسنا عالما جديدا . عالما مدهشا .. عالما ... لن تعرفه .
الجندي : إذا كانت الحرب قد انتهت منذ ثلاثين سنة فما الذي ذكركم بي الآن ؟
الرجل : نحن لم ننساكم ابدا يا ولدي .
الجندي : ثلاثون سنة .. ثلاثون سنة ولم تنسونا.. ما أقوى ذاكرتكم .
الرجل : أبدا أبدا يا ولدي .. لم ننساكم أبدا . لكننا كنا نداوي جراحنا .
الجندي : تداوون جراحكم ؟ ثلاثون سنة لتداووا جراحكم ؟ وأنا ؟؟ أنا امادو . تركتموني جرحا مفتوحا . من سيداويني بعد ثلاثين عاما ؟
الرجل : لقد بحثنا عنكم وما زلنا نبحث . طائراتنا تلقي المنشورات في الغابات . رجالنا يجمعون المعلومات من المدنيين . لقد وضعنا مكبرات صوت في كل مكان لنطلب منكم العودة ..منذ شهور ونحن نفعل المستحيل للعثور عليكم .
الجندي ينفجر ضاحكا وهو يدور حول نفسه : طائرات .. طائرات تبحث عنا . وتلقي منشورات .. منشورات تافهة كهذه .. يخرج من جيبه قبضة أوراق ويرميها في الهواء . شهور . شهور طويلة . لقد أرهقناكم . يضحك ثانية .. لقد أرهقناكم في البحث عنا .. نحن الحمقى . نحن الذين لا نعرف أن الحرب قد انتهت . لا يكفي أن تنتهي الحرب أيها السيد . لا . بل على الجميع أن يعرفوا خبر انتهائها . وإلا فأن الحرب مستمرة ، مستمرة لثلاثين سنة أخرى . كم نحن حمقى . كم نحن حمقى . ثلاثون سنة من الحماقة . ثم تقومون انتم بإيجادنا بعد شهور من البحث . يا لوفائكم و يا لغبائنا.. اخبرني .. كيف عثرتم علي وسط هذه الغابة؟
الرجل وهو يشير بيده الى النار : هذه النار .
الجندي : هذه النار الصغيرة كانت سببا لإنقاذي من الضياع !!
الرجل : بالضبط .
الجندي : كيف لم أفكر بذلك من قبل ؟ كيف فاتتني هذه الفكرة العظيمة ؟ ربما لو كنت قد أشعلت النار قبل ثلاثين سنة لعدت معكم إلى هناك .. عدت معكم وعشت حياتي .. حياتي التي ضاع منها ثلاثون سنة . كل هذا الوقت وأنا أعيش وحيدا لأنني لم أشعل نارا صغيرة ترشدكم أليّ . يا لغبائي . كم أنت غبي يا امادو .
الرجل : لا بأس . تماسك . سيكون كل شئ بخير
الجندي : أتماسك ؟ وهذه النار – يدوس الشعلة بقدميه فتنطفئ – أتعني .. أتعني أنني لو كنت قد أطفأت هذه النار قبل نصف ساعة لما عثرتم عليّ
الرجل : ربما .. لحسن الحظ أنها بقيت مشتعلة .
الجندي : نار صغيرة .. صغيرة جدا .. أبصرتموها من بعيد . من بعيد . رأيتموها بوضوح أتعرف لماذا ؟
الرجل : لماذا ؟
الجندي : لأنكم أردتم أن تروها
الرجل : ماذا تقصد بالضبط ؟
الجندي : أيها الضابط . لم عدتم الآن بالذات ؟ لم أبصرتم الآن نارا أشعلتها منذ ثلاثين سنة ؟؟
لم تكن نارا صغيرة . لقد جمعت الأغصان والجذوع والأوراق . صنعت تلالا من الحطب ، أشعلتها ، أشعلت الأشجار التي كنت آكل ثمارها .. أحرقت الجزيرة كلها .. وكانت طائراتكم وزوارقكم تمر بي دون أن يفكر أحد منكم حتى بمجرد الالتفات إلى هذا المجنون الذي يشعل النار في كل شئ . لم يرني أحد وأنا احوّل الجزيرة إلى جحيم من حولي . كنت اصرخ وسط النيران كالمجنون . اصرخ اصرخ اصرخ وألوّح لكم ، لطائراتكم ، لزوارقكم وكنتم تمرون..تمرون بسرعة . سرعة شديدة . لم يكن لديكم وقت للالتفات إلى الخلف … وكنت دائما في الخلف . لا يلاحظني أحد إلا حينما اصبح في الخلف . وعندها يكون الوقت قد فات لإنقاذي . وها أنت الآن تخبرني أن بقايا نار صغيرة قد أرشدتكم إليّ الرجل : لم تجر الأمور هكذا .. اهدأ .. اهدأ قليلا يا امادو .
الجندي : اهدأ ! أنت تطلب مني أن اهدأ … حسنا .. ها أنا ذا هادئ ، هادئ تماما كما كنت قبل ثلاثين سنة وأنا انتظر الأوامر . أوامركم . ولكن اخبرني لماذا حدث كل ما حدث ؟ لماذا أخذتموني من المدرسة ؟ لماذا ألقيتم بي وسط الجحيم .. أعطيتموني بندقية لأقتل العدو ، ثم تركتموني وسط بحر مخيف من الوحدة والحزن … والان ها انتم قد عدتم لإنقاذي . إنقاذي من ماذا ؟ من الجحيم الذي القيتموني فيه ؟
الرجل : اهدأ .. اهدأ وتماسك يا امادو .
الجندي : أتماسك .. لقد تماسكت وتماسكت حدّ التحطم .. سأخبرك بسرّ صغير … كان يوما ما سرّا كبيرا .. ولكنه لم يعد يهمني الآن … لقد كنت خائفا … كنت خائفا حد الموت . منذ أن ارتديت تلك البدلة وأنا أغالب إحساسي بالخوف .. شعرت بالعار لأنني خائف ولكنني .. لكنني كنت خائفا .. أنا لم اخلق لهذا .. ألبستموني تلك البدلة ووضعتم البندقية في يدي وكان علي ان أطلق النار بدقة لأقتل الآخرين ، تدربت جيداً ... ومع هذا فقد كنت خائفاً .. كنت أحس بالعار من خوفي ، خوفي الشديد من ان اقتل أحدا ما أوأن يقتلني أحد ما .. ولكنني أحس الآن بأنني لم اكن جباناً أبدا .. لم اكن إلا مغفلاً كبيراً .. امادو مغفل . مغفل وحسب
الرجل : معك حق .. معك حق في كل ما تقول .. اهدأ فقط وستجري الأمور على ما يرام ، ستعود معنا الى الوطن .
الجندي : اهدأ !! بعد كل هذا الوقت . أعود إلى .. الوطن . أي وطن .. لقد عشت هنا اكثر بكثير مما عشت على ارض الوطن .
الرجل : ولكنه بعد كل شيء .. وطنك .
الجندي : وطني .. وطني ؟ ترى ما معنى هذه الكلمة بالضبط ؟؟ وهل يكفي ان يولد انسان في بقعة ما لتصبح وطنه ؟ أتظن أني سأعرف هذا الوطن الذي تتحدث عنه .. هل بقي شيء فيه على حاله ؟
الرجل : أمور كثيرة تبدلت .. ولكن ..
الجندي : ولكن ماذا .. كيف سأعيش هناك .. سأسير وسط شوارع لم أألفها لأنظر إلى بنايات لم أرها وهي تشيد .. ماذا بقي من الوطن .. مدرستي . مدرستي . هل مازالت موجودة ؟
الرجل : هه ؟ . نعم .. ربما كانت ما تزال موجودة .
الجندي : شهور قصيرة .. شهور قصيرة عملت فيها معلما منحتني كنزاً من الذكريات . ذكريات كثيرة ، قطع الطباشير ، السبورة . عيون التلاميذ الصغار . أسئلتهم الغريبة ، حماسهم الشديد لأشياء تافهة . دهشتهم وفرحهم وحزنهم . ذكاؤهم . غباؤهم . شيطنتهم . الأناشيد . القصص . ذكريات كنت انسجها وانسجها وأعيد نسجها إنني أتذكر أشياء كثيرة
جداً .. ربما أتذكر وبدقة شديدة أشياء لم تحدث أبدا .. وكلها تدور هناك .. في المدرسة حيث أحسست لأول مرة بكياني ، بأهميتي ، وبحبي الشديد لكوني معلماً .. ازرع في أذهان الأطفال أفكارا صغيرة , أراقبها وهي تنمو ، كمن يراقب نمو شجرة كرز وهي تتفتح ورقة ورقة ، غصناً فغصناً ، برعماً فبرعماً . بضعة شهور ثم كنت معكم . معكم وسط الجحيم .
الرجل : سينتهي كل هذا .. ستعود معناً يا آمادو ، وستنسى قسوة تلك الأيام .
الجندي : سأعود !! وسأنسى !! من قال لك أنى أريد ان أعود ؟ من قال لك أني أريد أن أنسى ؟ انتم تريدوننا ان ننسى ولكن .. هل من حقكم ذلك ؟ وهل سنكون بشراً لو نسينا كل ذلك الألم .. الموت .. الدمار .. اليأس . ننسى ؟ أنت .. هل تستطيع ان تنسى .. ها أنت ذا قد تذكرت بعد ثلاثين عاماً طويلة . تذكرت وعدت إلى هنا .
الرجل : لم ننساكم يا امادو .
الجندي : أنت .. أنت من تحدث عن النسيان .
الرجل : لم اقصد اننا نسيناكم .
الجندي ضاحكاً : تتذكرون فقط ما تريدون تذكره وفي الوقت الذي يناسبكم تماماً
الرجل : لم ننساكم .
الجندي : اخبرني إذن .. من كان معي على هذه الجزيرة .
الرجل : ماذا .. أتعنى انك .. نعم نعم .. لاشك انك لم تكن وحيداً .
الجندي : ارأيت ؟ انك تتذكر فقط ما تجده مناسباً ، لم تسألني عن البقية لأنك أدركت انهم لم يعودوا هنا .. وأنت لا تريد ان تعرف عنهم شيئاً لأن هذا قد .. قد يؤذيك .
الرجل : لم تكن وحدك .. بالطبع .. لم تكن وحيداً .. كنتم …
الجندي : ثلاثة ..كنا ثلاثة ومعنا ذلك الرشاش الثقيل الذي لم يستخدمه أحد .
وبعد انسحابكم بشهر أو اثنين .. كنا قد أدركنا تماماً أن شيئاً ما قد حدث وان الحرب قد توقفت بطريقة ما . لأن كل ما حولنا كان قد تغير تماماً . انتظرناكم . انتظرنا وانتظرنا وانتظرنا . وذات ليلة صرخ لو . كان شيء ما قد لدغه . مزقنا ساقه وعصرنا السم .. لكنه كان ينتفض بين أيدينا . خرج الزبد من شفتيه . تلوى وتلوى ثم اغمض عينيه قبل ان تطلع شمس ذلك النهار . وفي الصباح ، في الصباح أدركنا أننا وسط الجحيم . كان الربيع قد حل وكانت الشمس ترسل أشعة دافئة فامتلأت الجزيرة بأسراب العقارب .عقارب عقارب. حاولنا قتلها ، حاولنا تفاديها . حاولنا .. حاولنا .. حاولنا لكن هاتو صرخ ذات مساء أيضا . ما زلت اسمع صوته . مازلت اسمع صرخته .. وفي صباح اليوم التالي كنت وحدي على سطح الجزيرة .. أنا وقبرين لصديقين . حاولت أن أنجو بحياتي . تسلقت الأشجار وسكنت قممها . ملأني رعب قاتل من العقارب . وكنت انتظر .. انتظركم ، مبقياً النار مشتعلة لأيام ، لشهور ، لسنوات ربما .. حتى أدركت في لحظة ما ان العقارب ليست مؤذية إطلاقا .. لا .. إنها رسول رحمة من السماء .. لقد أرسلتها السماء لإنقاذنا بعد أن تخليتم عنّا .
الرجل : لم نتخل عنكم يوماً .
الجندي مكملاً حديثه : عندها . عندها فقط سكنت روحي .. عدت إلى ارض الجزيرة وبدأت أتحرك بشكل طبيعي . كنت انتظر لسعة الرحمة . سارت العقارب على ساقيّ ورقبتي وذراعيّ ، لكنها لم تلسعني . إنها حشرات غير مؤذية . إنها اقل أذى بكثير من رجل يحمل بندقية . إنها اقل أذى بكثير من شخص لا يلتفت للخلف لينظر إلى من تركهم وراءه . العقارب .. لقد تعايشت معي وتعايشتُ معها . لم اعد أخشاها . أصبحت اكثر شجاعة لأنني أصبحت اكثر يأساً . كنت أرجوها أن تقوم بواجبها ، لكنها لم تفعل .. لم تفعل .. أبقتني حياً لأحتمل كل هذا العذاب .
الرجل : لا تقل هذا يا امادو . ستعود . ستعود معنا إلى الوطن .
الجندي : لا .. لا أريد . كيف سأقابل أبى ؟ كان يريد أن يفخر بي . لعله كان يحلم بوسام يعلق على صدري .
الرجل : أخشى انك لن تلتقيه أبدا . يؤسفني أن أخبرك أن والدك قد مات .
الجندي : أبى ! لا . لا . كيف تعرف ذلك . هل عرفته ؟ لا انك واهم .
الرجل : امادو .. كان أبوك يزور مكتب المفقودين باستمرار. وكانت معه دائماً صورة لك . أستطيع أن أتذكر ذلك تماماً . ومنذ عشر سنوات انقطع عن المجيء ، وعلمت انه قد توفي .
الجندي : مستحيل .. ابي .. كيف يموت ويتركني وحيداً .
الرجل : عليك ان تتقبل ذلك ، تماسك ، تماسك وكن اكثر شجاعة . أمامك حياة جديدة عليك ان تحياها .
الجندي : حياة جديدة !! أية حياة ؟ لقد جئتم لتأخذونني من هنا وتضعوني في المتحف ليأتي الناس ويشاهدوا الأحمق الذي عاش ثلاثين سنة وهو يجهل ان الحرب قد انتهت . لن أعيش في متحف ليراني الناس . الناس . كيف سأعيش وسطهم ؟ كيف سأحتمل نظراتهم ؟ لم اعد أطيق الحياة معهم . إنني أخشاهم . أخشاهم فهم لا يعرفون سوى التدمير والقتل . أما هنا . هنا على هذه الجزيرة فأنا اشعر بالأمان .. أمان كامل . فهنا لا يوجد الا الـ … عقارب
لا .. لا أريد العودة معكم . لن أعود .
الرجل : اهدأ .. اهدأ يا ولدي . البلاد كلها تنتظرك . تنتظركم ، ستستقبل هناك كبطل قومي .
الجندي : بطل قومي ؟؟ لماذا ما الذي فعلته لأصبح بطلاً قومياً كيف يصبح الحمقى ابطالاً ؟
الرجل : لأنك كنت هنا . عشت حياتك كلها تدافع عنّا .
الجندي : لماذا إذن تركتموني كل هذا الوقت ؟ لماذا ؟ لماذا ؟
الرجل منزعجاً : نحن ندور في حلقة مفرغة ماذا تريد الآن ؟ لقد حدث ما حدث وعلينا ان نحاول إصلاح الأمر .
الجندي : إصلاح الأمر!! من سيصلح ماذا ؟ ثلاثون سنة وأنا أعيش وحيداً . احدث النجوم والأمواج ، آكل العشب والجذور ولحاء الشجر ، ثلاثون سنة وأنا انتظر . انتظر . انتظر . حتى نسيت ما كنت انتظره .
الرجل : حان إذن وقت العودة .
الجندي : لا . لن أغادر الجزيرة . لن اسكن في متحف .
الرجل وهو يغادر المسرح : الأمر متروك لك .
الجندي صارخاً : انتظروا . انتظر قليلاً . لا لا .. لم اعد احتمل البقاء هنا . أنا اضعف من ان اتخذ قراراً كهذا . ليتني أستطيع البقاء . ليتني كنت شجاعاً بما يكفي لأن أتجنب النظر الى وجوهكم .. ولكنني .. لكنني ضعيف لا .. لا أستطيع البقاء . سآتي . سآتي معكم وأعلم أنني سأسكن المتحف . سآتي معكم وأنا اعلم أنني سأشتاق كثيراً لهذه الجزيرة . جزيرتي .. لن أنام ثانية في العراء . لن اكلم النجوم . سآتي معكم وأعلم أنني سأسكن في متحف . أيها الصحفيون . أيها المصورون . صوروا كل شيء .صوروا الأشجار . الساحل . الملجأ . العقارب . صوروا العقارب . أريد ان أغطى جدران غرفتي بهذه الصور . كم سأشتاق إليك أيتها الجزيرة . كيف سأفارق عقاربي . كيف سأسكن في متحف .. متحف ؟؟ نعم سأسكن في متحف ولكن .. ولكنني لن أكون تمثالاً اخرسا . سأعيش هناك .. وسأروي للجميع ما حدث . سأروي لهم الحقيقة . الحقيقة . ولن أترككم تخدعونهم ثانية .
ستار
الفصل الثاني
الستارة مغلفة :
يدخل الممثل من شمال المسرح مرتدياً الملابس اليابانية التقليدية يقف وسط الخشبة . يحدق في الجمهور طويلاً ثم يقول بصوت رتيب وبكلمات قصيرة :
امادو . امادو . امادو جندي ياباني . بقي وحيداً مدة ثلاثين عاماً كاملة فوق سطح جزيرة صغيرة .. ترى لماذا بقي امادو وحيداً .. قد تكون هذه قصته .
يفتح الستار ليبدأ الفصل الثاني
أصوات أقدام وهمهمات .. الأصوات تقترب من جانب المسرح .. المسرح شبه مظلم يسلط الضوء على جانبه حينما يدخل رجل مسن منتصب القامة يرتدي بدلة بيضاء أنيقة .. يدخل ووراءه بضعة أشخاص يرتدون ملابس صيفية ملونة ويحملون آلات تصوير .. يدورون في المكان ثم تسلط حزمة ضوء على وسط المسرح لتكشف عن وجود شخص يقف على تلة صغيرة .. ظهره يواجه الجمهور ويداه مبسوطتان إلى جانبيه وكفاه مفتوحتان ومتجهتان إلى الأعلى .. يقترب الجميع من الرجل الذي يرتدي ملابس راهب مصنوعة من بقايا بدلات عسكرية .. وقد تمنطق بحبل . يبدأ الرجل بقراءة صلاته بصوت عميق :
قسماً لن أنسى ، لن أنسى ، وسأتذكر كل لحظة ما حدث ..
سأتذكر.. كلما ألقت الشمس شعاعاً على هذا العالم
سأتذكر .. كلما ضربت موجة رمل الشاطئ .
سأتذكر.. كلما حركت نسمة غصناً .
سأتذكر.. كلما رفرف طائر بجناحيه .
قسماً.. سأتذكر ولن أنسى ..
سأتذكر .. كلما لف الظلام هذا الكون .
سأتذكر كلما .. ..
الكهل يقترب كثيراً من الرجل ويخاطبه :
أيها الراهب المبجل .. إننا نبحث هنا عن آثار بعض الجنود .
يلتفت الراهب منزعجاً فتتضح ملامح وجهه بلحية ضخمة وشعر طويل مربوط للخلف ينزل من فوق التلة الصغيرة ويواجه الرجل قائلاً بعد صمت قصير : انتم ؟ ..أي جنود ؟
الرجل : لدينا معلومات عن احتمال وجود بعض جنودنا في بعض هذه الجزر .. هل بإمكانك مساعدتنا .
الراهب لايجيب
الرجل : إنها مسألة مهمة جداً بالنسبة لنا .. انهم أبناؤنا .
يقترب الرجل كثيراً من الراهب .. يدور حوله .. الراهب يدور ببرود ويبقى مواجهاً الرجل . الرجل بنبرة غريبة ، كأنني أعرفك ! كأنني قد رأيت هذا الوجه .
الراهب : أنا لا أريد أن اعرف أحدا .
الرجل : ذاكرتي .. أنا لا أنسى وجهاً قط .. أنت .. أنت امادو .
الراهب صارخاً : دعوني وحيداً .
الرجل بفرح : صوتك . نعم أنا متأكد الآن .. أنت امادو
الراهب بغضب : من الأفضل لكم أن تغادروا الجزيرة حالاً ... دعوني وحيداً .
الرجل : أنت امادو .. آمر حضيرة الاستطلاع .. كنت رجلاً مميزاً . كنت جندياً باسلاً .. منضبطاً .. وصارماً حتى مع نفسك . لقد كنت .. لقد كنت نموذجا للعسكري المحترف .
الراهب وهو يغطي وجهه : كنت عسكرياً حقاً .. تلك هي المصيبة .. ليتني لم اكن ذلك النموذج.
الرجل : لا تعرف كم أنا سعيد الآن .
الراهب : وأنت.. أنت لا تعرف كم انا حزين الان .. لماذا جئتم ؟
الرجل : لم جئنا ! جئنا من أجلكم طبعا .
الراهب : من اجل من بالضبط ..
الرجل : من أجلكم انتم .. جنودنا .. أبناؤنا .
الجندي يضحك بشكل هستيري حتى تدمع عيناه : انتم .. أنتم تأتون من أجلنا .. من أجلنا نحن ؟
-يضحك ثانية -ولكن قل لي هل انتهت الحرب أخيرا . أراك ترتدي ثيابا مدنية أيها الضابط ؟
الرجل : الحرب .. اه طبعا .. لقد حدث ذلك منذ زمن بعيد .
الراهب ، إذن .. فهل سيسمح لنا بمغادرة مواقعنا الآن .
الرجل : مواقعكم ؟؟ .. طبعا طبعا يا امادو . كان عليك ان تفعل ذلك منذ وقت بعيد
الراهب: دون أوامر ؟ كيف اترك موقعي قبل ان يصدر لي الأمر بذلك ! هل نسيت أيها الضابط ان الانسحاب دون أمر خيانة ؟ خيانة عظمى عقوبتها .. أتذكر عقوبة تلك الجريمة أيها الضابط ؟
الرجل مندهشا : عقوبتها .. الإعدام طبعا . الإعدام رميا بالرصاص .
الراهب : وتريدني أن اترك مكاني هذا .. دون أوامر ؟ مستحيل .
الرجل : ولكن .. ولكن الحرب انتهت منذ ثلاثة عقود ؟
الراهب : الحرب انتهت منذ ثلاثة عقود !! اهذا معقول ؟! للأسف الشديد لم يخبرني أحد بذلك لم يصدر لي أحد أمرا بالانسحاب .
الرجل : أنا أخبرك الآن بأن الحرب قد انتهت .
الراهب : وتأمرني الآن بالانسحاب .
الرجل : نعم
الراهب : أوامرك متأخرة يا سيدي .. متأخرة جدا .
الرجل : امادو .. امادو .. أيها الجندي الباسل .. عليك ان تتفهم ما حدث .
الراهب : هذا ما يتوجب عليك أنت فعله .
الرجل : أنت لا تعلم تماما ما الذي جرى لنا .
الراهب : لم يعد الأمر يعنيني ابدا .
الرجل : لقد ضربونا بأسلحة فتاكة . أسلحة مهلكة
الراهب : انتم تستحقون اكثر من هذا .
الرجل : كلامك غريب محيّر ..
الراهب : أيوجد شئ حولنا لا يثير الحيرة ؟
الرجل : أيها الجندي .. الحرب انتهت منذ ثلاثين سنة .. ثلاثون عاما وأنت تجلس هنا وحيدا على هذه الجزيرة .. وقد آن أوان العودة
الراهب : العودة !! العودة إلى أين ؟
الرجل : إلى الوطن طبعا .
الراهب : وهؤلاء …
يفتح ثوبه فتتدلى من رقبته مجموعة من أقراص الهوية المعدنية التي يرتديها الجنود في رقابهم : وهؤلاء .. يوشي.. لو .. هاتو ..
الرجل : لم تكن وحدك هنا .. فعلا … آه .. ما الذي جرى لهم .. لا شك انهم قد ..
الراهب : لقد ماتوا .
الرجل : لقد ماتوا أبطالا.
الراهب صارخا : لا .. انهم أموات . أموات وحسب .
الرجل : انهم شهداء .. أبطال دافعوا عن أرضهم
الراهب بغضب : لا .
الرجل يقترب ويربّت على كتف امادو : اهدأ يا ولدي .
الراهب يجفل ويضرب يد الضابط : ابتعد .. ارفع يدك عني .
الرجل : اهدأ .
الراهب : لماذا ؟
الرجل : سيكون كل شئ على ما يرام .
الراهب : كيف يكون كل شئ على ما يرام ! كيف ؟ وهؤلاء ؟
الرجل : لقد ماتوا ..
الراهب : لا . لا انهم لم يموتوا ..
الرجل : ماذا تقصد .
الراهب : هل أنت متأكد من أنك تريد أن تعرف ؟
الرجل : طبعا .
الراهب : لماذا ؟ هل ستستطيع أن تغير شيئا؟
الرجل : تكلم . تكلم يا امادو . أخبرني بما حدث .
الراهب بصوت حزين : كان يوما ممطرا .. وكان الهدوء قد خيم في كل مكان منذ زمن . اجتمعوا وقرروا الانسحاب ، ورفضت ذلك .. حاولوا إقناعي بأن كل شئ قد انتهى .. وأننا يجب أن نغادر .. نركب زورقنا ونجذّف عائدين . لكنني رفضت . رفضت وهددتهم . انتظروا يوما . ويوما آخر .. ثم هدأ المطر ذات صباح . أشرقت الشمس لكن الأشجار كانت مبللة بالمياه . غردت الطيور ورفرفت الفراشات بأجنحتها الرقيقة . كانت الجزيرة كلها تضحك للحياة .. قرروا المغادرة وطلبوا مني مرافقتهم . لكنني .. لكنني رفضت طبعا .. وهددتهم بالإعدام .. القوا بنادقهم أمامي وامسك أحدهم بيد الآخر. أولوني ظهورهم ثم ساروا متشابكي الأيدي فوق العشب المبلل .. ساروا بهدوء شديد باتجاه الزورق.. لم اسمع وقع خطواتهم .. ساروا .. صرخت بهم قفوا .. لكنهم ساروا .. قفوا . قفوا .. صرخت بأعلى صوتي .. التفت اليّ يوشي مبتسما .. ابتسم حتى ظهر واضحا لي سنه الأمامي المكسور .. ابتسم ابتسامته الطفولية الخبيثة .. كان يظن أنني احبه .. وقد كنت احبه فعلا . احبه وأرعاه
ما زلت اذكر أمه الريفية التي جاءت معه حتى محطة القطار .. لقد أوصتني به وهي تبكي كان ابنها الوحيد . التفت اليّ وابتسم … وكنت قد وضعت البندقية على كتفي . سددت جيدا وكانوا مستمرين بالسير .. حبست أنفاسي .ضغطت بإصبعي على الزناد . أطلقت الرصاصة الأولى التي اخترقت صدغ يوشي فسقط على جنبه . وبعد ثوان قليلة كانت رصاصتي الثانية قد أصابت مؤخرة راس هاتو وسقط منكبا على وجهه . أما لو فقد ركض مبتعدا .. ركض مسافة طويلة .. لم استطع التسديد عليه مباشرة .. فقد كنت أكفكف دموعي .. نهضت وأسندت بندقيتي إلى جذع الشجرة . سددت طويلا .. ورغم الدموع .. رغم دموعي أصابته رصاصتي الثالثة فنسفت مؤخرة رأسه . لم يكن يستطيع الجري أسرع أو ابعد من مدى بندقيتي .. وليته فعل .. ليته فعل .. الراهب يجثوا على ركبتيه منتحبا .
الرجل يقترب منه بحذر : هل ؟ هل يعني ذلك انك قتلتهم ؟
الراهب : وماذا كان ينبغي على أن افعل ؟
اخبرني أنت ؟ أليسوا مذنبين ؟
ألم يتركوا ارض المعركة دون أوامر ؟ كيف نتصرف في موقف كهذا .
الرجل : امادو .. امادو .. كان عليك ان تكون …
الراهب : أن أكون ماذا ؟ لقد قلت لي قبل قليل أنني كنت عسكريا بحق . هذا ما تعلمته منك .. اجل لقد كنت عسكريا محترفا .
الرجل : ولكن ..
الراهب : ولكن ماذا ؟ لقد أديت واجبي على اكمل وجه . نفذت الأوامر بحذافيرها . قتلتهم .. –يبكي - نعم قتلتهم .. بيدي هاتين أمسكت البندقية .. على كتفي هذا وضعت اخمصها بإصبعي هذا ضغطت الزناد ، أطلقت النار على رؤوسهم مباشرة . مباشرة .. أتعرفون لماذا ؟ - جاثيا – أطلقت على رؤوسهم لأنني كنت احبهم .. نعم أحبهم . اخترت لهم اقصر طريق للموت وحرصت على ذلك .. لم اكن أريدهم أن يتألموا . نعم قتلتهم … احبهم . رفاقي
الرجل يقترب محاولا تهدئة امادو فيضرب يده ثانية .
الراهب : وبعد أيام . وبعد شهور . ربما بعد سنوات . أدركت ذات لحظة انهم كانوا على حقّ .. وأنني كنت مغفلا .. أهدرت حياة رفاقي دون ثمن .. دون مقابل .. أهدرت حياة رفاقي لأنني كنت اقدس نصوصكم الدنسة .
الرجل : اهدأ . إهدأ.. حدث هذا منذ زمن طويل .. منذ عقود .
الراهب : حدث هذا بسببكم . بسببك أنت .. لماذا تركتنا هنا وحدنا وهربت بجلدك .. لم تركتمونا أيها المجرمين .
الرجل : لم يكن هناك وقت .. كان ظرفا عصيبا للغاية . وعليك الان أن تنسى تلك الأيام وتعود معنا .. ستعود .. ستعود معنا وسنستقبلك كبطل قومي .
الراهب ضاحكا بمرارة : أنا ، أنا بطل قومي !! ما الذي فعلته لاستحق هذا اللقب ؟ وهؤلاء – يشير بيديه إلى اقراص الهوية – هل هم مجرمون .. جبناء … أم انهم مثلي أبطال قوميون هل أنا بطل حقا أم مجرم .. أم لعلني مجرد أحمق … هل ستحاكمونني لأنني نفذت أوامركم .. أم ستعلقون وساما في رقبتي لأنني قتلت أبناءكم ؟
الرجل : كان عليك ان تنسى . لماذا أخبرتنا بتلك القصة .
الراهب : لأنها حدثت .. لانهم قتلوا .. قتلوا ولا أريد أن يضيع دمهم .
الرجل : حدث هذا منذ عقود .. وانتهى . تعال معنا وسيكون كل شئ على ما يرام – يقترب هو وبعض الصحفيين – الراهب يتحرك برشاقة شديدة . . يمسك رمانتين كبيرتين ويزيل عنهما مسامير الأمان بسرعة - يفتح ذراعيه صارخا .
الراهب : ابتعدوا .. ابتعدوا أيها الحمقى .. ابتعدوا أيها المخنثون .. ماذا تريدون مني ؟؟ أتبحثون عن قصة جديدة … كذبة أو فضيحة جديدة تبيعونها لمجلاتكم لماذا دنستم جزيرتنا ؟
الرجل : أهدأ .. اهدأ والق هذه القنابل بعيدا .
الراهب : إذا اقتربت خطوة أخرى فسأفجركم جميعا وافجر نفسي . أنا اعني ما أقول .. وأنت.. أنت تعرف ذلك . ولن تكونوا أول ضحاياي
يبتعد الجميع إلى أطراف المسرح .
الراهب : أيها الحمقى .. ماذا ستقولون عني ؟ ماذا ستكتبون عن امادو ؟ هل أنا مجرم ؟؟ أم بطل حرب ؟؟ أم مجرد أحمق عاثر الحظ ؟ لماذا جئتم ؟ لماذا ؟ لماذا ؟
الرجل : عليك ان تعود معنا إلى وطنك ..
الراهب : وطني .. وطن تخلى عني ليس وطني . بلاد باعت دم أبنائها ليست بلادي . ارض تنبت القتلة وتكرّمهم ليست ارضي . وأنت .. أنت بالذات .. ابتعد عني .. كم كنت أودّ قتلك . أنت يا من تصدر الأوامر حينا وتنسى ذلك أحيانا .. تنسى لثلاثين سنه .. يااااه
الرجل : عد معنا وانس الأمر .
الراهب : ودم هاتو .. ولو .. ويوشي .. أمه المسكينة التي أوصتني به وهي تودّعنا .
لا شك أنها قد قضت شتاءات طويلة على رصيف المحطة وهي تمعن النظر في نوافذ القطارات المسرعة بحثا عن وجه ولدها .. وابتسامته البريئة البلهاء ، وسنه الأمامية المكسورة . كيف سأنظر في عينيها .. كيف .. كيف ؟
الرجل : عد معنا وس ..
الراهب : وهؤلاء .. هل سيبقون هنا وحدهم .. أم أنكم ستعكرون هدوءهم وتبعثرون ما تبقى من عظامهم ؟؟ اتركونا في سلام . لا نريد عالمكم الحقير .. اتركوني معهم فقد .. قد يسامحونني . دعوني هنا .. دعوني معهم .. أيها الصحفيون اكذبوا من اجلي .. اعرف أنكم تكذبون دائما من اجل رجال السياسة والأثرياء .. أرجوكم .. أرجوكم .. اكذبوا مرّة واحدة من اجل محارب لا يملك شيئا .. محارب لا يملك إلا روحا تثقلها الخطايا . اكذبوا من اجل مقاتل أحمق .. اكذبوا وقولوا إننا لم نجد أحدا أو شيئا على هذه الجزيرة . أيها الضابط تأكد بأنني سأقتل كل من تطأ قدماه أرضنا . أيها الصحفيون اتعدوني بأن تكذبوا من اجلي . اكذبوا وسيصدقوكم .. ثم سينسون الأمر كله بسرعة . أليس هذا ما يحدث دائما ؟ أو.. أو قولوا لهم إنكم لم تعثروا إلا على هذا – يضرب بقدمه حذاءا عسكريا قديما فيتقافز الصحفيون خوفا – أيها المخنثون … أرجوكم . أرجوكم .. انسوني .. انسوا جزيرتنا .انسوا حكايتنا وابحثوا عن كذبة أخرى في مكان آخر . أيها الضابط .. سيدي الضابط ..لأجل من ماتوا ببطولة وشرف .. لأجل من ماتوا بحماقة .. لاجل من اعدموا رميا بالرصاص أو أطاحت برؤوسهم شظايا القنابل لاجل كل الحمقى الذين خاضوا الحروب .. أرجوك .. أرجوك .. ابتعد عن جزيرتنا ..ابتعدوا جميعا وإلا – يلوح بالقنبلتين فيتراكض الصحفيون ثانية – يشير بيده للضابط :
هذه قبورهم وهذا قبري . سأدفن معهم . أهذا كثير عليّ ؟؟ كنا نأكل طعاما واحدا .. ونسكن خندقا واحدا .. وننتظر أن نموت بقذيفة واحدة . والان .. الآن أريد أن ادفن معهم في قبر واحد .. هذا أقصى ما أتمناه . ليس من الشرف أن أتخلى عن الرفاق .. أليس هذا هو الشرف ! ولكن .. ولكن .. أتظنون أن الأرض ستقبل أن تضم جسدي قرب أجسادهم ؟ القاتل قرب ضحاياه ؟ هل يجمعنا قبر واحد ؟؟ دعوني هنا كي أتذكرهم في كل لحظة . دعوني .. دعوني فقد يطهّر العذاب روحي المثقلة بالخطايا . ربما حصلت على الطمأنينة .. قد أستطيع ان ارتاح .. ابتعدوا .. ابتعدوا جميعا .فربما . ربما..
يسير محني الرأس ويصعد التلة الصغيرة حيث القبر المفتوح .. يفتح ذراعيه وهو ممسك بالقنبلتين تخفت الأنوار ويبدأ الإنشاد .
قسما لن أنسى وسأتذكر دائما .
سأتذكر.. كلما ألقت الشمس شعاعا على هذا العالم ..
سأتذكر .. كلما ضربت موجة رمل الشاطئ .
قسما سأتذكر كلما حركت نسمة غصنا .
سأتذكر.. كلما رفرف طائر بجناحيه ..
قسما سأتذكر .. سأتذكر ولن أنسى .
سأتذكر.. كلما جن الليل .
سأتذكر.. كلما لف الظلام الكون .
سأتذكر .. كلما لمعت نجمة في السماء .
قسما سأتذكر. سأتذكر ولن أنسى ..
قسما لن أنسى ..
لن أنسى
ستار
الفصل الثالث
الستارة مغلفة :
يدخل الممثل من شمال المسرح مرتدياً الملابس اليابانية التقليدية وهو يمسك قناعه الخشبي . يقف وسط الخشبة . يحدق في الجمهور طويلاً ثم يقول بصوت رتيب وبكلمات قصيرة :امادو . امادو . امادو جندي ياباني . بقي وحيداً مدة ثلاثين عاماً كاملة فوق سطح جزيرة صغيرة .
هل تعلمون لماذا بقي امادو وحيداً ؟ أنا شخصيا لا أملك تفسيرا مقنعا ولكن ..ربما كانت هذه قصته .
ينسحب الممثل ويفتح الستار عن جزيرة استوائية مليئة بالأعشاب والأشجار . في وسط المسرح .. والى الخلف تل مستطيل صغير تغطيه الزهور . ولا يوجد ما يدل على ان المكان كان موقعا عسكريا إلا خندق صغير في منتصف شمال المسرح . جندي يجلس في الخندق يتلفت يمينا وشمالا . أصوات تقترب من يمين المسرح . الأصوات : هنا .. نعم لقد أكدّ لنا الكثيرون أن هناك أحد ما في هذه الجزيرة . فتشوا جيدا .. فتشوا جيدا . انتظروا قليلا . ربما وجدت شيئا ما .. يدخل المسرح كهل منتصب القامة مرتديا بدلة بيضاء وهو يردد هذا الجملة يتقدم بهدوء وهو يتلفت . تقع عيناه على الجندي . يسير نحوه بحذر وثبات . الجندي ينهض واقفا ، فتظهر ملابسه العسكرية كاملة ، ذقنه حليق وقيافته العسكرية مهندمة . يمسك بيمناه بندقية طويلة . وقد ركبت عليها الحربة . يبقي البندقية مسندة إلى يمينه .
الجندي وهو بوضع الاستعداد : أنا الرقيب امادو .. تقدم سيدي ..
يدخل إلى المسرح عدة أشخاص بعضهم يحمل كاميرات ويقفون بحذر خلف الرجل .. الرجل يتوقف للحظات .. يتطلع طويلا إلى الجندي : أنت ال .. ماذا ؟! هل تعرفني !!
امادو : طبعا .. أنت النقيب يوشي آمر السرية . هل هناك أوامر جديدة ؟
الرجل باستغراب : أوامر جديدة ؟ دعني انظر إليك جيدا .. أنت .. أنت.. .
امادو: أنا الرقيب امادو . لقد أخبرتك بذلك يا سيدي . هل نسيتني يا سيدي .
الضابط : دع عنك هذه الكلمة .
امادو : نعم سيدي . هل هناك أوامر جديدة . هل بدأ الأعداء تقدمهم ثانية .
الضابط : أعداء !! أي أعداء !!
امادو : أي أعداء ؟؟ الأعداء الذين جئنا هنا لمحاربتهم .
الضابط : الأعداء ؟! آه .. الأعداء . هناك شئ ما يا ولدي .. أريد أن أخبرك ..
امادو بحزم : لا
الضابط : دعني اكمل كلامي .
امادو : لا . لن أستمع للحكايات .أنا هنا بانتظار أوامرك ببدء الهجوم . ما زلت واقفا هنا بانتظار الأعداء .
الضابط : لكن الحرب انتهت .
امادو بحزم : لا .
الضابط : عليك ان تصدق ذلك . الحرب انتهت . انتهت .
امادو صارخا : لا . الحرب لم تنته . ونحن لن نخسر ابدا .. ستستمر المعارك .
سيأتي الأعداء إلى هنا . وسأقاومهم . سأقاتلهم . وسأقتلهم جميعا . وسننتصر . سننتصر . سننتصر . الجندي جاثيا على ركبتيه . يقترب منه الضابط ويمسك كتفيه : اهدأ .. اهدأ . ودعني أوضح لك .
امادو : دعني أوضح لك أنا .. أنت لم تكن موجودا وقتها .
الضابط : كنت مصابا وقد نقلوني إلى …
امادو : اعرف اعرف . لم تكن معنا وقتها . كل من كان موجودا هنا وقتها قد مات . ولم يبقى إلا أنا .. أنا امادو .. وليتني كنت قد متّ معهم .
الضابط : اهدأ .. اهدأ .
امادو : ظننا ان الأمور ستهدأ .. أعلن بلدنا الاستسلام .. شعرنا بحزن كبير ، لكننا القينا السلاح وكنا بانتظار الأوامر .. أوامركم ، لكن طائراتهم فاجأتنا بجحيم ينهمر علينا من السماء .. آلاف القنابل أسقطت فوق رؤوسنا ونحن نلوح بالأعلام البيضاء . احترقت زوارقنا .. احترقت اعتدتنا . تناثرت أشلاؤنا في كل مكان . غطت دماؤنا ارض هذه الجزيرة . لم يكن لدينا ما نفعله .. لم يكن بمقدورنا المقاومة . لا أسلحة .. لا اعتدة.. لا أوامر . لم يكن أمامنا إلا أن … نتمزق وكانت الحرب قد انتهت .. أما القصف .. أما القصف فأستمر حتى أوشكنا ان نهلك جميعا .. وبعد مدة .. توقف الجحيم الذي كانت تسكبه علينا السماء .. بدأ بعض الناجين بتضميد جراحهم . ثم بدأنا بحفر قبر جماعي لدفن الموتى . كانت السماء صافية ولم يكن هناك طائرات . إلا ان الجحيم فتح أبوابه ثانية . لا ادري من أين انصبت على رؤوسنا نيران المدافع . كنا نصرخ ..كنا نصرخ ونتراكض هنا وهناك دون جدوى .. كانت المدافع تدك كل شبر على ارض هذه الجزيرة . ثم .. ثم توقفت المدافع ولم يكن قد بقي منا على قيد الحياة إلا ثلاثة . حاولنا دفن الموتى . إلا أن زوارقهم اقتربت وترجل منها جنود مدججون بالأسلحة وبدأوا بتمشيط الجزيرة . أطلقوا النار على كل شئ .. كل شئ حتى الجثث المقطعة الأوصال . لم نلوح بالأعلام البيضاء هذه المرة . كنا نحاول الاختباء .. ولكن النيران أصابتنا جميعا . سقطت مضرجا بدمي وقد اخترقتني رصاصة قريبة . ظنوا أنني قد مت . وظننت ذلك أيضا . لكنني استيقظت بعد وقت لا اعلمه لاجد نفسي وسط كومة من الأشلاء أشلاء رفاقي الذين تحولوا إلى أشلاء متفسخة . كان الدم يغطيني .. وكنت عاجزا عن تحريك ذراعي . ومع هذا فقد اختبأت . اختبأت وأقسمت ان انتقم لكل هؤلاء .. ثلاثون رجلا قتلوا بعد أن أعلن المذياع أن الحرب قد انتهت . ثلاثون رجلا قتلوا وهم يلوحون بالأعلام البيضاء . ثلاثون رجلا مزقت جثثهم وهم موتى .. أقسمت على ألا تذهب دماؤهم هدرا . أقسمت على أن انتقم . أنتقم لهم ولذراعي المشلولة هذه ..
المصورون يقتربون ويلتقطون الصور للجندي .
امادو : لم يصور أحد تلك المأساة .. وقد اندثر كل شيء الآن .. نمى العشب . وغطت الزهور قبورهم .. ثم . ثم اختفى كل شيء . تريدون صوراً وقصة ؟ انتظروا قليلاً وستحصلون على ما جئتم من اجله .
الضابط : وبقيت هنا كل هذا الوقت .
امادو : كنت وحيداً .. وحيداً حد اللعنة . بدأت اجمع ما تبقى من عتاد ، بدأت اعدّ الكمائن . سيأتون يوماً ما ، وسيكون ذلك اليوم آخر أيامهم . ملأت الجزيرة بالفخاخ .. جهزت بندقيتي وجلست انتظر . انتظر ساعة الانتقام الرهيب .
الضابط يقترب من الخندق ، يدور في المكان باحثاً عن شيء ما . يختفي خلف بعض الشجيرات يأتي صوته من الخلف : هناك شيء غريب . ما هذا ، يظهر الرجل وهو يحمل بضعة أشياء.
الضابط : ما هذا .؟ علب طعام محفوظ .. مذياع حديث ، صحف جديدة .. صندوق .ما هذا ؟ أنت تخدعنا أيها الرجل ، هل أنت حقاً ممن ..
امادو بغضب : انتظر قليلاً .. لقد انتظرت أنا ثلاثين سنة . ولأجل هذه السنوات كلها ، أنا استحقّ منكم لحظة انتظار .. واستحقّ منكم ان تستمعوا اليّ حتى انهي كلماتي كلها . اعلم أنيّ أستحق ذلك .
الضابط : أنت لم تمكث على هذه الجزيرة طيلة الوقت وإلا .. وإلا كيف حصلت على
هذه الـ ..
امادو بضيق : بقيت هنا وحيداً انتظر الأعداء شهرا واثنين وثلاثة وخمسة أعوام ربما . لا اعرف كم بقيت هنا وحدي ، انتظر لحظة الانتقام التي خططت لها . حتى أدركت في لحظة ما أن هذه اللحظة لن تأتي أبدا ما دمت على سطح هذه الجزيرة اللعينة .. عندها .. عندها أصلحت أحد الزوارق ، وتسللت الى الشاطئ القريب ، حصلت على ملابس مدنية .. وهذا الصندوق اللعين –يحمل بيده صندوقاًُ صغيراً من صناديق صباغي الأحذية- هذا الصندوق .. لقد كنت جندياً جيداً .. والجندي الجيد يعرف كيف يطلق النار .. وكيف يلمع حذاءه أيضا .
الضابط : لحظة ، أتعنى انك عملت صباغاً لـ ..
امادو : لأحذيتهم .. وبيد واحدة .. كنت ألمع أحذيتهم دون أن أتكلم .. كانوا يرتدون ملابس السياح الملونة هذه المرة ، وكثيراً ما نظرت إلى عيونهم الزرقاء وضحكت في داخلي .. كنت اعد لهم انتقاماً بشعاً . لابد أن يدفعوا الثمن .. انتهت جولة بانتصارهم لكن الحرب لم تنته .. والجولة الثانية ستكون لي .. لنا .. سنقاتلهم ، وسنقتلهم ، وسننتصر . وكنت آتي بين فترة وأخرى إلى جزيرتي هذه . ارتدي ملابسي وامسك بندقيتي واجلس أمام هذا القبر . أتحدث لأصحابي عن ساعة الانتقام . يدور حول القبر : الانتقام . الانتقام .
الضابط وهو يحاول ان يهدئ الجندي : الحرب انتهت منذ زمن بعيد ، عليك أن تصدق ذلك وتستوعبه تماماً .
امادو : الانتقام .
الضابط : عليك ان تتعايش مع الواقع الجديد . الحرب انتهت ، والانتقام لن يجدي شيئاً .
امادو : لا .. إنني انتظر الحرب . الدم . الموت . النار . إنني انتظر الحرب وكلكم تنتظروها معي .
الضابط : لا .. عليك ان تنسى كل تلك الأفكار .
امادو : أنسى .. وهؤلاء .. يشير الى القبر .. وهذه الذراع المشلولة .
الضابط : لا جدوى من الانتقام .. عليك ان تفكر بطريقة أخرى يا ولدي .
امادو ينظر قليلاً في عيني الرجل ثم ينفجر ضاحكاً ضحكة طويلة وهو يدور حول الرجل مشيراً إليه بإصبعه . يسكت ..يحاولً الكلام .. لكنه يعود للضحك الهستيري وهو يشير بإصبعه الى الضابط قائلاً .. أنت ؟ أنت من يقول هذه الكلمات ؟ أنت .. أنت .. الآن !!
الضابط : طبعاً ، طبعاً يا امادو .
امادو بغضب : وأهدافنا ؟؟ أهدافنا ؟؟ تلك الأهداف التي قاتلنا من اجلها . تلك الكلمات الكبيرة التي ملأتم بها رؤوسنا . أنت .. أنت بالذات كنت تتكلم عن الوطن بطريقة تثير القشعريرة في أجسادنا . لقد ، لقد أقنعتنا أننا يجب أن نكره الأعداء .. ان نحقد عليهم ، وان نقتلهم لننتصر . ألم تخبرنا بذلك ؟
الضابط : أنا ؟؟!! ربما كانت الأمور مختلفة وقتها ولكن .
امادو : ولكن ماذا . أتعرف ، قبل الحرب كنت فلاّحاً بسيطاً . مجرد فلاح عادي ، لكنني كنت بمنتهى السعادة ، كنت احمل فأسي وازرع الأرض وانتظر يوماً بعد يوم . كنت انتظر ان تكبر النباتات التي أرعاها ، كنت احب الحقل . احب الأشجار ، احب حيوانات المزرعة . كنت احب الجدول الصغير والجبل البعيد الذي يشرف على قريتنا . احب المطر حينما يهطل . واحب الشمس عندما تشرق . كنت احب احب احب . كان قلبي مملوءاً بالمحبة . أنت . أنت من علمني الحقد .. الحقد المقدّس كما كنت تسميه . أنت من اخبرني بأن البندقية هي الجسر الوحيد الذي علينا ان نعبره لنصل إلى مجد الوطن .
الضابط متخاذلاً : كان هذا منذ وقت طويل ..
امادو : وما الذي تغير الآن . الحقد المقدس ؟ مجد الوطن ؟ البندقية ؟ هل تعرف كم رصاصة أطلقت من بندقيتي هذه ؟ . أتعرف كم رجلاً قد قتلت ؟ أتعرف كم منزلاً أحرقت ؟ هل تعرف حجم الدمار الذي تسببت فيه ؟ نعم . لقد فعلت ذلك كله أثناء الحرب ، فعلته بيد ثابتة وقلب متحجر وجفن لا يرمش ومن اجل ماذا ؟ من اجل مجد الوطن .
الضابط : لقد كان ذلك واجبك وقتها .. عليك ان تدرك الفرق بين ..
امادو : كفى .. كفاكم تلاعباً بالكلمات . لقد مزقتم روحي . كم كنت ساذجاً يا امادو. سنوات .. سنوات وأنا المّع الأحذية واخطط للانتقام . واحضر إلى هنا واجلس وحيداً لأيام ، لأسابيع أناجي أرواح رفاقي .. أناقشهم . أفكر فيما حدث . حتى أدركت ذات لحظة بأننا تماماً مثل أعدائنا .. لم نكن اقل حيوانية منهم على الإطلاق . لم نكن اقل حيوانية ولكننا كنا اقل قدرة فحسب . لو أننا كنا قد انتصرنا لمزقناهم كما مزقونا . لأحرقناهم كما أحرقونا .. أدركت أننا كأعدائنا تماماً .. مجرد حيوانات يفتك بعضها ببعض . أخبرت رفاقي بذلك . ولا شك انهم قد توصلوا إلى هذه النتيجة قبلي . عندها ، عندها عدتُ إلى هذه الجزيرة ، فككت الفخاخ . ودفنت الاعتدة . أبطلت الألغام . وكان علي أن أقوم بعمل آخر . عندها كان علي أن أقوم بعمل آخر ، عمل لا يكتمل إلا بوصولكم . وقد بقيت هنا بانتظاركم . لقد تأخرتم .. تأخرتم كثيراً .. ولكنكم قدمتم الآن فاستمعوا الي جيداً .. إعلموا أنني قد بقيت هنا على ارض المذبحة لأسجل احتجاجي وأعلنه للجميع . أنا .. أنا الجندي المشلول آمادو . أنا من خاض الحرب وقاتل كحيوان مفترس . أنا من حمل الراية البيضاء وأطلقت عليه النيران من الخلف . أنا من تُرك مذبوحاً وسط الجثث .. أعلن باسمي وباسم ما تبقى من هذه الأشلاء . أعلن احتجاجي على نصر تصنعه جريمة . أعلن احتجاجي على سلام يصنعه الرعب . أحتج على الاوسمة التي تعلق على صدور الجلادين ، احتج على الوحشية .. احتجّ أحتجّ أحتجّ ..وها انذا أمامكم . وأمام أشلاء رفاقي . أسجل هذا الاحتجاج .
يسحب حربة البندقية بسرعة ويقطع بطنه من الشمال الى اليمين . يترنح قليلاً ثم يمسك الحربة بشكل عمودي أمام بطنه ، يطعن نفسه طعنة مستقيمة فيجثو منحنياً على الأرض .. يعم الاضطراب على المسرح . الصحفيون يلتقطون الكثير من الصور .. يقترب الضابط الكهل من جثة امادو ، يبعد الصحفيين ، ثم يعود مخاطباً الجثة باحترام :
امادو ... أيها الفلاح الطيب . امادو ايها الجندي الشجاع . امادو أيها الرجل الشريف .. امادو .. امادو أيها الإنسان .. تأكد بأنني سأنقل كلماتك إلى العالم كله .
المشهد الأخير
الراوي يدخل إلى المسرح مرتدياً الزي الياباني التقليدي واضعاً القناع على وجهه . يسير بخطوات قصيرة حتى منتصف المسرح ويقف مواجهاً الجمهور يبدأ بالكلام ثم يتوقف بعد همهمة قصيرة . يلتفت يمنه ويسرة ثم يعود لمواجهة الجمهور قائلاً بصوت حزين:
امادو جندي ياباني أُهدرت ثلاثون سنة من حياته فوق سطح جزيرة صغيرة ، هل تعلمون ؟ يريدنا البعض ان نصدق أن هذا الجندي قضى ثلاثين سنة من عمره دون أن يعرف بأن الحرب قد انتهت !!
يقطع الراوي كلامه .. يلتفت ثانية إلى الكواليس متحدثاً باستعطاف : لم اعد احتمل . أرجوكم. أرجوكم ..لا أستطيع أن .. حسنا ..سأحاول..
يلتفت ثانية إلى الجمهور محاولاً التحدث بطريقته الأولى لكنه يتلعثم وهو يقول .. امادو.. امادو ..لا .. يا إلهي .. لم اعد احتمل . جراحي ما زالت تنزف .
يلقي بالقناع بعيداً وينزع الكيمونو فيظهر أمام الجمهور جندي عراقي معصوب الرأس عاري الجذع تغطي بطنه الضمادات جسده نصف محترق يرتدي بنطلونا ونطاقاً وحذاءاً عسكرياً ينظر إلى الجمهور مباشرة وهو يقول بحدة : نعم . هذا أنا .. لم اعد احتمل ..الجراح .. جراحي ما زالت تنزف ، وأنا ..أنا ما زلت أتألم . لم اعد أستطيع احتمال كل هذا الألم . نعم .. انه أنا . هل أزعجكم منظري . لا تلتفتوا ولا تديروا رؤوسكم . انظروا اليّ جيداً واسمعوني . هل كان لا بد لي أن اذهب إلى حافات الدنيا وارتدي كل تلك الأشياء لأحدثكم بقصتي التي تعرفون جيداً كل تفاصيلها ؟؟
نعم .. هذا أنا ولكن. . . هل كان لابد لي ان اذهب إلى حافات الدنيا وأن ارتدي كل تلك الأشياء لأريكم هذه الجراح . هذه الجراح التي تسبب الكثير منكم فيها ؟؟ انظروا اليّ ، افتحوا أعينكم جيداً لترون أنني أموت أمامكم . أموت .. أموت ولا أحد منكم يرغب حتى في النظر الي . ما زالت الحرائق تشتعل في جسدي . .. ما زال الألم يفتك بي ... ما زلت راغباً في الصراخ فاستمعوا إلى صرختي . هل تشعرون بالضيق . هل تشعرون بالاشمئزاز .. اعرف هذا جيداً ، فقد انتهت حاجتكم إلى وستلقوني بعيداًوتتجنبون حتى ذكر اسمي أو الإشارة الي . اعلم أنكم تودون لو أنني اختفي الآن .. والى الابد .
ولكن لا . لا .. تأكدوا من شيء واحد , تأكدوا بأنني رغم كل هذه الجراح .. ما زلت حياً .. ما زلت حياً وسأصرخ ، سأصرخ حتى تمزق صرخاتي آذانكم .
أنا هنا . احمل كل هذه الجراح . ولكني ما زلت واقفاً هنا . أصبحت اعرف اكثر ، وما زلت مستعداً لمواصلة الطريق . لم اعد انتظر كفاً تمسح الدم عن جراحي ، لم اعد بحاجة إلى كلمة مواساة ، لم اعد بحاجة إلى نظرة عطف ، لم اعد بحاجة إليكم .
يلتفت الجندي مديراً ظهره إلى الجمهور ويسير نحو عمق المسرح يتحدث وظهره يقابل الجمهور : حسناً ، بإمكانكم ان ترتاحوا الآن . اخرجوا ..عودوا إلى بيوتكم واستمتعوا بحياتكم التافهة ..
أخرجوا جميعا الان .
هيا .. لقد انتهى العرض .
أما أنا .. أما أنا فسوف أحمل جراحي وأواصل طريقي حتى النهاية . .
وحيداً ..
وحيدا ..
وحيدا
تطفأ الأنوار بالتدريج بمصاحبة الكلمات الأخيرة
النهاية
كاتب المسرحية هو الكاتب
ناهض الرمضاني
وهو عراقي الجنسية من مدينة الموصل
ودالشقلة
11-20-2005, 09:08 PM
الطبيعة حين ينام علي ساعديها الربيع ...كان السواد العظيم ..بغداد عاصمة الأرض ...يرجموها بالرصاص..شطوط النخيل تحاصرهم ...تكتب أول عشاقها...سارية المتنبيء وسارية الوقت..بغداد وأمادو في شجووووووووووووووون.
Powered by vBulletin Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd