مشاهدة النسخة كاملة : `ذاكرة ثقافية ( الروابط الأدبية في الأقاليم السودانية )
أحمد ضحية
11-28-2005, 07:10 PM
(1) رابطة الأصدقاء الأدبية بكوستي :
(أ) فضاء عام :
هذا حديث من الذاكرة , عفوي .. تلقائي طبيعة الذاكرة في بدأتها , غير محكوم بمناوراتها ومكرها , إذ يستهدف طرح عدد من الأسئلة بصورة غير مباشرة من خلال( تجربتي الشخصية – كأحد الأعضاء المؤسسين لرابطة الأصدقاء الأدبية_1986 ونادي القصة السوداني- 2000 وما بينهما من تجارب لم يكتب لها الاستمرار لعوامل مختلفة) في محاولة مقاربة مفهوم " الوسط الثقافي " في السودان .و في سبيل فتح الحوار حول تجارب أخرى شبيهة مثل : رابطة سنار الأدبية , رابطة الجزيرة للآداب والفنون , رابطة النوارس بور تسودان , الخ .. فمن خلال كل هذه التجارب (لو كتب أعضاءها عنها )ربما نكتشف بدراستها القوانين التي تحكم النشاط الثقافي في السودان في مسيرة صعوده وانحداراته , وأسباب هذا الصعود أو ذاك الانحدار , وبالطبع سأكتفي بسرد وقراءة التجارب التي كان لي بها صلة , على أمل أن يشاركني الآخرون من مختلف (مدنهم) بالكتابة والقراءة لتجاربهم حتى نمتلك جميعا صورة عامة , تضيء لنا مستقبل العمل الثقافي . وادعوا هنا بصورة خاصة الصديق القاص النيل مكي قنديل من رابطة سنار الأدبية , والصديق الشاعر:بابكر الدقوني من رابطة الجزيرة للإسهام بتجربتيهما , إلى جانب الدعوة المفتوحة لهذا المنتدى بالإسهام في هذا المعنى .
إذا كان الوسط الثقافي هو ذلك الفضاء الواسع الذي يتم تداول المنتج الإبداعي داخله ,ومن ثم تحديد قيمته الجمالية(ما يعني تطوير التجربة الإبداعية واغنائها ونشر الإبداع) نجد أن الروابط الثقافية في العاصمة والأقاليم هي ما شكّل ذلك الوسط الثقافي في السودان, في ظل غياب مؤسسات الدولة(خاصة مؤسسة الثقافة) التي من المفروض أن عبء هذا الدور يقوم على عاتقها , بحيث يكون دور الروابط الثقافية ثانويا . والشاهد في تجربة الأقاليم والعاصمة, أن الروابط تحملت هذا العبء كأمر واقع ,فمؤسسة الدولة اختارت أن تقف على طرفي نقيض مع هذه الروابط(مستهدية بتحسس مسدسها كلما سمعت مفردة ثقافة), خاصة في ظل غياب أو عدم فاعلية إتحاد الكتاب أو الأدباء , وتعرضه (في الفترات التي لم يتعرض فيها للحل من قبل النظم الانقلابية )إما للتوظيف الأيديولوجي أو الملاحقة الأمنية لاعضاءه .
هذا الدور : دور الوسط الثقافي الذي ظلت تلعبه الروابط الثقافية , يحتاج لقراءة الآن(في عصر منتديات الإنترنيت = الروابط الثقافية الفضائية, فبالجلوس إلى أي coffee net أصبح الفرد يمارس المثاقفة مع أي شخص آخر في أي مكان آخر , ما يجعلنا نتساءل : هل الانترنيت حلّ محل تلك الجلسات الحميمة التي كانت تستضيفها أسرنا في الصالونات أو الحيشان في "قعدات " شاي "المغربية" , وتبادل الإبداع والآراء : كما كنا نفعل في كوستي ونحن نجتمع لنقيم أعمال بعضنا أو نعقب على آراء بعضنا ؟) , ولن نتمكن من هذه القراءة التي نطمح إليها , إلا باستعادة تجارب الروابط الثقافية , والأدوار التي لعبتها , وتحليل هذه الروابط , للكشف عن جزء من عمل الذاكرة الثقافية السودانية (هذه الذاكرة الفريدة لإنسان السودان المحب للمعرفة والثقافة والأدب والعلم )في لحظة من لحظات التاريخ الثقافي التي أضافت إلى المشهد الثقافي الإنساني العام على مستوى السودان ككل.
ما أثارني للشروع في الكتابة حول هذا الأمر:( تجربة الروابط الأدبية ), هو التعليق "الحنين / الحميم" للصديق القاص عبد الحميد البرنس في معرض حديثه عن روايتي"لا وطن في الحنين" لدى نشر الصديق علاء الدين سنوري لها على بوست سودانيز أون لاين . (فهو في كندا وأنا في القاهرة والموقع سودانيز في أميركا وسنهوري في السودان وجمهور القراء للبوست من مختلف أنحاء العالم ومع ذلك جميعنا مارسنا المثاقفة على صفحة البوست , لكنها كانت مثاقفات رقمية معلبة تفتقر لما اعتدنا عليه من روح .. أبدا لم تكن كتلك المثاقفات الحميمة في المساءات في بيت احدنا :أمامنا أكواب الشاي باللبن واللقيمات , يا لجمال ذلك الزمن النبيل! ).
استعاد عبد الحميد إلى داخلي مرة أخرى , عوالم ظلت منفية لوقت طويل , بفعل الهموم المتعاظمة , التي لم تترك لنا مساحة للعودة إلى الوراء وإلقاء نظرة جديدة مختلفة على ماكنا جزء منه من تجارب ذات يوم .. خاصة أن هذه الهموم نهض فيها لاحقا غبار الغربة , وتراب الترحال, وركام الحنين إلى ما خلفناه وراءنا من شجن , يتلفت القلب بين آن وآخر عله يصطاد منه نظرة , تكون معينا لأيام قادمات , فتخف حدة الغربة والاغتراب بهذه "الزوادة" التي نستلها من قلب الذكريات : الذكريات التي ربما يكون بعضها حميما وبعضها الآخر مؤلما وبعضها بين بين. خاصة عندما نتذكر خيانة الذين كانوا أصدقاء يوما , وأن خيانتهم لأشد فتكا من السم الزعاف , إذ ليس مؤلما أكثر مما يؤلمك غدر الصديق أو الرفيق القديم . ولكنها الحياة بمراراتها ونبلها في آن والا لأطلقنا عليها اسما آخر , فديناميكيتها تستمد من نقائض المشاعر ومتناقضات القيم , ومتضادات الحنين والشجن بما يعتمل فيهما من مواقف وأسى .. ربما ..
إذن من هنا تكون البداية : من كوستي . مدينة ساحرة كجنيات البحار , تغسل في "المغارب" شعرها , وتمد إلى عاشقيها أكف تضوع برائحة البحر – الطمي – طين الجروف- نبتة المعونة وأعشاب النيل الأخرى بملمسها البارد . كوستى كما تصورها شعراء رابطة الأصدقاء الأدبية عبد الله إسماعيل : أنثى حيية , لا تخلو من ذلك الجمال الذي ليس له اسم .. أو كما تصورها الشاعر التوم ود البخيت , برؤية مقطعية من الخارج , تطل عليها رفاعة الهوى , ليشكلان معا سيرة من سير التوم فضل الله سالم في حروب البدو مع الجمع ودار محارب , التي تضاهي سيرة أبو ليلى المهلهل . وبينهما ينهض قريب الله محمد فرح فيختار حبيبته " قمر الزمان" موضوعا لنص يجسد الدهشة كوستي التي لم تكفها مياه نيلها فاغتسلت من قيزانها أيضا , فلا يجد الفاضل فضل عندها مناصا من كتابة أبيات عذبة الإيقاع نكاد نتحسسها تبصم على شوارع المدينة وأزقتها ودروبها وحواريها , في خطى السابلة , وتهامسات عابرو السبيل : أنها كوستي .. كوستي .. كوستي .. لتمضي كخطى القرين خلفنا ..حتى يوقفها ناظم بابكر في منتصف المسافة , وهو يهتف ليلتف حوله كل هؤلاء المارة وأولئك , ليقود بهم ثورته الجديدة لأجل الفجر المسلح في كوستي , فلا يجد شمس الدين فضل مناصا من "تفجير بالونه" الشهير تضامنا مع شعب كوستي الخاضع للأحكام العرفية , وتوابعها من كبت وقهر في زمن لاحق !!..
كوستي منتصف الثمانينات ليست هي كوستي الآن .. كانت كوستي مدينة حميمة مرحبة ورحبة بمثابة وطن لكل الذين لا وطن لهم : جاؤها من أصقاع السودان المختلفة ومن الجوار الأفريقي الغربي . اختلطوا بسكانها وضربوا جذورهم في أرضها وصاروا جزء من ذاكرة المكان وذكريات المدينة وحاضرها .. في هذا المناخ نشأت رابطة الأصدقاء الأدبية في العام 1986 .. كان السوق الشعبي في بداياته ببناياته الواطئة المتفرقة هنا وهناك , وكان موقف وسوق الفشاشوية بعد لا يزال في أوج مجده , لم يتلاشى ويتشرد تجاره ومزارعيه بعد , وتحل محله "الملجة" بعجورها وطماطمها وبطيخها ,تنتظر أن: اهبطوا فيها وكلوا من شمامها و"در دقوها" وخيراتها الأخرى .. كان موقف الفشاشوية بعد لا يزال يلفت الأنظار ببائعي الراتب والسبح والطواقي وجزء عم المتجولين بين لواري الريف الغربي والجنوبي والشمالي للمدينة, فكوستي ليست مجرد مدينة محددة , فهي منطقة كبيرة تشمل قرى وفرقان وحلال وأشباه مدن .. كانت المسافة بين ضريح سيدي الشيخ الطيب الناهض على مقربة من الشاطيء جوار الملجة , وبين أكوام البطيخ والسمك .. كالمسافة بين اثنين ينادي أحدهما الآخر , فكل شيء في كوستي كان قريبا من كل شيء . هذا القرب هو ما حكم علاقات الناس ببعضها البعض , حتى السنوات نفسها كانت متجاورة , فقد خرجت المدينة لتوها من السبعينيات وشارفت منتصف الثمانينيات , دون إن يشعر احد بذلك , إذ لا تزال السبعينيات الزاهرة تسم بكل محمولاتها ذاكرة المدينة الخارجة من النهر لتوها . فكوستي مدينة قليلة التأثر(وقتها) بقوانين الفيزياء وأضاليلها . فهي كأسرة ممتدة تنهض في ميثولوجيا الأرزاق وأساطير الأولين الذين عاشوا في ريفها الغربي والشمالي , ولذلك ليست ثمة تعقيدات اقتصادية في نظامها , والقاعدة الأساسية "الكل مستور" .. من قلب هذا المناخ الريفي – المديني البسيط , المفعم بالانتماء لكل شيء خرجت رابطة الأصدقاء الأدبية كامتداد لتجربة الروابط الثقافية التي لا تزال أصداء شعر العبادي والعباسي وعلاقتهما بذاكرة المدينة ترن في الفضاء الواسع لتجربة نادي كوستي الثقافي العتيق الذي بدأ بريقه يخبو بعد سطوع دام لأكثر من خمسة عقود .. لم يعد نادي كوستي هو ذات ذلك الملتقى الذي شهد المطارحات والمجادعات , فقط ثمة أثر وحيد تبقى من ذلك المجد : هو العم محمود عكاشة الشاعر الغنائي العذب .. آخر من تبقى من جيل الشعراء القدامى the old poets generationالذين أشعلوا سماوات كوستي ذات يوم بالحنين والشجن .. وتصدوا للواثق في وقت ليس بعيد عندما شتم المدينة اتصالا بتجربته في شتم المدن السودانية بدء بأم درمان التي تحتضر وصولا إلى كوستي التي لم يجد شيئا يهجوها به سوى حي الرديف الجميل , الذي أوحى لكثر بعوالم لم تخطر لهم على بال , والذي أخرج لهذا العالم التو مات فمنحنه إيقاع التمتم الذي شكل إضافة وإسهاما كبيرا في الهارموني (الانسجام) الغنائي . كانت كوستي هكذا تقترح عبر الرديف خطوة أولى تجاه إيقاع موسيقي قومي .
في هذا الاتصال والتواصل نهضت التجربة الوليدة"رابطة الأصدقاء الأدبية" , كمشروع تحت التأسيس تنازعته التقليدية والواقعية الاشتراكية والغنائية الرومانسية , وجنح نحو الحداثة والتجريب متعثرا في كل خطواته ..طرح هذا المشروع الأستاذ القاص الجميل صديق الحلو اثر عودته من العربية السعودية . وكانت لا تزال وقتها شعارات انتفاضة مارس ابريل المجيدة, تشعل الحماس في النفوس وتولد في المدينة مناخا شبيها بمناخ حركات التحرر في الأربعينيات . فقد خرج الناس من تجربة قهر وملاحقة مريرين امتدت لأكثر من عقد ونصف (1969- 1985) كانت خلاله كوستي مدينة مغضوبا عليها من النظام المايوي, اشتهرت بنشاطها السياسي اليساري وتعاطفها مع الجمهوريين , فكانوا(سكانها) شرهين في هذا المناخ لشعر المقاومة الفلسطينية شرهين لروايات دار رادوغا , شرهين لقصص دار العلم للملايين , ودار العودة شرهين لكل ما يشعرهم بأنهم أحياء ويقاومون الموت حتى الرمق الأخير , وقادرين على أن يصنعو من ذكرى القمع البائد معبرا نحو غدا جميل . ومن ذكريات الحزن حصونا لفرح يمتد .. بهذه الروح العارمة انضم العم ناصر بابكر النقابي الاشتراكي القديم قدم الحرس الأحمر إلى الرابطة واحتضن منتدياتها في منزله , ممسكا يد بيد الأستاذ صديق (حمامة السلام عندما تشتد المعارك بين الأعضاء), وتوالى الأصدقاء واحدا تلو الآخر يحلمون بسقيا الفولاذ , والأرض البكر وعبور الجسر : كان ذاك حماس أيديولوجيا شعبية تخص كوستي وحدها .. أيديولوجيا خبرت الحياة العملية وانعكاساتها على الثقافة والإبداع لأكثر من ستة عقود . أيديولوجيا صاغت وجود الأصدقاء : عبد الله إسماعيل – قريب الله محمد فرح – محاسن علي دوكة– نجم الدين كرم الله – وآل فضل(الفاضل , نجم الدين وشمس الدين ) وناظم بابكر الشاعر المسلح بتجربة تشي غيفارا : جميلا ونبيلا مثله , لكن متطرفا إلى حد مخيف !! وأخيرا جدا منال حمد النيل وسلمى النذير وصلاح عوض الله وبين كل هذه الأسماء أسماء أخرى سقطت من ذاكرتي الآن بطول المدة , فعذرا لمن لم يجد اسمه .. وهكذا نهضت رابطة الأصدقاء في تباينات الاتجاهات الراديكالية لليسار ألأممي والقومي .
يتبع...............
أحمد ضحية
11-28-2005, 07:19 PM
واليمين الوسطي والطائفي . باستثناء الجبهة الإسلامية التي لم يكن مرحبا بها , فانزوت في أربعة منفيين كونوا جسما يخصهم .سرعان ما تلاشى , فقد كان بعيدا عن روح المدينة وأحلامها الثقافية .
تلك كوستي ,مدينة عجيبة يعج فضاءها الواسع بالحياة .. في الوجوه السمراء , الشوارع , كلاب أحياءنا الفقيرة , بائعات الفول المدمس والطعمية , والشارع المترب الذي أصبح يشق المدينة إلى نصفين , منحدرا من السوق الشعبي باتجاه الشمال متخطيا أبو شريف . أو منحدرا من السوق الكبير مار بأستوديو صلاح متخطيا زريبة البهايم الجديدة مارا بالوساع ومتجاوزا تند لتي ييمم وجهه شطر الأبيض .. إنها كوستي الجديدة , فالحركة التجارية والزراعية تلفظ أنفاسها الأخيرة , فالحكومة الانقلابية الجديدة قررت تصفية مراكز نفوذ حزب الأمة (الذي ينتسب إليه المزارعين خارج التخطيط جنوب وجنوب غرب المدينة ومزارعين الجروف . شمال وشرق المدينة = فكوستي مدينة نهضت في الزراعة الآلية والمطرية ) وهكذا بتصفية مركز نفوذ الأمة تصاب المدينة بجرح عميق يظل ينزف وينزف , ولا تتوقف الطغمة الانقلابية عند هذا الحد إذ تصفي مراكز نفوذ الاتحاديين بمعنى قضاءها على الحركة التجارية . وهكذا تشهد المدينة عصرا من الاعتقالات للمزارعين والتجار , وميلاد حركة زراعية وتجارية طفيلية , لا تنهض في الزراعة بقدر ما تتاجر في تصديقات الجاز ولا تمارس التجارة بقدر ما تتلاعب بحركة السوق لتخلق نشاطا هامشيا فيصبح المسيطر هو السوق الأسود , وهكذا تبرز إلى حيز الوجود تعابير مهيمنة "السلم" الاسلاربوية – القرض الحسن – فثقافة الزراعة والتجارة الإسلاميتين (المزعومتين) تتوطن كمرض مزمن يدفع السكان للجلاء عن ديارهم التي شهدت مولدهم ونشأتهم وصباهم وذكرياتهم . وهكذا يهرب سكان المدينة باتجاه العاصمة , فمدينتهم لم تعد مدينتهم بعد أن امتلأت بالزعانف والمؤلفة قلوبهم والانتهازيين من الفصائل المختلفة فتناسلوا كالفطريات والطحالب و انتشروا كالفيروسات والجراثيم و استحالت حياة المدينة إلى شقاء وضجر بعد أن أدخلت هذه الكائنات الطارئة على تاريخ المدينة المجيد الدين في مأزق سؤال موضوعي في علاقته بالممارسة النظرية والواقع الفعلي ..
ترتب على هذا الانهيار المتسارع للمدينة التي كانت مزدهرة بناسها ونمط حياتها تشريد وتشرد المبدعين فلم تعد تلك المنتديات التي ألفناها تقام إلا لماما وفي ظروف استثنائية بالغة التعقيد فالتجمعات محظورة بنص القوانين العرفية للجبهة الإسلامية .
لم تعد كوستي هي ذاتها المدينة التي أحببنا , الوطن الذي ولدنا فيه وتفتح وعينا بين منتدياته وأحياءه . صارت كمدينة شبح .
(ب) نشاط رابطة الأصدقاء الأدبية بكوستي 86 - 1989م:
يتبع ..................
nazar
11-29-2005, 01:10 AM
استاذى احمد ضحية حديثك يثير الشجون إبتدرته بالروابط الثقافية والفكرة المقترحه لبعض ممن ذكرت حتي يشاركوا بطرح تجاربهم عبر هذا البوست وما زلت تدور حول محور هام الا وهو الثقافة عبر وسائط جميلة إعتدنا عليها فى رحاب السودان في زمن قصي تلك الصالونات الادبيه والجلسات الأريحيه والتى يعطرها جو الأدب حتي إتسم اهل السودان بثقافة المشافهه فضلا عن غيرها ولكن في عالم اليوم لايمكن لمثل هذه الجلسات الادبية ان تتم دون رقيب وربما إن شعر هذا الرقيب بانها حادت عن الطريق قليلا قطع عليها الطريق وهذا ما يتعرض له بعض ادبائنا في التقائهم بجمهورهم مره بعد أخري وكلنا لا ينسى حادثة الخرطوم جنوب الشهيرة والتى منع فيها حميد من مطالعة جمهورة بينما قدمت له الدعوه بعدها بايام لتكريمة وكلنا لاينسى ردة الشهيرة بان تكريمه يتمثل في السماح له للالتقاء بجمهورة واليوم كما اسفلت يجد الجميع في الانترنت وسيلة جيدة للتواصل ونشر الافكار والتعاطى الادبي حيث تتيح هذه الشاشات الخضاب مالم يكن متاحا علي مراى ومسامع الجميع
نتفق معك استاذى الفاضل في انه لابد من إيجاد وسائل بناءة لإحياء مثل هذه الروابط وبث روح الحياة فيها من جديد لتواصل مسيرتها بذات الدفع الذى نعرف
حديثك عن مدينة كوستى ايقظ ذكرياتا كانت نائمة فعدت بذاكرتى لكوستى الجميله قباله عشرون عاما ارتحلت عبر الخيال لثوانى عشتها في رحاب هذه المدينة الام والوطن المصغر ما سطرته عن كوستى عزيزى احمد ضحيه قليل من الوفاء ودين تسدة انت اليوم لمدينة تستحق كل هذا الوفاء والنبل من شخص عاش فيها وخبر دروبها وربما اسهمت في صقله وتشكيلة ليخرج لنا بهذه الدرر الجميله
واصل استاذى ونحن في إنتظارك
أحمد ضحية
12-01-2005, 08:43 PM
(ب) النشاط الثقافي لرابطة الأصدقاء (86-1993) ورياح التحولات :
أولا أشكرك أخي نزار على هذه المداخلة المهمة , وأسعدني جدا أنك تشاركني هذه الذاكرة , فالذاكرة المشتركة مهمة في الكتابة , إذ تضيء لها أكثر فأكثر ..
وبالحديث عن الذاكرة المشتركة . أجد أن للذاكرة عموما نشاط غريب , شبيه بنشاط الفرد في التاريخ , فهي تقيم من بقايا الصور لوحة مكتملة , ومن ركام الذكريات فيلما متسقا , بعد أن تنفض عنه غبار الأيام وابتلاءاتها , ليصبح متسقا بوقائعه ولحظاته التي تنهض فيها مختلف الأحاسيس والمشاعر . فكل لحظة من لحظات عمل الذاكرة , تمثل عالما هاربا يسترد لينهض من جديد في سياق متسق .. يا لهول هذه العملية المعقدة , في هذا المخزون الرهيب للذاكرة منذ تكونت في رحم الأم , حتى انتزعت منه لتخرج إلى الوجود , لتكون صدمتها الأولى في اشتقاقها من كيانها والدخول في كيان آخر مجهول :هو كيان الأسرة الوطن العالم..
فتبدأ الذاكرة في التحول من بداوتها وبراءتها , لتتسق مع معمارية محيطها .. لذلك كان حديثك عن رحلتك قبل عشرين عاما إلى كوستي يكتسب أهمية خاصة (بالنسبة لي )فيما يضيف لهذه الشهادة المتعلقة برابطة الأصدقاء بكوستي, وأتمنى لو تكتب لي عن هذه الفترة كيف وجدت كوستي : النشاط الثقافي أعني .. فالمشاهدات للناس والجغرافيا تنطوي على السلوك الثقافي للمكان, فخصائص المكان تسم كل شيء حولنا , وهي خصائص عمل الذاكرة فيه , قطعا ..
لنحاول أخي نزار أن نجوس معا في ذاكرة كوستي , فربما تنجح محاولتنا ترتيب وقائع وأحداث ترتبط بموضوع ذاكرتنا الثقافية ..
شهدت الفترة من 86 – 1993 نشاطا مكثفا للرابطة , فضلا عن المنتديات التي كانت تقيمها, في بيوت أعضائها.. كانت مساهماتها في إحياء الليالي الشعرية (في ختام الأسابيع الثقافية للكورسات الصيفية, التي كان يقيمها أبناء المدينة بالجامعات ) فعالة . فقد أسهمت الرابطة في الفعاليات الثقافية( لرابطة طلاب كوستي ب : الجماهيرية الليبية , جامعة القاهرة فرع الخرطوم (النيلين حاليا) , معهد الكليات التكنولوجية (جامعة السودان حاليا) , جامعة الجزيرة , الخرطوم , أم درمان الإسلامية , جوبا , الخ من روابط أبناء كوستي بالجامعات والمعاهد العليا , أسهمت مع كل هؤلاء وأولئك في إنجاح برامجهم الثقافية في المدينة , بشعرائها وقصاصيها , إذ كانت تستجيب لدعواتهم , وتلبي دعوتهم في نادي" التنس أو الخريجين "أو" نادي كوستي الثقافي الاجتماعي "أو المدارس العليا التي كانوا يقيمون فيها أنشطتهم , وتصدح سماوات المدينة بعدها لأسابيع بوقائع تلك الأمسيات الثقافية ..
كذلك شهدت هذه الفترة فعاليات للرابطة في مقار بعض الأحزاب بدعوة منهم .. هذا النشاط المحموم للرابطة ابرز إلى سطح الحياة الثقافية في المدينة أسماء لمعت بفضل الرابطة مثل التوم احمد البخيت الشاعر الحداثوي العذب , وقريب الله محمد فرح شاعر الغنائية الجميل وناظم بابكر الشاعر الثوري الجريء وعبد الله إسماعيل بشعره الرصين , كأن ذاكرته(عبد الله إسماعيل اعني) التحمت بعصور الشعر العربي المتقدمة (الجاهلي , الأموي , العباسي) ولم ترغب في المغادرة . أذكر أنني كرهت الخليل ابن احمد الفراهيدي بسببه , فهذا الرجل لا ينفك يطبق عروضه على كل قصة قصيرة اقرأها له , فكرهت الفراهيدي واللغويين ولا أظني سأحبهم يوما !!, وانسحب ذلك بالطبع على علاقتي بالشعر (أب ضلفتين , أي شعر الصدر والعجز ) ..
كانوا أشخاصا جميلين يحلمون للمدينة وناسها بعالم فاضل وإنساني ونبيل , كانوا يتقلبون بين الغزل والثورة والمجتمع , كانوا شعراء حقيقيين لو توافرت لهم ظروف أخرى ,غير ظروفهم ,لربما أسهموا بفتوحات شعرية تغني تجربة الشعر في السودان, وتمثل إضافة حقيقية لمسيرته العامرة بالإنجازات ..
ما يقفز إلى ذاكرتي الآن هو جديتهم في الإسهام مع شعراء المدينة ,الآخرين. في صناعة فعل إنساني جاد رغم محاولات الاختراق التي مارسها شعراء" الحلمنتيش" الدخلاء الذين حاولوا أن يحرفوا التجربة الجادة لهؤلاء الشعراء الخضر اليانعين كزهور برية , تعدى أريجها الحدود الضيقة لكوستي المدينة فشمل النيل الأبيض ..
فالحلمنتيش سيء الذكر والسمعة , كان مقترح شعري اسلاموي(الجبهة الاسلامية) في المدينة (وهذه مفارقة بالنظر لارتباط اللغة العربية نفسها بالقرآن الكريم بحيث تستمد قداستها(المزعومة) منه لأنه دين والدين مقدس . لكن اللغة ليست مقدسة فهي كائن حي يتعرض للتغييرات عكس الدين المعتقد, ومع ذلك الاسلامويين ينظرون لها كمقدس بالتالي ينبغي ألا يبتذلوها على الأقل ليتسقوا مع اعتقادهم , ولكن للأسف ابتذلوها في الحلمنتيش , والبذاءات باسم تسليط الضؤ على الظواهر السالبة في المجتمع . ونحن الذين كنا ننظر إلي اللغة ككائن حي يتأثر يوميا وينمو وتحدث له تغييرات , نحن مع ذلك كنا ندافع عن اللغة العربية ونرفض ابتذالها , على عكس دعاة قداستها الذين كانوا يبتذلونها كل يوم . قال أحد شعرائهم في كوستي : لاقيتها في جزر السمك
ريحة بخورها تسوي بق
عينيها جوهرة في طبق ..
ولم يكتفي الرجل بلقاء حبيبته في جزر السمك برائحته المريعة ومناظر جزاريه بسكاكينهم المخيفة , وتوصيفه لعينيها بهذه الطريقة البشعة فوجهها قبيح كالطبق لكنه يحتوي على جوهرة مع ذلك .. هذه أمور نسبية في التذوق لكن مع ذلك يبقى القبيح هو ما تم الاتفاق على قبحه .
وقال آخر متأثرا بهذا الهراء :
جكس ياي
تلزو غادي يجيك جاي ,
يا خوي دا ما بينفع معاك ولا معاي ..
. عموما كانت الحرب شرسة من قبل عدد من أعضاء الرابطة ضد تغول الحلمنتيش . وأسهمت هذه الحرب إلى جنب عوامل أخرى ,لاحقا في الانقسامات المتتالية في الرابطة .
كنا نريد شعرا حقيقيا , بلغة حقيقية نابعة من الوجدان , مصدرها الحياة الخصبة للإنسان , ونتصور أن الشعر الحقيقي لا يمكن أن يجد في ابتذال اللغة بالحلمنتيش وسقطه مصدرا لرواجه وإنسانيته وجماله , كنا نريد لغة جميلة تعبر عن الجمال . وهذا لم يروق لكثر .
استطاعت رابطة الأصدقاء إذن حتى من خلال هذه المعارك أن تشكل اسمها, وتفرضه على الساحة الثقافية للمدينة , وسط مناخ موتور ومتوتر , يعج بحركة الاستقطاب السياسي الحاد , فكل تنظيم سياسي كان يرى أن عليه التحكم في الرابطة ,وتوجيهها وتحويلها إلى واجهة من واجهاته , اجتهد في هذا الأمر اليمين واليمين الطائفي واليسار على حد سواء , ولكن ظلت الرابطة صامدة تعبر عن نفسها فقط دون أن تلينها رياح الاستقطاب الحادة , فلم تتحول أبدا إلى أداة لأي قوة من القوى المتصارعة على السيطرة عليها .
واتسعت تجربة الرابطة , وتعلمت من هذه التجربة نفسها الكثير , إذ أوحت لها تجربتها بالتحالف مع روابط أخرى تمارس أجناسا أبداعية مختلفة عن الكتابة , وهكذا التقت رابطة الأصدقاء الأدبية المهمومة بالشعر والقصة بفرقة الإبداع المسرحية , وندى البراءة المسرحية وبالتنسيق مع هذه الروابط خرجت رابطة الأصدقاء إلى ريف كوستي لتقدم فعاليات متنوعة في بلدة "قلي" و"الطويلة" وقرى "أم غانيم" و"والوساع ", الخ ..
أحمد ضحية
12-01-2005, 08:45 PM
وتقبلت الرابطة دعوات مصنع سكر كنانة وأقامت في نادي الموظفين فعاليات اظنها لا تزال في ذاكرة النادي . ربما كان اتجاه الرابطة حينها تجاه الريف أو خارج المدينة , هو إدراكها أن هذا المحيط بمثابة المكمن البكر والمصدر لقوة الفعل الإنساني , التي لطالما حلمت النصوص بالتعبير عنه . وربما أوحى ذلك للأستاذ صديق الحلو برحلته إلى جنوب السودان مع عدد من الفرق المسرحية والغنائية بكوستي لإقامة فعاليات هناك رحب بها الأخوة الجنوبيين , في ظني كان الحلو بتوقه الشديد لتوسيع دائرة تأثير الرابطة , مضى جنوبا يحلم بتلاقي الأطراف ولو على المستوى الثقافي ولكن هموم الحياة لم تتح له المواصلة في هذا الاتجاه الذي أتصور انه مهم لأن كوستي حدودية مع الجنوب تؤثر عليه وتقع في دائرة تأثيره .
أذكر الآن جيدا انه كان على الرابطة أن تجتمع مساء 30 يونيو 1989 لمراجعة أوضاعها والبت في شأن انتخاب مكتب تنفيذي جديد , فقد استمر المكتب التنفيذي منذ مرحلة التأسيس حتى الآن( في 1989 ) دون أن يحل نفسه , أو يقيم أعماله خلال هذه المدة الطويلة . وكان تكوين مكتب جديد في خضم صراع حاد بين أعضاء الرابطة (على الرغم من موضوعيته في بعض الأمور, لم يكن يخلو من جوانب شخصانية خاصة أن احد الأعضاء أساء استخدام ختم الرابطة) , وهكذا بين ما هو موضوعي ومشروع في تكوين مكتب جديد وبين ما هو شخصاني وضع الأساس لتمزيق عرى الرابطة لدى أول اختبار للمطالبة بالمؤسسية . ويبدو لي الآن أن المؤسسية هي مشكلة كل التكوينات في بلادنا سواء كانت ثقافية أو سياسة : لا احد يريدها , وهذا سؤال يحتاج إلي بحث عميق وجدي : لماذا يرفض المثقفين السودانيين المؤسسية , ويميلون لعدم الموضوعية وشخصنة الأمور أو تعليقها دون حل ؟ لماذا ؟ ..
لن أتبرع بأي إجابة باختصار لأنني كنت طرف في عدة انقسامات سواء في الثقافة أو السياسة , لذلك أي شهادة في هذا الإطار لن تفهم كما أريد لها .
المهم أن اجتماع مساء الانقلاب لم يتم في المكان الذي حدد له سلفا بسبب التخويف والإرهاب الذي وعد به البيان الأول للانقلاب وفرضه لقانون الطواريء وتملص البعض ممن كانت المناخات المايوية لا تزال تهيمن على فضاء ذاكرتهم فانسحبوا ويمم أربعة أو خمسة ضمنهم صديق الحلو وناظم بابكر وأنا شطر احد الأندية الرياضية شرق المدينة , ويبدو انه كانت هناك مشكلة في الكهرباء فاجتمعنا على ضؤ فانوس أو شمعة لا اذكر ..وكان ذاك آخر اجتماع رسمي احضره شخصيا للرابطة كرابطة إذ توصلت كما توصل ناظم في حديث جانبي بيننا أثناء الاجتماع أن لا جدوى من تغيير أوضاع الرابطة ..فلا احد سوانا أنا وناظم و اثنين أو ثلاثة آخرين(لكن خجولين ولا يرغبون في خوض أي صراع لتصحيح الأوضاع إذ يأملون أن تصحح نفسها لوحدها , كأنهم لم يقرأو التاريخ يوما !!) يرغبون في جعل الممارسة داخل الرابطة ديموقراطية ومؤسسية , بمكتب منتخب . فانصرف كل منا إلى همومه , وهكذا نشأت تكوينات منقسمة مثل رابطة كستاليا (النبع الصافي في اللاتينية) الأدبية , والنوارس للآداب والفنون , وآفاق الثقافية التي كونها الخجولين الذين لا يرغبون في تصحيح الأوضاع عبر المواجهة بالأخطاء داخل الرابطة نفسها , بل خارجها ) ولم يكتب لهذه التكوينات الاستمرار , فسرعان ما طواها النسيان رغم محاولاتها وذلك لظروف أعضائها وارتباطهم بجامعاتهم واختلاف هذه الجامعات , فأصبح من المستحيل مع هذا الشتات أن يتمكنوا من تكريس هذه الروابط التي انقسمت عن رابطة الأصدقاء .
ثمة أسماء أعطت لهذه الرابطة من روحها وكيانها حري بنا أن نقف قليلا عندها ,علنا نوفيها شيء من الوفاء . بالتأكيد على أهمية الدور الذي لعبته في مسيرة الرابطة والتعريف بها .من هذه الأسماء العم ناصر بابكر ناصر , فقد استقبل بحفاوته وحبه للأدب والأدباء الكثير من المنتديات في بيته , وكان خير معين لأعضاء الرابطة في أحزانهم وأفراحهم .فهو رجل دمث ولطيف . وكان أكثر من مجرد رئيس فخري للرابطة حتى بعد أن غادر المدينة واستقر في الخرطوم بحري .
صديق الحلو : احد الأسماء اللامعة في القصة والصحافة الثقافية في الخرطوم , له أكثر من مجموعة قصصية الآن نشر بعضها على حسابه وكما علمت مؤخرا أن واحدة من مجموعاته نشرت وفقا لبرنامج الخرطوم عاصمة للثقافة , لولا هذا الرجل لما كانت هناك رابطة أصدقاء أدبية ولا يحزنون فهو الوالد الروحي لها , والذي كان في سبيل استمراريتها (يأتي على نفسه ), فقد تملكه هاجسها على حساب الكثير من الأشياء التي تخصه , قدم هذا الرجل برابطة الأصدقاء للمدينة ما لم يقدمه لها احد أبنائها يوما , وحري بالمدينة أن تكرمه بعد كل هذه التضحيات التي قدمها في سبيل استمرارية الرابطة وهي تضحيات غالية (لأنني اعرفه عن قرب) . فهو صاحب فكرة إنشاء الرابطة وهو الذي قام بمجهودات تسجيلها لدى الجهات الرسمية وهو الذي كان يستقبل أعضائها في بيته طوال سنوات خصما على زمنه العائلي , وهو الذي بذل مجهودات جبارة لبنائها وتعريف الناس بها حتى أنهكه هذا الجهد الفائق . وهو الذي حاول أن يربط الرابطة بالملفات الثقافية للصحافة السودانية , أي عطاء نبيل هذ الذي قدمه هذا الرجل , فضلا عن مجهوداته المستمرة بشخصيته التوفيقية الوسطية , لإقرار السلام بين الأعضاء عندما تحتدم بينهم المعارك , أتصور انه لولا وجود رجل كصديق الحلو كرئيس للرابطة وقتها لما استطاعت رابط\ة الأصدقاء أن تمضي خطوة واحدة للامام . ذاك رجل أعطى المدينة أكثر مما اخذ منها كان يعطي بلا من رغم الخذلانات العميقة وقسوة الناس والحياة والأسى الذي تعاظم بسبب كل ذلك ..
أسماء في الذاكرة :
الشاعر الصادق أحمد كباشي : والحديث عن الصادق كباشي ذو سجون أكثر مما هو ذي شجون
يتبع .................
الصادق البوصيري
12-02-2005, 12:12 AM
الاستاذ العزيز احمد ضحية
تحياتي و احترامي
استمتع بالقراءة و ليس لي قلم يطاول قلمكم او حتى يتجراء لذلك
مرحبا بكم و في انتظار المزيد من هذا النبع الذي نتمنى ان يتواصل بيننا لننهل منه معرفة و ادب و مفردات
اخوكم
الصادق البوصيري
أحمد ضحية
12-02-2005, 11:53 PM
اشكرك كثيرا أخي الصادق البوصيري بقدر ما يخجلني لطفكم بقدر ما اتعلم منكم الكثير . فانتم حميمون في زمن نحن اشد ما نحتاجه هو الحميمية فشكرا جزيلا لك مرة اخرى على هذا اللطف الفائق .
الان اعود الى حيث توقفت بالأمس , عند صديقي الراحل الصادق كباشي :
(ج) أسماء في الذاكرة :
الشاعر الصادق أحمد كباشي : والحديث عن الصادق كباشي ذو سجون أكثر مما هو ذو شجون . فالرجل غادر دنيانا على نحو مأساوي , أشعل على نفسه النار "كما في مار تجلو- الرواية" !!..
كانت علاقتي بالصادق كباشي في البداية عادية , قبل سفره إلى تونس ليدرس بجامعتها , ولكن بعد عودته توثقت علاقتي به كثيرا , إذ اكتشفت فيه صديقا حميما ونبيلا, صاحب رؤية جمالية واسعة وأفق معرفي يتسع لمتناقضات ذلك الزمان الأغبر , ويحاول أن يتعامل مع هذه المتناقضات , فرحلته كانت رحلة بحث دائم عن جواب , كان شكاكا , على ذلك النحو المنهجي , وكان يشعر بأنه منذور للغربة والاغتراب , ويحاول أن يتخطى الأسئلة بإجابات لازمة , وربما ذلك ما دفعه للإجابة عن سؤاله الوجودي على نحو يعبر عن القلق الميتافيزيقي لأبناء جيلنا بالرحيل في طقس فانتازي , مرعب وساحر في آن !!.. ليس كأي انتحار .. فانتحاره تضمن رسالة مريعة للجميع ..
كنت أحرص على زيارته عندما تشاء المصادفة أن نكون متواجدين معا في المدينة , وكان يحرص على زيارتي . وبين رشفات الشاي باللبن نتداول الرؤى , أقرأ له واحدة من قصصي الجديدة , ويقرأ لي آخر نصوصه , يستمع إلى ملاحظاتي باهتمام كبير , ويعبر عن تحفظاته على ما أطلق عليه "التعابير النابية في قصصي القصيرة " فوقتها كنت مغرما بمفردات مثل "وغد- ولعين- وحقير" , لا أدري من أين تسربت إلىّ , لكن غالبا تكون قد تسربت من أدب الواقعية الاشتراكية , فهو لا يخلو من الوقاحة !.
كانت هذه التحفظات من الصادق تعبر عن مدى لطفه ونزاهة لغته لدرجة أن تجرح مفردة مثل "وغد" ذائقته العفيفة . وتزعجه كثيرا لدرجة أن نفسه تنقبض .. كان الصادق كباشي شاعرا جميلا وعذبا ومرهفا وفوق كل ذلك حزينا ومأسوي الوجدان !!..
عندما تم قبوله للدراسة في تونس , أخذ معه قصص أعضاء الرابطة وأشعارهم , وتمكن هناك من نشر هذه النصوص في الملف الثقافي لجريدة" الفجر التونسية ", وكان كلما نشر نصا أرسله لنا بالبريد . وهكذا تعرفنا على الصحافة الثقافية في تونس من خلاله , وفي ذات الوقت كان صديق الحلو يسعى في الداخل لتعريفنا بالصحافة الثقافية السودانية ويبذل مجهودات كبيرة لنشر نصوصنا كأعضاء للرابطة على صفحاتها , حتى لم يبق ثمة ملف ثقافي لصحيفة من الصحف يخلو من كتاباتنا , وان كان النشر غير منتظم بالنسبة لنا , وقتها .
يقول الصادق كباشي في مطلع أحد نصوصه( التي كتبها إبان غربته قبل أن تخدع الحكومة الجميع وتخرج لهم لسانها , بعد أن تآمرت على إعادة كل الطلاب الذين يدرسون خارج السودان بمنحهم وعود كاذبة من سفارات السودان للدراسة في الداخل ليكون الصادق كباشي احد هؤلاء الضحايا الأمر الذي يسهم في اتخاذه قرار الانتحار بسبب عدم إنجاز الحكومة لوعودها التي قدمتها للطلاب عبر السفارات السودانية في الخارج !!.. الصادق أحد ضحايا ما أطلقت عليه الجبهة الإسلامية سياسات التعليم العالي , وبذلك خسر السودان أحد شعراءه المميزين جدا , الذين كانت حياتهم لو استمرت لشكلوا فرقا كبيرا !!..) ..
يقول الصادق في قصيدته التي اشرنا إليها :
نهدك الثلجي مقبرة الربيع ,
أتوه في سماءه أضيع
بكل عالمي الوجيع .. الخ ..
إن لم تخني الذاكرة .. كأنني اسمعه الآن يلقي على مسامعي واحدة من قصائده الجميلة , فكل قصائده كانت جميلة ..لا تخلو من ذلك الحياء الذي يقمع كثير من المشاعر التي يصعب تخبئتها مهما فعلنا ,فشعر الصادق ينطوي على ذاتنا المنهوبة بالحصار والمخاوف والظنون ..
ألا رحم الله الصادق كباشي في عالمه السرمدي , وغفر له بقدر محبته للناس , وللحياة التي غادرها مكرها , كأنه يستجيب لقراءة التوم احمد البخيت لهذا الإذلال الذي تمارسه الأجهزة الأمنية للحكومة , فيتلقف مطلع هتاف التوم احمد البخيت :
خيولي تنهش الأرض َ
تجوب الطول والعرضَ
رماح حولك اشتبكت
سيوف ما لها غمدا
فما أنت ؟
أوطن أن أم منفى ؟؟
هكذا قال التوم وزوار الفجر يمارسون عليه مركبات نقصهم , بكل وضاعة الجواسيس , الذين لا يحترمون أي قيمة . وهكذا تضافر عامل آخر , لتكتمل الحصارات , تعلن بداية النهاية لشاعر عذب حياته حافلة بكل ما هو جميل , مغادرا هذا المناخ المرعب.. آخر شيء رآه قبل مغادرته دائرة حمراء عليها علامة كروس cross رسمها زوار الفجر خلسة على أبواب بيوت كل أعضاء الرابطة ..
نعم قرر كباشي أن يترك لهم هذا العالم , للجميع ..قرر أن يرحل على نحو فانتازي يثير حفيظتهم ويفضح بؤسهم مسجلا موقفا لا تستطيع البصيرة أن تتخطاه .. أشعل النار على نفسه ومضى محترقا تذرو رماده رياح ذلك الفصل الكئيب .
النهاية المأساوية لكباشي قريبة الشبه من النهاية المأساوية لعبد الرحيم أبو ذكرى , فكلاهما قرر أن يترك هذا العالم , الذي ليست لديه قدرة كافية لاحتمال المواهب الكبيرة . كلاهما عانى من الوحدة والغربة والاغتراب .
كان كباشي من أكثر شعراء رابطة الأصدقاء الأدبية تميزا , وكما قال صلاح احمد إبراهيم عن نفسه (انه وحده أغلبية) كان كباشي كذلك بمفرده رجلا أغلبية . وشاعر أغلبية . ولو استمرت به الحياة لمضى شعره أكثر فأكثر وارتقى كفتح من كبرى فتوحات الشعر في السودان , لكنه قرر أن يترك كل شيء ويمضي , فصدمنا وشكّل رحيله علامة فارقة (أتصور ذلك) في حياة الأصدقاء (أو في حياتي أنا على الأقل) , إذ منذها يلازمني شعور دائم بالفقد ..
ادعوا من هنا الأستاذ صديق الحلو إلى نشر كل أشعار الصادق كباشي التي بحوزته في مجموعة واحدة , خاصة أن نادي القصة استطاع الإسهام في تكوين رابطة الكتاب السودانيين وفتح قناة جيدة مع اتحاد الكتاب العرب , وأتصور انه بالامكان الآن أن تصدر مجموعة الصادق عن منشورات اتحاد الكتاب العرب بالتعاون مع نادي القصة ورابطة الكتاب السودانيين وهذا اقل ما يمكن أن يقدمه الإخوة والأصدقاء في نادي القصة ورابطة الكتاب . لشاعر مثل الصادق كباشي . حتى يتعرف المشهد الثقافي السوداني على احد الشعراء المنسيين من ذوي القامات السامقة في زمن تتضاءل فيه القامات باستمرار , إزاء الضغط والحصار بسبب مختلف العوامل .
بعد رحيل الصادق كباشي , لم تعد علاقتي بكوستي كما كانت , إذ بدأت الذاكرة المشتركة تتلاشى فقد تغيرت المدينة وأصبح سكانها يغادرونها بحزن شيئا فشيئا , ما أن يعود إليها احدهم لسبب ما حتى تخطر على ذهنه أبيات قيس ابن الملوح :
أطوف بالديار ديار ليلى
اقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار ملكن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا ..
لم يعد هناك احد ممن نحبهم ونعرفهم لا يزال يسكن المدينة فقد هجرها سكانها ومضوا باتجاه الخرطوم , والقليلين الذين تبقوا فيها أصبحت مشاعرهم باردة بسبب انهيار عالمهم الذي أحبوه , كانوا يرون وطنهم يتسرب من بين أصابعهم ويغيب ..
الوطن ليس جغرافيا نسكنها فهو قبل كل شيء ناس نحبهم سكنوا هذه الجغرافيا , الجغرافيا وحدها لا تعني شيئا .. كان ذلك لسان حالهم .. كانوا مطالبين بتأثيث ذاكرة مشتركة جديدة مع الوافدين إلى المدينة من القرى والحلالات التي تحيط بكوستي أو من الوافدين من بلدات ومدن كردفان الذين بدورهم بداوا ينزحون إلى المدينة التي غادرها سكانها ..
وهكذا أصبحت عندما ازور كوستي اشعر بالذاكرة المشتركة بيني وبينها تتلاشى , ليس ثمة سوى حنين مرضي (نوستالجيا) إلى فردوس مفقود , عالم لم يعد له وجود .من تبقوا في المدينة كأنهم ليسوا هم بل شخوص آخرين إذ لم يعد لتلك المشاعر الدافئة بيننا وجود , يستقبلونك ببرود كأداء الواجب لمعرفة قديمة دون تلك الحميمة . أنهم أشخاص مأزومين وطأ عليهم الدهر بقسوة وحطم كل شيء . وهكذا فجأة أجدني في مدينتي كعابر سبيل , غريب وهو شعور قاتل وخطير , لا يستطيع الإنسان توصيفه ..
(ج) نادي القصة السوداني(الخرطوم) :
يبدو أن بريق كل شيء من عالم الروابط كان يخبو ويذوي بداخلي .ولم استطع التخلص من هذا الإحباط لخوض التجربة مرة أخرى إلا في العام 2000 عندما طرح مشروع نادي القصة السوداني الذي كانت قد طرحته في البداية دكتورة سميرة الغالي كما علمت , وتلقفه بعد ذلك القصاصين صديق الحلو ومحمد خير عبد الله , واحمد عوض , وأحمد أبو حازم , ومحمد اسمعيل , والوليد إسماعيل حسن , وعمر الصايم , وتم اختيار الأستاذ الروائي المميز محمود محمد مدني كرئيس فخري له , والاتصال بكل أجيال الكتابة السردية للالتفاف حول النادي فتم الاتصال برائد القصة القصيرة في السودان الراحل المقيم الأستاذ عثمان علي نور وإبراهيم اسحق إبراهيم , وعثمان الحوري الذي سافر إليه( في عطبرة) خصيصا القاص عمر الصايم .. وهكذا بدا النادي يستقطب الأعضاء فانضمت إليه أعداد مقدرة من المبدعين مثل استيلا قاتيانو , وأخيرا منال حمد النيل .. وآخرين تخونني الذاكرة الآن في استحضار أسماؤهم فلهم العتبى حتى يرضوا .. بدا النادي بداية قوية من خلال منتدياته المنتظمة في منزل الأستاذ محمود محمد مدني , بامبدة ومكتب المحامي الشاعر يوسف الحبوب بضيافة المحامي الشاعر خالد الماحي , وهكذا مارس النادي أنشطته في مختلف ألاماكن : بيت الثقافة , اليونسكو , المركز الثقافي الفرنسي , مكتبة البشير الريح , عمارة المحامين بأم درمان الخ .. وتمت استضافته من قبل اتحاد العاملين في الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون , وأقام منتديات في مركز الدراسات السودانية وفي رواق مكتبة الشريف الأكاديمية استضاف فيها القدال ودكتور عبد الله علي إبراهيم , وعيدروس و محمد الربيع محمد صالح وغيرهم , وقدم للمشهد الثقافي تجربة فريدة تتمثل في برنامج (قصاصون عبر المدن ) حيث سافر أعضاء النادي لإقامة فعاليات مشتركة مع رابطة الأصدقاء في كوستي ورابطة الجزيرة للآداب والفنون في مدني ورابطة سنار الأدبية , وقدموا فعاليات في جامعة الإمام المهدي بالجزيرة أبا .. وهكذا ظل عطاءه يتواصل فطرح مسابقتين واحدة باسم الروائي السوداني المميز إبراهيم اسحق إبراهيم , والروائية الرائدة ملكة الدار محمد عبد الله .. وتمكن من إصدار مجموعة قصصية عن مكتبة الشريف الأكاديمية , تحت عنوان (دروب جديدة :أفق أول_ منشورات نادي القصة السوداني) وجدت هذه المجموعة التي اشتملت على أعمال عشرة من القصاصين أعضاء النادي , رواجا داخل السودان وخارجه ويعمل النادي الآن على إعداد مجموعة قصصية – أفق ثان تحت النشر , بعد أن نجح في البدء في بناء موقع له على الشبكة الدولية للمعلومات (انترنيت) , بعد ان نجح في التنسيق مع اتحاد الكتاب العرب , الأمر الذي تمخض عنه تكوين (رابطة الكتاب السودانيين) , هذا غير إسهامات بعض كتاب النادي في برنامج الخرطوم عاصمة للثقافة , ونشرهم لبعض الأعمال ... لكن لم يتحقق كل هذا الإنجاز بسهولة , فقد اعترضت مسيرة النادي الكثير من العوائق والعقبات بدء بمحاولات التسجيل وصولا للعوائق التي اعترضت عمله بحكم القوانين العرفية للجبهة الإسلامية , مرورا بمحاولات الاستقطاب الحزبية للنادي , وصولا للصراعات التي حاول البعض افتعالها داخل النادي تنفيذا لأجندة خفية مريضة , تعكس مدى بؤس الحرس القديم في الحركة الثقافية .
سأتوقف هنا لاستعراض نماذج لاثنين من القصاصين هما : (1) محمد خير عبد الله (2) علي عيسى علي . الأول من كوستي وعضو نادي القصة والثاني كان عضوا في رابطة الأصدقاء وهو الآن عضوا في نادي القصة , بعد ذلك سأعود لنصل معا الى خلاصات حول موضوع هذه الذاكرة الثقافية :
النماذج
أحمد ضحية
12-02-2005, 11:57 PM
النماذج
(1) محمد خير عبد الله
مقاطع من هذيان كاتب كهل
بعد أن هده التعب , جلس الكاتب الكهل على صخرة يلعن حظه وتأمر المؤسسات الرسمية وتجاهل النقاد لما يكتبه من إبداع فريد , هذا ظنه , وتباعد الشهرة , التي سعى لها بإخلاص – عنه , فأنقلت ذهنه ويده تكتب .
المقطع الأول
أندهش ذلك الشاب لما بدر عنه عندما أحس بالحب ينمو بداخله ويصوص بين ترائبه نحو الفتاة التي شاركته الجلوس بالمقهي الشهير الذي يقصده العشاق في بداية
علاقتهم لإعلانها وهم يرشفون المشروبات . وقرر أن يعلن حبه لها . ففتح فمه بعد أن رسم البسمة المعتادة في مثل هذه المواقف ليقول : أحبك .. فخرجت من بين شفتيه : أكرهك . أندهشت الفتاة وتحولت البسمة الخجولة التي استجلبتها من خبرة أنثوية متجزرة في التاريخ استعداداً لسماع كلمة : أحبك . إلي غضب . فحملت حقيبتها وخرجت , أوقفها أحدهم – يقر الكاتب أنه لا يعرفه – وسالها عمن أغضبها . أرادت أن تقول هذا التافه قال أنه يكرهنى فخرجت من فمها : هذا الرائع قال يكرهني . أراد السائل أن يقول : لا تستحقين هذا يا جميلة .. فوجد نفسه يقول تستحقين هذا يا دميمة .
المقطع الثاني
أعتادت إمراة أن تنادي زوجها – كل صباح – بغنج ودلال : يا أبو أولادي .. وجدت نفسها ذلك الصباح تناديه بنفس الغنج والدلال : يا أبو أولاد عشاقي . غضب الرجل وهم يصفعها وشتمها : يا خائنة , فوجد نفسه يصرخ فيها بغضب : يا صادقة . أرادت أن تعتذر له عندما رأت غضبته السودانية , أنها تمزح فقط فوجدت نفسها تقول : إنها الحقيقة .
المقطع الثالث
رئيس تحرير الصحيفة الذي كان يبدأ يومه بمدح العاملين معه حتى يعطيهم دفعة معنوية – كما يقول – وجد نفسه ذلك اليوم بعد ان جمعهم أمامه يصرخ : أنت لا علاقة لك بالصحافة ولولا قريبك الوزير لما تركتك تخط سطراً معي . وأنت عمودك كاعمدة المستشفيات الحكومية لا طعم ولا رائحة . وأنت لولا جمالك لما أصبحت سكرتيرة لي .. أين جمالك الآن ؟! لقد انزوي .. أغربوا عن وجهي .. خرجوا منه والغضب قد تملكهم وامتلات جوانحهم حقداً والعيون دمعاً فقط .. السنتهم انطلقت : أنه رائع .. إنه أحسن رئيس تحرير .. أنه نبيل .
المقطع الأخير
قرأ الكاتب الكهل مقاطعه هذه فانشرح صدره وتخيل نفسه قد الجم النقاد .. ورأى نفسه على شاشات التلفزة وأغلفة المجلات فهب من صخرته تلك رافعاً يده وفاتحاً فمه ليهتف بجمال قصته هذه فخرجت من فمه : هذه أتفه قصة قرأتها .
((نضال))
لا يدري أفرح هو أم حزين ؟ ها هو الموعد يقترب كما حدوته تلك المؤسسة عبر الصحف , وهذا ما سبب له ضيقاً , وقتل فرحته الخطاب الذي تسلمه منها تعلمه فيه أنه الفائز الوحيد بتلك الجائزة , مع
تنبيه له بالحفاظ على السريه التي لم يستطيع تنفيذها , فقد اخبر أول صديق قابله لما انتبه لفرحه , أقسم أنه لن يخبر أحداً , ومع ذلك علم الجميع أتوه زرافات ووحدانا , أولهم ذلك الكاتب الاصلع الذي لم يزره في مكتبه قبل هذا اليوم , أتاه مهنئاً – هذا ما زعمه , راسماً ابتسامه لم تخفي نقاقه , في نهاية الزيادة اعلمه حاجه الماسة لبعض المال – طالباً أن لا ينساه , كسلفيه يردها عندما تتحسن الأحوال , وعده خيراً . في المساء وجد زوجته في انتظاره معها بعض الجارات , الابتسامات غطت وجوههن , خيل له أنها لشخص أخر , إنهالت عليه مطالبهن , هذه تريد ثوباً وتلك تتمني حزاءاً وثالثة تريد أن تسافر لابنتها , التزم أمامهن ولسانه يردد أنها اشياء قليله وزوجته تؤمن على كلامه بعد ذهابهن شبهته بحائم سخريه , وهي تعدد في ما ينقصهنا وبناتها , ثوباً وقميصاً وحزاءاً لها ولهن , وأن لون الطلاء قد بهت وأن الكرامه واجبه لتبعد العين في هذه اللحظة هاتفه صدق مهنئاً ولم ينس ان يذكره أن زوجته بالمستشفي ويحتاج لبعض المال وسيرده تذكر زملاء المكتب لابد أن يشملهم شيئاً , قال لنفسه , استحضرهم بذهنه , أكثر من مائة , وجبة أفطار تكفيهم تقاطر الجيران وبعض الأصدقاء , اكتظ البيت بهم , سيذهبون معه لاستلامها , إذاً يحتاج سياره لنقلهم , ستبتلع قيمة الجائزة , قال لنفسه , واستمر , احتاج حزاءاً فالذي انتعله ناضل ربع قرن معي , وقميصي قد من دبر ومن قبل , والبنطال صار باهتاً وبه من العيوب ما لا تخطئه عين عمشاء وأريد عطراً هذه أمنية قديمه راودت خياله كثيراً – وأريد أن أدخل ذلك المطعم الذي حلمت بنفسي تلتهم طعامه الشهي , لكن ماذا افعل مع الأصدقاء ؟ لن اعطيهم شيئاً , نعم لهم مواقف مشرفه معي ؟ أنا مالي , فليذهبوا للجحيم , أن ساعه في اليد خير من صديق وقنينه عطر ولا فتاة حسناء , ساتخلص منهم جميعاً , زوجتي أولاً , لكن كيف ؟ منذ أن علمت أني ساقبض مليوناً من الجنيهات صارت إمراة أخرى , تكشيرتها الدائمة أصبحت مبسمه وغضبها تحول لغنج , تخرج باسمه , لبتني طلقها قبل أن تعلم لا . لا . ساتسلل خلسه وأتركهم في قمة فرعهم , أه تذكر , سيعلن فيهم رفضه للجائزة وهذه فرصة ليصبح مناضلاً , وسيكسب أكثر , هنا طار حزنه وتأكد من فرحه .
قطرة الحليب
استيقظ متلفتا ويده على بطنه الخاويه هبط من العنقريب زاحفاً نحو أواني المطبخ , فراغها ذاد رغبته تناول معلقة ووضعها على فمه فانزلقت لجوفه , بعد استقرارها مد يده وتناول الحله وابتلعها , كذلك فعل مع الدوكه والصاج وقفل راجعاً نحو العنقريب وكان مصيره في جوفه , في نفس الوقت كانت أمه تسرع الخطى بثديها الذي جف من اللبن ويدها خاويه من طعام رغم ذلك قلبها قد سبقها نحو القطيه , أحس باقترابها فأختبا خلف الباب , اندهشت من خلو القطيه فالتفتت باحثه عنه فراته وانحنت لتحمله – وهي باسمه – فتح فمه وابتلعها ثم خرج من القطيه وابتلعها وتحرك نحو قطيع الاغنام وبداً يلتهم فيه وكذلك القطاطي وفي الصباح كانت القرية قد اختفت في بطنه حتى فريق التعداد السكاني الذي آتي ليمهد للانتخابات العامه كان مصيره في بطنه ولم يدروا أن المحافظ قد اتهمهم بنهب الأموال العامه ليخفي سرقته – عندما طال غيابهم وأرسل وقد للبحث عنهم متمنيا ان لا يحدهم ، خرج الفريق المكون من شخصين وسائق السيارة وساروا بسرعه . السرعة كلب يطارد فريسه ومرت الساعات حتى اذنت الشمس للمغيب – بالحضور حينها ايقنوا من ضلالهم فأخرج رئيس الفريق البوصله التي قادتهم لمكان القرية التي اختفت وتجولوا فيه , هنا كان المسجد وهذا مقر المدرسة وهذا منزل العمده وحين ايقنوا باختفائهم وقرروا العودة وقعت ابصارهم على طفل صغير , اندهشوا لوحدته وأعادت اعينهم التلفت فلم ترى شيئاً حملوه معهم بالسياره وجلس احدهم بجواره وجلس رئيس الفريق جوار السائق وانطلقوا عائدين , تحرك الطفل وبسرعة خاطفه قبض على جاره والتهمه ثم تحرك للامام وبنفس السرعة ابتلع رئيس الفريق وتبقي السائق الذي لم يشعر بشئ إلا عندما لم يرد عليه احد فتلفت ولم يجدهما , داس على كابح السيارة واوقفها وهبط منها وجلا وتاكد من إغلاق الأبواب دنا من الطفل الذي وجدها فرصه سانحه ليبتلعه ولم يضعها – ولما طال غيابهم انزعج المحافظ رغم اطمئنانه لا يلولة المال المسروق له . وقرر السفر بنفسه , فتحرك بالطائرة ومعه مساعدوه وحين ارادوا الهبوط هبطت الطائرة على فم الطفل المفتوح فما كان منه إلا أن اغلقه وبعدها تحرك نحو العاصمة الوطنية للبلاد وبدء الابتلاع من اطرافها زاحفاً نحو العمارات والمدارس والكنائس والمساجحد حتى قضى عليها وتبقي أمامه شخص يحمل جردلاً من اللبن راه وفر هارباً والجردل بيمناه والطفل يركض خلفه وكاد يقبضه فما كان منه إلا أن رمى الجردل الذي امسك به الطفل وبدا يشرب . ويبتسم للمرة الأول . بسمه وضاءة وشع وجهه نورا .
شجرة الحنيماب
سيداتي , سادتي , ولي أن أقول عكس ذلك .. أريد أن أقص عليكم ما لا تصدقونه ولو اقسمت بعيني حبيبتي . لكن إذا ذهبتم لمدينة الحنيماب قبل أن تسالوا ستجدون وراقاً متلصقاً بجذع شجرة .. لا تتمعنوا فيه ولا تظنوا أن به مساً .. بل تأكدوا من ذلك .. وهل من حدث له ما ساقصه عليكم يبقي بجمجمته عقل ؟ ولكن قبل ذهابكم دعوني أقصها ..
كان هناك وراق يستظل بشجرة .. لا .. لا هذه بداية كلاسيكية أو هكذا سيقول ذلك الناقد الذي لم ينشر قصة لي .. كنت أزهو بها وقال لي .. هذه ليست قصة ومضى يقول أنت مصاب بالجنيميا !! أذكر كدت أبصق عليه وأرد : أنت لا تفهم أكثر من حبيبتي .. حينما قرأتها لها طارت من الفرح وقبلتني في الشارع العام .. لذا سأغير البداية لعن الله النقاد .
في مدينة الحنيماب شجرة وارفة أظلت الأف الناس بائعي بخور .. وعروق محبة .. وأدوات زينة , وأعشاب طبية على كل مرض قديرة ورغم ذلك فلا تزال المستشفيات مطية للمقابر الزاحفة نحو قلب المدينة .. منذ عامين استظل بها وراق دب براسه الصلع وهب يعرض كتباً لفظها أصحابها مقابل كوب اشي أو ساندوتش .. حوله كذباب على جلد مدبوغ جلس زملاءه ومن هنا تبدأ القصة .
لاحظ الوراق نقصان كتبه فاتهم جيرانه سراً ومع تكرار الظاهرة اتهمهم جهرة وتشاجر مع بعضهم ولم يلتفت لقول أحدهم : أسال الشجرة !! ظنها دعابة .. ولو رفع راسه لرأى بعض الكتب لم تهتم بعد وأخذها وأراح نفسه وأراحني من كتابة هذه القصة .. لمنه لم يفعل وها أنذا أواصل الكتابة ..
في صبيحة الغد جاء مبكراً واضعاً كتاباً واحد أمامه .. مبلحقاً فيه كحرباء رأت فريسة أمامها .. منفصلاً عما يحدث .. منتبهاً لأى حركة .. متوجساً كلص في لحظة عمل .. ومتحفزاً كجندي في حرب يجهل جغرافيتها .. حتى النمل الذي مر امامه لم يسلم من بطش حذائه والزمن يمضي وكاد المغيب أن يبتلع الشمس وهو في حالته تلك .. تدلي غصن وأخذ الكتاب فالجمته المفاجاة وقفز كإمراة رأت زوجها يخونها وظل يصرخ : الشجرة .. الشجرة .. شاخصاً بعينيه لأعلى فتجمهر الناس وتأهت الأعين بينه .. كان واضعاً يديه على ما تبقي من شعر راسه والشجرة فتحولق البعض وارتجفت أوصال وهرول مؤذن يصدح لا إله إلا الله القيامه يا ناس .. فاكتظ الميدان بالناس والشائعات وكثر اللغط وتناسلت الحكايات .. قال أحدهم إنها تغازل البنات وقال آخر إنها تقرا الشعر وترتل القرآن بصوت شجي ومن بينهم عجوز همست : إن مكانها قبري ولي .. واسترسلت : الله يلعن الخواجات ما ازرعوها إلا في قبر شيخ الحنيماب ؟ وصفقت بوهن وكادت تمضي فوسوس شاب يقف خلفها كاتماً ضحكة خبيثة : إن ورقها يعيد الشباب .. فتسمرت العجوز في مكانها وطار قلبها نحو الشجر وقال آخرون يقسم الكاتب أنه لا يعرفهم .. إن قطعة من ساقها تنشط الذاكرة وتعيد الغائب وإن ثمارها بعد أن تغلي بماء تعطي الرجل قوة مائة حمار .. وانتشر الخبر بين المدن والفرقان وخرج لكل صوب الشجرة وتسلل بعض مواطني دول الجوار لمشاهدتها والتبرك بها بل ان هناك طائفة أدعت عبوديتها .. وتأزم الوضع ولكن صيحة من رجل اعمى سمع بأنها تعيد البصر انقذت الموقف .. فقد أندفع نحوها صائحاً : اقطعوها .. فالتحمت الجماهير بها الكل يمني نفسه بأخذ شئ منها ..
أحمد ضحية
12-03-2005, 12:00 AM
محمد خير عبد الله : رائحة البطولة
"حاوحش" هذا ما كنت أردده ليلة البارحة في منامي قالت لي أمي :واسترسلت ربما أخذك حمار النوم وضحكت بصوتها الموسيقي وأغرورقت عيناها بالدمع: نظرت لها بخوف .. ربما علمت ببولي على السرير .. ما زالت توزيع حانياتها على جلستها .. قلت لنفسي بهاتين قتلن أبي عشقاً .. أتذكره حينما يتعجب منه جدي كيف تزوجها بعمشها هذا ؟ كان يرد يكفي أنها تراني جيداً .. وبدأت أتمعن فيها وأعيدها لسن الشباب حتى أعرف ذوق أبي في النساء .
لا تتوقعوا مني أن أصفها لكم .. هل نسيتم أنها أمي .. انتشلني دخول بعض الجارات من التمعن فخرجت ولم اسمع تعليق خالتي .. بالتأكيد ستقول كلاماً جميلاً عني .. فهي تريدني زوجاً لابنتها "محمد ولد" التي ضربتني في القردود أمام أندادي عندما كنا نلعب الرمة وحراسها .. ضربة أفقدتني الزعامة التي أخذتها عنوة عندما قدت تمرداً في الخلوة أثر فلقة أخذتها لما أحضرت بنت الجيران خطاب غرام به سهم وقلبين أرسلته لها .. أذكر كنا نهتف ..
يسقط سيدنا
لا شيخ بعد اليوم
الكنيسة ولا راجل نفسية .. ونفسية هذه زوجته تلك اللحظة – كمعظم الثوار – نسينا إحسانها فينا وإطعامها لنا .. آهـ كانت إمراة طيبة كزوجها الذي قابل تمردنا بابتسامة وتم تنصيبي شيخاً للجيران .. وكنت أحسبه نصراً ...
عدت للبيت كان مكتظاً بالنساء يساعدن أمي في ضفر برش لمحت خالتي بينهن على بنبر تمشط في إحداهن لمحت شلوخها فقط قابلتني الثرثرة .. كل الأولاد في سنه يبولوا في السرير ..
.. آي .. آي ... آمنت أخرى ...
... خلية لسع لد صغير ....
أيقنت أن الحديث عني يدور .. قلت لنفسي ...
القردود إذا .. في تلك اللحظة وقع بصري على العراقي الذي ارتديه ببقعة الصفراء والبنية .. انحنيت عليه بعد أن دففته بطرف يدي وشممت رائحته فعلمت سر القوة التي تهزم من أصارعه فحزنت .. حملت حزني وجلست بعيداً أنظر لاندادي يتراكضون نحو القردود ليسمروا بعض الصبايا خرجن لمشاهدة الصراع .. اكتمل عددهم وأنا جالس مكاني بدأ الصراع .. استحضرت ذهني في استحضار ما يرتدونه وشكلت من نفسي محكمة .. وبدأت العمل .. هذا ؟ .. لا .. لا .. فلان ؟ .. لا .. علان ؟ .. لا .. حين تسربلني الياس انطلق لساني ينطق بالحكم كلهم ابطالاً ..
سكينة الامنيات
... يجب أن يموت أحدهم !! قالها بحزن عنكبوت مقبل عليه عيد بمنزل اثري أصحابه فجأة ؟ وأطلق ساقيه في دروب القرية التي يحفظ عدد زرات رمالها وروث بقر حاج عبد القادر الذي جعل مهنه "الجعران" شاقه قابله عيسي صديقه الذي هجر المدرسه ولم يعلق بصدره منها سوى طلع البدر علينا وخوف يوم السبت عندما يطل عليهم الناظر في طابور الصباح بنظافته التي جعلته جسماً غريباً بالقريه , يبحلقون فيه ببلاهة وهو يبحث بين ثنايا شعرهم عن قمله تنام مطمئنه أو رياله باتت حتى الصباح على خدودهم أو ظفراً لم يجدوا له مؤسساً تهزم تطاوله , كانت تفوح منه رائحة البصل والخمر الوطني , يتجشا ويسب الناس الذين تهكموا من نبؤته التي لم يستفد منها سوى هروب حبيبته فتح عينيه حينما رأه , وصاح فيه , هل تعلم أن عبد العليم قد مات ؟! ارتبك وغمرة فرح طاغ. أن الأمنيه تتحقق . هكذا قال لنفسه , سيثبت ذلك لأمه , ليتها لم تمت , لكن هاهي صورتها تتماوج امامه ,كما كانت قبل أربعين عاماً , كان يتلاعب مع أخته , تذكر تلك اللحظة تماماً , كانا يتضاحكان . أو بالأحرى هو من يضحك ويداعب لم ينتبه لسكونها , فقد كان فرحاً كبقرة وجدت نفسها في حوض برسيم غفل صاحبه , لذا عندما دخلت أمه وأخذتها صرخ فيها لتتركهما يلعبان , جاوبته بدمعتين واضطراب وجه وخفقان قلب إسراع خطي , تتبعها ممسكاً بطرف ثوبها , ولجأ غرفه أخرى وضعتها على السرير وأطلقت صرخه حزينة , جمدته كتمثال وتجمعت قواه في عينيه , فراي عرولة النساء بآليات حتى أكتظت بهن الغرفه . وراها بين ايديهن يغسلنها . أدهشه صمتها وهي التي علمته الخوف من الماء , عندما كانت تملأ يدها وترشه بها ، وتزكر كيف هو الاخر يخيفها دنا منها وملا يدة ماءا ورشها به وهو يصيح الموية جاتك . لم تتحرك وان ارتفع عويل النساء اخزته امراة بعيدا وهو يصرخ ، اريد ان اكلمها فلم يسمع غير دمعة على خد المرأة مزوجة اسكت يا حبيب قساي فأيقن أنه الموت , ومن يومها صار يتمني موت أحد الأصدقاء حتى يتكلم معه بالذات الحبيببات , كلما ازدادا حباً لأحدهن تمني موتها وكم من المرات هم بقتل حبيبته الأخيرة لكي يسمع كلامها بعد موتها , جال كل هذا بخاطره ونسى موعده مع حبيبته التي تغرم بفلجته , فمشي بعيداً عن عيسي ومقترباً من منزل عبد العليم . والعرق بنز فاتبلت ملاب سه يكلم نفسه جهراً ويتمتم , يقف في منتصف الطريق ضاحكاً وحينا يهرول وينحني يتناول حجراً ثم يتحسس السكين على ذراعه , ومرات يضع أصبعه على فلجته التي احرتتها له حماره في مراهقته , حتى ارتطم بالباب , لم ير تجمعاً فحزن وكاد يعود قائلاً لنفسه إن عيسي يكذب . جمع قواه وطرق الباب وجد عبد العليم أمامه , ارتفع ترموتر غضبه أغمض عينيه , وازدادت ضربات القلب , وخرجت جوارحه عن وظائفها القلب لتاريخه والعقل لاخته وامتدت يده واستلت سكينه الامنيات – كما يسميها – وبدأ الطعن في عبد العليم الذي اختلط شهبقه شهيته بزفيره , وهوى جثه هامدة والدم بنز منها كبطيخه ناضجة وقعت من جمل على اسفلت جلس , ولبس قربها وبدأ يسالها ويامرها بالكلام , سال سال فلم يسمع شيئاً , ونا منها وأخذ بفكيها بفتحها ويغفلها ويصرخ تكلم . تكلم . تكلم .
شهادة ميلاد
جالس كان , الصمت والتوتر رفيقاه , بفمه دعاء وعيناه ملتصقتان بالباب , راها خارجه هرول نحوها .
... مبروك يا استاذ .. بنت !!
قبل أن يتقولب إحساسه عاجلته
... هل أخترت لها إسماً ؟
كانما صبت على راسه جبلاً من جمر , جمع شتات روحه لتمهله دقائق .. ذهبت ها هي الدقائق تمر أجهد نفسه وأطلق ذاكرته في استحضار ما تخزنه من اسماء , أولها حضوراً ايمان , ردده مثني وثلاث وتساءل من أين أتاه ؟ نبش الذاكرة , في قاعها وجده , أول من نبض لها قلبه , نذكر موقفاً له معها , أغمض عينيه – لا إرادياً – حياءاً إن بها خفة عقل , فاستبعده , أطل اسم مي , ارتسمت بسمة على شفتيه تبعتها تنهيده . أين مي ؟ نحاه جانباً توقف عند مروه , تذكر أنها تضرب زوجها – أو هذا ما سمعه – تجاوزها لفاطمة معلمته صاحبة أول صفعة ارتجفت لها خده .. هب من جلسته صائحاً وجدتها وجدتها , مني !! تراجع لما استحضر علاقتهما , فتاه شرهة أكول يبدو أنها تربت في أسرة متزمته رغم جمالها لا تجيد فن الاستمتاع بالحياة . في هذه اللحظة ظهرت الممرضة .
... هل اخترت الاسم يا أستاذ ؟
... لا أريد لابنتي أن تحمل إسماً !!
... يا أستاذ هذه أوراق رسمية تقول من حق أي مولود أن يحمل إسماً ..
قبل أن يرد رفع راسه نحوها , قابلته ابتساماتها الوضاءة بوجهها المشع فسالها ..
... ما اسمك ؟!
.. مها ... أجابته .
أعجبه وهم بأن يتراجع ويلصقه بإبنته لكن ذاكرته أعادته لعلاقة قديمة مع هذا الاسم , فتحوصل بصمته .
المانوس
انطلق الصغير بخارم وصديقه شخارم بين الحفر وجذوع الشجر ليخبرا قاطنيها بدعوة كبير العفاريت شهروت لهم مشاركته الاحتفال بعودة ابنة عزازيل سالماً بعد أن اختطفه أحد البشر وإصابة بالا نوسه التي لا يشفي منها إلا ذو حظ عظيم .. حضر جميع عفاريت شياطين ومردة وابالسة تحدوهم رغبة عارمة في سماع تجربة أحدهم في الانوسة . وجدوا شهروت بمساعدة بعض صغارهم قد أعد لكل واحدة حفرة ليجلس عليها فهم خلاف البشر يجلسون على رؤوسهم وبعد تناول المقرفات – كما يسميها البشر . التي قدمتها جنيات صغيرات تتقدمهم حزازيل هب شاعرهم وانشد معلفتهم الوحيدة والتي مطلعها .
ملانا السماء حت ضاق عنا
وبنى الإنسان نركبه حينا
إذا تعلق الواحد منا انسانا
يسميه اخوته مجنونا
وقد تباروا في التصفيق مع أنهم يحفظونها – وكما هو معلوم فالجن يصفق باذنيه وذلك بتحريك راسه يميناً ويساراً فترتطم أذنيه ويحدث الصوت وبعده تقدم الابن المانوس عزازيل ليتحدث تعلقت به الارجل تنظر مندهشة وبجانبه جلس والده شهروت فرحاً فها هو ابنه يعود سالماً وقد شفي تماماً رفع رجليه وبدأ يتلكم فحكي لهم أنه كان يلعب مع اصدقائه (جن وانسية) فوجد نفسه بعيداً عنهم فراى فتاة من البشر تتبول اعجبه منظرها فتحول لاعصار وجري نحوها حتى ارتفع الفستان ودخل وبدا يصف في البول حتى اشتهاه الجميع ولم يهتم بالحزن الذي ارتسم على خطيبته والغضب على والده الذي تدخل وإمراة بمراعاة مشاعرها وكيف وهو الجني سليل النسب والحسب يعجب بواحدة من البشر ؟ التفت لخطيبته معتزراً وهو يفهقه .. لا يهمك هذه حالة شاعرية انتابني يا خراء هذا الاطراء اعجبها وانتفخت زهوا وهي تنيص لكن الذي أغضب والده وجعله ينتفض هو دخوله من ذلك المكن تدخل بعض الحضور لتحصر عمته . فوجدها عزازيل فرصة ليواصل حكايته ... هؤلاء الناس ضعفاء جداً لا يستطيعون فعل شئ دون مساعدتنا ومنهم من يعوذ برجال منا و أقوي واحد عندهم من يزعم لهم أنه يسخرنا ارتفعت الارجل مندهشة وهي تتسائل : يسخرنا ؟؟ لم يهتم وواصل سرده . وهذا له مكانه كبيرة عندهم ويرهبونه . تقدم أحد الحضور وقاطعه : بماذا يسخرنا ؟ رد عزازب ل : يسخرنا بشئ اسمه الذئبق الأحمر .. الذئبق الأحمر رددت الأرجل . قهقه عزازيل .
ما عرفتوه يا جماعة ؟ اجابته ارجلهم صمتاً الذئبق هذا هو الخراء بتاعنا . قالعا هو يضحك فاشترك الجميع في الضحك دنا أحدهم وساله : أوصفهم لنا ؟ اعتدل في جلسته قلت لكم أنهم ضعاف البنية ويمشون على ارجلهم وياكلون بفواههم ويرون يعيونهم ويسمعون بأذانهم . ارتفعت الأرجل مندهشة وهي تتخيل في صورة هذا المخلوق الغريب وقف عزازيل ليقلده لهم لم يستطيع أن يخطو خطوتين فوقع . اشترك الجميع في المحاكاة مما جعل المجلس يضج بالضحك . وفي قمة قهقهاتهم وقف شهروت وقال : هذه مناسبة بعد شفاء ابني الحبيب اريد أن يتم فرحي بزواجه من خطيبته حزازيل هنا ابتسمت وكادت تصفق فرحا لكي عزازيل الذي لا زالت به بقية أنوسة سالها : قلت شنو يا بنت الناس ؟ انتحر الفرح بداخلها ونما الغضب مكانه كيف يجرو ويسبها هكذا امام قومها ووالدها الذي هب واقفاً وامسك بعزازيل من قدميه وصار يخنقه وكاد يقتله ثم قذفه بعيداً بعد ان اشبعه سباً هنا تدخل كبير العفاريت شهروت مزمجراً كيف يشبه ابنة باولاد الناس وشاركه بعض العفاريت في الزمجرة التي انعكست على الناس زلازلاً وبراكيناً .
أحمد ضحية
12-03-2005, 12:03 AM
محمد خير عبد الله : مجري مائي صغير ..
... كعادته جاء السيد عبد الرحيم لمكتبه .. جلس على الكرسي متجهاً بكلياته نحو الباب في انتظار سكرتيرته الجديدة تحمل له كوب القهوة الذي يبدأ به يومه ليقابل زبائنه بهدوء وارتياح .. أو هكذا كان يقول : دخلت السكرتيرة فقابلتها ابتسامته النقية .. وأدهشها التنظيم والجمال الذي ينم عن ذوقه .. فقد عرف عن السيد عبد الرحيم عشقه للنظام الذي يتناقض مع شكله الخارجي .. كرشاً مترهلة كحكومة عسكرية في أواخر أيامها .. وبنطالاً يتخاصم مع لون الحذاء وقميصاً كمهرج في مجلس حكماء وأطناناً من اللحم تقاسمت جسده .. قبل أن تمتد يده لتناول القهوة .. رن الهاتف فتوجس وانتبهت حواسه لهذا التوجس فقد كان رنين الهاتف موسيقاه المفضلة فعبره أثرى واكتسب مكانته كرجل أعمال مميز .. باضطراب رفع سماعة الهاتف فمسع .. أنظر من نافذة مكتبك عند العاشرة تماماً ستاتي فتاة في العقد الثالث من عمرها .. على جيدها عقد ترتدي قميصاً أحمراً .. تحمل حقيبة جلدية .. أنظر لها جيداً وانتبه .. في العاشرة وخمس دقائق تأتي ثلة من الجند يركضون خلف صبي ناحل .. ليرونها فتعيد العدل لقلوبهم .. فينجو الطفل .. وفي العاشرة وعشرة دقائق يظهر خمسة شبان تسترعي انتباههم وقفتها فتقفز من أفواههم أربعة أبيات غزلية – لا تندهش لأن خامسهم أبكماً .. في العاشرة وخمسة عشر دقيقة تتحرك الفتاة من مكانها مقتربة من عمود كهرباء فتضئ لمبته .. وفي العاشرة وعشرين دقيقة تأتي عربة اسعاف يسفح لها لتمر ويسكن صوتها المكان وفي العاشر وخمس وعشرين دقيقة ترى الفتاة شيئاً غريباً فتضحك .. وقبل أن تكمل ضحكتها تأتي عربة زيتيه اللون يري سائقها المخمور الضحكة الوضاءة فيرفع يده من المقود ليزيل الدهشة التي لونت عينيه فتفقد العربة تعقلها وتنحرف عن الطريق وتدهس الفتاة ...
تدلت شفاة السيد عبد الرحيم واليد لا تزال تمسك بالسماعة وتضغط عليها كشئ مخيف وغطى جسده العرق رغم برودة المكتب وجحظت عيناه وضغط جبهته ليتذكر هذا الصوت , أعمل عقله وعاد بذكراته لكل الأصوات التي سمعها في حياته ولم يفلح في تحديد صاحب الصوت أو صاحبته وتساءل لماذا العاشرة ؟ هل هذا الرقم مقدس ؟ وبدأ في استحضار الديانات وأرقامها المقدسة ولم يجد أثراً فقد ارتبط هذا الوقت عنده بساعة الإفطار في كل مراحل التعليم وفي هذا الوقت طلق والده والدته عندما تأخرت في إحضار شاي الإفطار وفيه – أي هذا الوقت – أتم أول صفق تجارية في حياته .. فيه أنجب مولوده الأول .. ولم يتذكر شيئاً آخر مهماً فضم يديه لبعضهما فوقع بصره على الساعة في معصمه .. فكانت العاشرة .. فاتجه نحو النافذة وطفق ينظر .. شاهد الفتاة بأوصافها التي سمعها بالهاتف .. تمعن فيها فرأى تقطيبة لا تخطئها العين على جبينها .. بل كاد يشاهد عينيها تزرفان دمعاً .. تصلب في وقفته تلك وطفق ينظر .. .. .. في العاشرة وخمس دقائق راي الصبي الناحل و خلفه ثلة من الخبر فتساوي شكه مع يقيته وفي العاشرة وعشره أتي الشبان الخمسة فارتفع ترمومتر يقينه .. وفي العاشرة وعشرين دقيقة أتت عربة الإسعاف فاكتمل إيمانه بما سمع وأحس بمسئوليته أمام هذه الفتاة البريئة وقرر أن ينقذها من المصير الذي ينتظرها ففتح باب المكتب وخرج مهرولاً وعيناه على الساعة يصيح .. لا .. لا .. فوقع في مجرى مائي صغير حفر ذلك الصباح لينقل نفايات بعض البنايات .. رأت الفتاة منظره فضحكت وكانت الساعة العاشرة وخمسة وعشرين دقيقة ..
موعد مائي
( الارصاد الجوي ) هذه اللافتة الوحيدة العالقة بذهني ، منذ الطفولة لا ادري لماذا ؟ كلما امر امامها احس ان هناك من يربطني بها ، حتي كان صباح ، رايتها تدخلها ، تتبعتها ، خزبتني ابتسامتها وقلبي يحدثني ، انها لك ، حاصرتها بحضوري اليومي ، حفظت وجوه العاملين الذين عرفوا انشغالي بها ، هاهي الان تتفضل وتجود لي بموعد غدا صباحاً في الحديقة العامة – شملتني سعاده وغمرني فرح في انتظار الغد – الذي طال – سأدرب حنجرتي علي الكلمات العاشقة وشفتي علي الهمس ، انفتحت شاشة خيالي ، رايت ايدينا تتشابك وقلبي يذوب في بسمتها ، بصرها مرميا علي الارض – حياءاً – نتسابق علي قطع عشبه تطاولت علي رفيقاتها ، فيسبل دمها الابيض ، تمتد يدي وتقذف حجرا غازلها – كمراهق اشتر – من تحت الصحيفة التي اتخزناها بساطاً ، اغلقت الشاشة وبدات في اختيار زيا يلائم فرحي ، انادي اختي لتشاركني ، تتعجب امي ، ادندن = عندي موعد مهم – كذبة لا تضر ، تغرف من صحن دعواتها وتطعمني ، تقمع اختي ضحكة خبيثة ، اختار قميصا اخضرا يتناست مع فرحي ومتماهيا مع عشب الحديقة وبنطالا ابيضاً كقلبها ، ابدو وسيماً ، هكذا قالت اختي ، اتحرك نحو المراة تتفق معها ، تغادر اختي الغرفة ، اجدها فرصة لاقول لنفسي جهراً. صدقتا غدا صباحا امر علي صديقي عبد العليم لاغيظة واخبره اني ساقابلها اليوم . لن احدد المكان والزمان له ، حتي لا يتطفل ، ربما لا تاتي فيشمت ، اؤكد لنفسي ستأتي انا واثق فهي من اعطي الوعد ، لن يصدقني انا اعرفة جيدا ، هذه انسانه متعجرفة ، هذا قوله ما الذي يجعلها ترضي بك ؟ يغيظني سؤاله، اذكر ليس بالجمال وحدة تخدع البنات ارد . يضحك ساخرا : عاشق مفلس !! كلامه مقنع لكن من يقنع القلب ، تمتد يري – لا اراديا نحو التلفاز تطل حسناء اقارنها بها ، يشغلني مزيع اخر يعتقلني قوله ان السماء ملبده بالغيوم وان امطارا ستهطل غدا خيل لي انه يقصدني ، وان ضحكته استهزاءا بي ، اه تذكرت انه زميلها في المكتب واول من انتبه لحضوري لها ، اعود لداخلي ثانية تحدثني نفسي ان اهاتف مصلحة الارصاد يؤكد لي احدهم صحة ما سمعت ، اتف علي الهاتف بغضب ، تخيلت ان الموظف رفع يده ومسح حزه انطلق لساني يلعن الامطار الم تجد وقتا غير هذا ؟
تمتد يدي للهاتف واهم بمحادثتها لئلا تخرج غدا وهذا يدعم حبي لها واهتمامي بها ، اتراجع وحديث عبد العليم يطن باذني لن ترضي بك ، لا يخلو من صدق ، ربما تضايقت من ملاحقتي لها والا لماذا اختارت هذا الوقت ؟
بلغ توتري مداه والهواجس تتناسل بدماغي ، افتح النافذة الليل قد انقضي والصبح في العاشرة ، الوم نفسي واخرج راكضا وفمي بلوك في الاعتزارات لم اهتم بالامطار المنهمرة والعواصف ، اجد حافلة تلتقطني ، سرعتها حيدت من موقفي سائقها مبني في الشارع ومبانية رايتها تشبك يدها مع اخر ، يتفاسمان ضحكة واحدة امام مبني اعرفه جيدة ، فقد ترددت عليه كثيرا رفعت راسي ، صدمتني اللافتة العالقة بذهني .
جنون صاحب العيادة
كعادته اتي للعيادة – ليدردش مع مرضاه – هكذا يقول الناس فهو اول طبيب نفسي يرونه يدخلها هاشا ويخرج منها باشا يوزع حانياته علي الجميع حتي زوجته التي تناسلت الشائعات عن خيانتا لها نصيب . وحين فرغ من استقبال مرضاه – دخلت السكرتيره واخبرته ان بالخارج شخصا يلح علي مقابلته .. امرها بادخاله ..دخل شاب في العقد الرابع لا يخلو من و سامة .. نظره ولم ير اثرا للامراض التي يعرفها ، اجلسه علي المقعد المقابل له وساله : هل من خدمة؟
لم يرد الشاب الذي تجمعت كرات صغيرة من العرق علي جبيته بل جال ببصره علي محتويات الحجرة مما اضطره لاعادة السؤال ، فتح الشاب فمه وبدا يتكلم :
لا تسخر مني يادكتور .. ارجوك . اسمعني جيدا ، فالذي جاء بي قد يحسبه البعض هينا .. لانهم لايدرون معاناتي والمشاكل التي ادخلني فيها ، لا اعرف له بداية منذ الطفولة ربما وربما منذ ان تعلمت القراءة . هنا تبسم وترحم في سره . علي والده الذي اراده ان يصبح طبيبا ، قد لا تعرف يادكتور انني مغرم بالقراءة وهي سبب ما اعانية .. اذكر اول مرة قرات بيت شعر قبل ان اتبين معانية كما طلب المعلم. ذهب عقلي يبحث عن شكل فم الشاعر فصرخت ان هذا الشاعر غليظ الشفاه . ضحك اندادي وقال المعلم لي وهو يكتم ضحكته : صرقت ومن يومها كلما قرات شعرا اعرف فم قائله ، فهذا البيت لشاعر رقيق الشفاه اذا فهو اناني كما يقول فرويد . والذي يحدث جلبه في الاذن لشاعر متسع الفم وربما كان ملحدا. وذاك لشاعر صاحبت فمه الريالة التي تسيل كلما انشد شعرا وتتطاير رذاذا يرجم وجوه سامعية وهذا يدل علي انه يميني متطرف .
وهذه القصيدة لشاعرة يؤكد شكل فمها يساريتها ولها شفاه مرسومه بعناية وكثيرة العشاق لانها عندما تهمس لاحدهم بهذا الفم : ( احبك) يحس بها دافئة في كبدة وبعدها يا دكتور انتقلت لمعرفة شفاه المشاهير ورسمها وكل من شاهد رسوماتي اكد انها تشبه افواههم الحقيقية وصرت اعرف دين أي شخص اقابله من نظرة خاطفة لفمه . ثم تطورت حالتي وصارت عيناي تتعلقان بفم من احادثه وهذه تضايق كثيرين وبالذات النساء . مثلا هذه الفتاة يبدو ل يانها طلقت في اول ليلة هذا اذا كانت متزوجة تصايقت من نظري لفمها وكادت تطردني لولا الحاحي .
ومما زاد المشكلة يا دكتور اصبحت الشفاة تكلمني دون علم اصحابها .نعم تكلمني اصابتني هذه الحالة عندما جلست بجواري في الحافلة فتاة يفوح منها عطر اثنوي اخاذ ويبدو لي انها كانت جميلة فقد رايت تطاير العيون نحوها ومن بينها عيناي ركتا علي فمها بفاقعه الاحمر وطفقتا تنظران فسمعته نعم سمعته . يلعن صاحبته التي لم تهتم الا بمظهره الخارجي وحكي لي عن السوس الذي يعبث بداخلة وينخر اسنانه وشكا من كثرة الشفاه التي عانقها وبدا يقص واخبرني ان اول فم التقاه لقروي باع اغنامه واتي المدينة ليهاجر والثاني لشاب اثري فجاه .
قبل ان يواصل سرده نزلت الفتاة وجلس مكانها فتي نظرت لفمه الذي غطاه الشارب فهمس لي . ان صاحبي محتال فنزلت ، لكن يا دكتور المشكلة الحقيقية انني بلغت الاربعين ولم اتزوج وهذا ما جئت من اجلة . فكلما جلست مع فتاة او نشات بيننا علاقة تسمعني كلاما جميلا ينفيه فمها ، فليلة البارحة جلست مع من تمنيتها زوجة واقسمت لي انها لم تعرف رجلا قبلي فصدقتها وصرت اسعد الناس وافرحهم لكن فمها انطلق يقهقه : قبل ان تلتقيك بساعة كانت مع صديقك لم اتمالك نفسي انفجرت فيها صفعا وركلا فتجمع الناس واتهموني بالجنون . عند هذه الجملة تصخم فم الشاب امام الدكتور الممعن النظر فيه فلم ينتبه لخروجه ولا لجملته الاخيرة ان فمك يا دكتور يقول ان زوجتك تخونك.. ؟ بل ظل ساهما مستمرا في مكانه طال انتظار السكرتيرة فدخلت . احس بها ووقع بصره علي فمها – كاد يضحك عندما تذكر ما قاله الشاب عنها كتم ضحكته وخرج نحو البيت ليجد زوجته في انتظاره نظر لفمها لا اراديا والصق عينية به لاحظت تركيزة علي فمها كمن يراه للمرة الاولي وهمت بالكلام لكنها لم تفعل بل التفتت لجهة اخري راي حركة فمها وظنه يريد ان يهمس له بشئ تحرك ووقف امامها يحدق فيه . امتعضت وهمهمت بكلام لم يسمعه واتجهت لجهة اخري . تحرك ووقف يحدق في فيها ويردد في سره ( اليوم ساعرف الحقيقة ) وهو يدنو دنا حتي كاد فمه يلامس فمها مديده وقبض عليه وصرخ فيه . ( تكلم )
أحمد ضحية
12-03-2005, 12:06 AM
(2) علي عيسى علي :...................
.................................................. .
.................................................
................................................
.............................
وحين فرغت من قراءة هذا الكتاب احسست للتو بغثيان بدا يعتصر امعائى بفظاعة متوحشة.انثنيت على ركبتى لاخفف الضغط قليلا...هالة كثيفة من الدخان تعلو وتعلو.بقمتها انفجر البركان.ناديت سامى فارتد الصدى-بصقت_الدخان الهلامى يزحف نحو الافق عاليا.يصرخ الرعد ,الصوت طاغناديت سامى فرد متحصنا بافكار والده0غريب هذا الزمان مطر فى هذه الايام).امتد المطر بدأت جيوشه زحفها فاحتلت المدينة.اغتسلنا ثم لم تطلع الشمس ولم ار سامى بعدها ابدا.
الرعد يدوى البرق يلمع .صوتك يا سامى بعيد اين انت؟ لحركة الدخان اللولبيةمنحى يعتمل ومزاج سامى يقول الكتاب0الانسان اذا احب شئ دخل فيه) فلا وقف الدخان ولا رجع سامى.المطر ينهمر لساعات-ايام -سنين_.الدخان فى سريانه لاعلى(شفاف انت ومصادم)المطر بحركته المفاجئة لم يابه للنداء.تتوهج الدنيا عند الصدام فنخرج انوفنا ببعدها الطولى لنتاكد من احتراق شيء ما فى الاتجاه المعاكس للكرة الارضية .اخترته دون قصد هذا الكتاب وليس وليسة لضجة صاحبه متعدد الجنسيات قال فى كتابه(اننا نبحث لهم قضاياهم لانهم بعيدون عنها).ما اريد ان اقوله هنا يا -صحاب-اننى قراته كله دفعة واحدة.تداعيت حينها اردت ان اهجره فسكننى .شعرت بالغثيان.ليس لفضاء ذاتيته وانما لعقدة الارتياب تلك التى خلفها رحيلك يا سامى .كان سامى صديقا ديد الالحاح والمحاججة يتاجر بالكتب القديمة ويتثاقف بفحواها حتى اصبح اشهر مثقف فى السوق العربى تجمع حوله مثقفاتية الراهن وتجار السوق السوداء,فتكلت بيده تلك العجينة الممطوطة وهو يغمز لى ساخرا ليس بالياسمين وحده يحيا الانسان ) .كان سامى شديد الفتك بالبنات الجميلات( كان ينصحنى دائما لا تنظر ل8عينيها فتسحرك .لا تحدثها عن اتك الفارغة فتخسرك.اقنعها بانها اجمل امراءة فى العالم ستتبعك.واصطدم بالجدار عند اول محاولة لتقول لى تلك الفتاة اغسل ثيابك اولا وقبل ان ارد متمتما تفاجانى بذاك السؤال المريب الجارح :هل اكلت يا ها الصباح؟" ثم ترحل هاربة.تنتابنى تلك الموجة العارمة لابكيك يا نوح يا ملهم الطوفان.اين انت يا سامى المطر يمحو معالم المدينة لانجو انا وحمامتان ونخلة.قالت النخلة وكانت فارعة الطول للحمامتين على ظهرها0عشرون قرن وانا ظماى لهذا الحب...لهذا الطوفان) بكت الحمامة حبيبها المفقود سرا.قال الشاهد الوحيد ورب السماء رايته ممسكا بخاصرة الدخان كان يمارس ذاك الانفلات ذاك السديم تسمر قلبى وما فتئ بؤبؤ العين يجسم ما حدث كان فعلا شنيعا ومكروه كأنا لم نغنى من قبل .كأن طار النورس امسك عن زفه للبشارات والاعياد .يقول الكتاب(الانسان بطاقاته الهائلة يستطيع ان يكون الذى لم يكنه)...وارتد الصدى.قالت الحمامة(سامى قطع البحر بطوف صنعه من الطرور)..سرقت السمع ,احسست ساعتها بالمهانة وهو يخو ن صداقة العمر كان يقول لى دائما اتركنى وحدى عند الغضب
سامى بليغا لولا تلك الفضيحة اذ ضبطه النظام العام مع بائعة الطعمية فى وضح النهار.بالقرب منهم وعلى مرأى من عيون النشالين وبائعات الشاى وانوف المدمنين الصغار ضبطت الشرطة (كروش )كبيرة تلعب القمار ...يقول الكتاب لا تكن واهما لا تنتظر الصباح ادخل مسام هذا الزمن دمر خلاياه)بعد الحادثة قامت البلدية بكشات معتبرة ليقول سامى انه كان بطلا وان احترق.احترق الرماد-الدخان يرتفع - الافق رمادى الدخان لاعلى -الدخان سماوى-الماء لاسفل-الماء طوبى-اقواس قزح بالجهات اجمع وهذا ما ازعج جاليلو فى قبره جاليلو مات ومن بعده كنفانى اين باولو روسى؟ يقول الكتاب لتحقيق احلامك لا تفكر بحلم مرجعى,كأن تقول امك اريدك طبيبا,بل احفر حلمك وحدك واركب الطائرة ان استطعت).كان سامى ساحرا اذ يقسم لك غدا ساحضر الكتب التى تريد ,لكنه ينام اخيرا على مقعد فى الحديقة.كان يبيع الكتب القديمة كلها ليتوسدها ليلا وفى البحر يغتسل صباحا ثم يبدأ يومه عادة.لكنه المطر هذا الفعل القدرى الحسوم قال سامى ونحن محاصرون بالماء الهتون 0اقرأ لنا شيئا من القران) الحمامة لا زالت تبكى حبيبها المفقود.اخذه الطوفان كانت تكذبها اختها لكننى الشاهد الوحيد ادرى كيف اختار حبيبها ذاك النزوع فاختفى والدخان-الدخان سماوى ناصع الزرقة-هل مات جاليلو؟.سمعنا ان سامى صنع طوف الطرور سرا حتى لا يعرف والده الخبر فيحطمه غريبة؟! كان سامى مهابا قوى الضربات الموجعة ومع هذا اخفى عن عينى القارب.سالنى الاصدقاء كيف صار سامى شجاعا .ضحكت ضحكت كثيرا يا-صحاب- حتى ارتجى جسمى, لاشير مجددا لهذا الدخان الدخيل .قاطبا حاجبى متذكرا ذاك ان والده قال يوما لا تاتنى مضروبا بل ضاربا يومها اتاه مختالا بعد ان شد شعر تلك الصبية وهو يعرج مزهوا ببطولته ليكافا بعلقة لم يغيبها هذا الضباب ابدا
قالت وكالات الانباء ان الرجل متعدد الجنسيات ذو اصل يهودى لقد ضلل خبراء البلاد ذاك حتى هذه اللحظة-يا صحاب- لم يعثر على اى دليل ضده وهذا مجاف لسالف الكلام والمعتقد .قطعا لقد اغرق المدينة بالكتب والحواشى والمتون.لقد طفح الكلام والماء راكد انا اغرق النجدة يا نوح يا سامى النجدة.قالت النخلة وكانت فارعة الطول ومع هذ1ا لم يسمعه احد....
..
.................
كمال خليفة
تريد الحقيقة اذن..حسنا اعطنى اذنك ,اسمع ساقول ما لم تستطع قوله يا رجل الستينات . نعم لقد ضبطنى مع هذا الرجل ولعلمك فهو حبيبى .لم اكن ساعتها اريد التنكيل بك, صدقنى لقد كنت غارقة حتى اخمصى فى هذا الحب الذى فتح لى عوالم لم تستطع حتى نظرياتك وفلسفتك الجامدة هذه ان توازيه .اختار هو المكان عكس طريقتك فى اخذ المواعيد.قال لى وبقوة(فلنذهب وذهبنا) محض صدفة هى التى جمعتنا بك الحظة .صدقنى لست نادمة...لست سعيدة, لكنى اعيش عمر ما لعله جميل.ستسالنى عيونك بالتاكيد ما طريقته,قناعاته وغيرها من هواجسك الضخمة.صدقنى ليست ثمة شبه بينكما احدكم فى قلب الاستواء واختار الاخر اقصى الشمال بثلجه وبرده القاتل.هل صارحتنى يوما. بشكل مباشر هل قلت لى احبك ست سنوات مرت ونحن نراوح بين الصفا والمروة لا حج بلغنا ولا تعميرهذا الذى بجانبى لم يستغرق سوى دقائق فقط ليقول لى انت جميلة وانا احب الجميلات .ستجد ان عبارته هذه فضفاضة وذات حدين,لكنى احترم فيه شرقيته ما تدعو له يا صديقى بعيد بعيد.
ست اعوام خلت اى سلم ارتقينا واى محطة وصلنا .حتى على مستوى اسئلتى البريئة كنت تزعجنى دائما بهروبك المتواصل,سؤالى بسيط لكنك تنفخهه وتضخمه وتبحث عن ابعاده التاريخية السحيقة وانا اريد اجابة مقفولة وحاسمة .سامحك الله!!! اذن دعنى ابحث عن درب يخصنى وحبيب بسيط غير معقد ,لا ينظر ورائه ابدا لا يعرف التردد قط.اتذكر عندما قلت لى بان (ديكارت ) تحدث عن افكار جسدها الشعب الامريكى وهو الشعب لا يعرف شيئا عن ديكارت هذا.فحبيبى الجديد يا ديكارت القرن برجماتى امريكى حتى النخاع.اتذكر اختلافنا المئة,الناس يحتفلون با عيادهم ونحن نحتفل بخلافاتنا الضرورية حسب زعمك,اتذكر احتفالنا اقصد خلافنا المئة.كنت بجانبى وانا اتحدث عن مشاكلى الاسرية ليتحرش بى ذاك الشاب الذى اصبح صديقك فيما بعد . لقد قلت لك يومها انه يغمز لى يعاكسنى اذهب اليه اضربه.اخنقه ,عندها ادرت وجهك مبتسما لتقول لى انت رائعه وهو اروع باكتشافه هذا ارفعى يديك اليه ملوحة حييه هيا.وعندما رفضت ذهبت انت وعدت به لنشرب ثلاثتنا العصير المثلج ونصبح اصدقاء يا للسفالة!!!!!
حبيبى هذا لم ينتظر حتى احذره فقبل مصادفتنا هذه اللحظة كنا نحكى وبهدؤ مكشوف عن مستقبلنا لافاجا به وهو ينهض صارخا فى وجه احدهم ويفعل به ما لم يخطر ببالك .عندها فقط احسست بمعنى ان يكون لى رجل يخصنى.تحياتى لصديقك الشاعر وحذره الا يقترب هذا الرجل سيعضه يكره ما يكره الشعراء واتباعهم.محض صدفة هى التى جمعتنا بك اللحظه فى نفس المكان الذى كان مسرح لاوهامنا و خيالنا الطائش
نسيت ان اخبرك حبيبى هذا لا يعرف شيئا عن سرور ولا كرومة يهتز ويرتج مع اغانى
العصر ,يجيد الرقص وهو كما ترى انيق انيق وانت انت يا للسفالة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!
واخيرا هذا ما كان علينا ان نقوله اعرف بانك لن تسالنى يوما لكنى اقول لعلك تعرف لعلك تحس لعلك تموت
...............
انتهز الفرصة لتتالم بقدر ما تستطيع الان وانت شاب, لان مثل هذه الامور لا تدوم طول الحياة..
على الناس الذين نحبهم ان يموتوا بكل اشياءهم
الحب فى زمن الكوليرا
غ.غ.ماركيز
اتانى مترددا كعادته,حزينا ضائعا ومجروح..يحرك يديه بارتباك. شفتاه يابستان ووجهه مصفر وبائس..اتانى خائبا باسماله البالية ومشيته المترنحة ..ولكى يجترح مشهدا حاذقا ومدهش بليغا كالمعجزات ..دائما ما يبحث بين طياته عن عن بطولة وهمية..تخدعنى انه لا زال بخير ..كان يبدو متاكدا وواثق من ان حبييبته قد ابدت موقفا متفهما لظروفهما التاريخية والخاصة..او ان شخصا معروف وبارز صادفه فى الطريق ووعده بتوفير عمل محترم فى ظرف وجيز لا يتعدى الايام .."ايام فقط وانطلق" ثم يحاول جاهدا رسم تكشيرة يظن هو براءتها وتجلياتها الطاهرة كرغباته.. ولاننى لم ولن اتحمس مطلقا لمخاتلته هذه_يصرخ دونما ترتيب لينفرط العقد وتظهر بداوة تمثيليته الكسيحة فيجهش بالبكاء متشنجا ومتكورا على بطنه ويدخل فى الحمى..
دائما ما ياتنى بنفس الاسلوب الذى يبدا بمحاولات مستحيلة لصنع فرح ما او خلق مساحة انيقة فيها يحن لانسانه قبل اى شى اخر ,لكنه ولشى فى تركيبته لا يستطيع ان يمضى فى اى لعبة كهذه . اسر لى مؤخرا انه ضعيف وعاجز حتى ان حبيبته لم تعد تثق فيما يعلنه من تصريحات وانها باتت تتجاهل طقوسهما الرائعة ولا تتهلل اشراقا لرؤيته وطفق زائدا ان الامر جد خطير ..فاخبرته انها حالة عامة تجتاحنا كل لحظة حتى يهبط الموت علينا فجاة ليخلصنا من هذا الزمان الردئ.لكنه التعيس يدور حولى ويدور فاتبلد حتى يلطمنى فى وجهى ومنتشرا فى انحاء الغرفة الباردة .باحثا عن خبز ناشف او جبنة فاسدة او اى شئ اخر يسد رمقه ..بفوضوية يقضى على ما احدثناه من تغيرات جذرية فى الغرفة فيكسر احد ارجل المنضدة او يفلح فى ازاحة الطوبة ليقع الدولاب على ام وجهه _صديقى العزيز هذا _عندما تبؤ محاولاته الاقتحامية بالفشل .. يبكى بمرارة متحسرا على غزواته ومغانمه الباطلة ..
اتانى هذه المرة بخطوات واثقة وكلمات متزنة ومضغوطة قال لى "اليوم سافكر بشكل مختلف ..تصدق بعد كل هذا العمر احس بانى اس كل هذه المشاكل , نعم انا المخطى الوحيد وساغير ما بدا لى زى بال .. ما رايك يا صاح ..قل لى بربك؟ ناولته ما املك من نقود فصرف يده بعيدا _لاول مرة يحدث هذا- صرف يده بعيدا ثم كورها لينزلها سيفا على انفى ويخرج بعدها غاضبا وثائرا. لاول مرة فى تاريخنا معا اراه صريح وواضح .المهم انه خرج والدم يرعف من انفى بغزارة "ما الذى حدث اليس النقود هى كل ازماتنا ..ماذا جرى ؟ساحكى للرفاق ما احدثه من شرخ فى علاقتنا ..نعم ساقاطعه .. سنوات عظيمة وحافلة عشناها معا ..لحظات عصيبة ومنفلتة ارتكبنا فيها من حماقات ما ارتكبنا.. واغتصبنا فيها لانفسنا من مهرجانات كانت كافية لاسعادنا واشباعنا ,لكن ان يصل الامر لهذه الدرجة من اللغة فهو شكل مرفوض ولا يليق بصداقة محترمة لناس محترمين فى بلد محترم كهذا .. خلعت ملابسى الملطخة بالدم وانا انتظر اول قادم لاخبره بالامر .
بعد ساعات ..ساعات فقط ..وجدوه ميتا فى قارعة الطريق .قابضا على بطنه بلا هوية او اى ورقة تدل عليه ..وراسه الملئ بالنكد يرسم تلك التكشيرة المفهومة التى يظن هو براءتها وتجلياتها الطاهرة كرغباته
نشرت فى الحرية
يتبع .................
أحمد ضحية
12-04-2005, 12:47 AM
up up up up up
أحمد ضحية
12-04-2005, 07:58 PM
وأخيرا ,
يمكننا أن نستنتج أن التضييق على الروابط أو التكوينات الأدبية, إلى جانب عدم وجود مهرجانات ثقافية حقيقية سواء على المستوى الإقليمي أو القومي , كان ولا زال واحدا من العوامل المهمة التي تقف خلف المنعطفات السلبية التي مرت بها حركة الأدب في أوقات مختلفة , والتي يمثل بروز الحلمنتيش أحد مظاهرها , من جهة أخرى ترتب على غياب مثل هذه المهرجانات أو المسابقات , تأخير ظهور المواهب ,وإهدار العديد من المواهب أيضا , التي كان بالا مكان أن تمثل تجديدا عنفوانيا لدماء الحركة الثقافية والمشهد الثقافي . والاهم من كل ذلك أن التركيز الإعلامي على "حركة ثقافية في الخرطوم" مع إهمال الأقاليم ظل من العوامل الأساسية للنفي الذي ظلت تعيشه الأقاليم وتقاومه , وهذا النفي بالضرورة يؤثر على تطور المشهد الثقافي في الأقاليم , كما ينعكس سلبا على مسالة مهمة لازمة للإبداع هي قضية التواصل سواء كان هذا التواصل بين الأجيال المختلفة أو بين أجناس الكتابة , ولذلك من الضروري تجسير الفجوات بين العاصمة والأقاليم ,
يمكننا من خلال هذه الذاكرة الثقافية أيضا التوصل إلى أن ولادة رابطة الأصدقاء الأدبية - كوستي, أو نادي القصة السوداني – الخرطوم , كان تعبيرا عن حاجة ثقافية ملحة أوجدتها ظروف الفراغ الثقافي نتيجة لتشريد العديد من المبدعين , بما أجبرهم على الهجرة ومغادرة السودان, بحثا عن مكان آمن يحققون فيه مشاريعهم . إلى جانب عوامل أخرى غير الهجرات والاغتراب تسببت في هذا الفراغ . الذي جعل من الضروري نشؤ روابط ومراكز ثقافية وأندية ومجموعات , الخ تتصدى للمهام الثقافية , خاصة أن حكومة 30 يونيو 1989 كان من أول "إنجازاتها" حل اتحاد الكتاب , وتكوين بدائل له ممثلة في " منظمة شباب الوطن", التي أتضح أن مهمة تصفية الثقافة في السودان من أولى اولوياتها , فذاك أمر على راس لائحة أجندتها . التي تدعمها في تنفيذها الأجهزة الأمنية .
نلاحظ أن نشاط رابطة الأصدقاء الأدبية بكوستي ظل متصاعدا ومتناميا منذ تأسيسها حتى منتصف 1989 قبيل انقلاب يونيو , وهكذا منذ اعتلاء الجبهة الإسلامية للسلطة في 1989 بدأت أنشطة الرابطة وفعالياتها في الضمور إلى أن كادت تتلاشى , ويطويها النسيان تماما لولا تذكير بعض الأوفياء بها بين آن وأخر في مشاركات متباعدة , لكنها أبدا لم تعد ذلك الجسم الدينامكي الفاعل بقوة كما كانت قبل 1989 . فالمناخ الديموقراطي الذي أرسته حكومة الديموقراطية الثانية 85-1989 (على علاته ) أسهم في إنجاح تجربة الأصدقاء الأدبية , إلى جانب القيادة المرنة لصديق الحلو لسفينة الرابطة (على الرغم من المآخذ الكثيرة في مسيرة هذه القيادة ) يضاف إلى ذلك استقرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية نوعا ما سواء لأعضاء الرابطة أو لسكان المدينة , لذلك لم تكن ثمة مشقة كبيرة بالنسبة لأعضاء الرابطة تعترض سبيلهم في إنجاز مشاريع الرابطة بكل تلك الفعالية وكل ذلك العطاء . وهو عكس ما جوبه به نادي القصة من تحديات فقد ولد في قلب المناخ الشمولي القمعي للجبهة الإسلامية في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد سواء كان بالنسبة لاعضاءه أو للسودان ككل .
وجوبه نادي القصة في هذا المناخ بالكثير من التحديات المادية والمعنوية , فالحرس القديم للحركة الثقافية قسم كبير منه كان يرى أن تكوين مثل هذا النادي وبهذا التوصيف " القصة السوداني" لهو استفزاز مباشر لتاريخه وتجربته . على الرغم من أن كل ما كان يبحث عنه نادي القصة هو إجابة " على قدر قدرته" على الأسئلة التي ظل يطرحها الواقع الثقافي . كان يرغب في المساهمة مع كل أطراف العمل الثقافي في إنجاز مشروع صغير .. جسم يجمع كتاب القصة , لتتضافر جهودهم ويدعمون بعضهم باتجاه خطوة , على الأقل خطوة واحدة للأمام . هذه المعوقات المختلفة تعامل معها النادي بحكمة إذ سجل نفسه في اليونسكو , تفاديا لأي مشكلات تعترض طريقه في حال التسجيل لدي الأجهزة الرسمية المختصة للنظام . وحتى لا يكون تحت رحمة مشاريع هذه الأجهزة . فتسجيله في اليونسكو بمثابة نوع من الحماية لاستقلاليته , التي يمكن أن تنتهكها قوانين وتشريعات الجبهة الإسلامية التي كانت تتصور وقتها أن شباب الوطن هي الوعاء الامثل لكل التكوينات سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو خدمية . وعلى هذا الأساس أي تكوين لا علاقة له بشباب الوطن تم إعلان الحرب عليه . ووصلت الأمور إلى حد إيقاف نشاط العديد من المنتديات التي أبرزها "منتدى البشير الريح" , بل وقد تم التدخل في عمل عدد من المراكز الثقافية للدرجة التي جعلت دكتور حيدر إبراهيم في العام 2002يقفل مركزه لفترة من الوقت احتجاجا على التدخلات الأمنية . فقد كانت أجهزة النظام ترفع وقتها ضد الحركة الثقافية شعار " واقتلوهم أينما ثقفتموهم " . في مثل هذه الظروف الصعبة ولد نادي القصة واشتد ساعده , وكان كل عائق يعترض سبيله يمده بمزيد من القوة والعنفوان . وتجنب الكثير من الصراعات التي حاول الحرس القديم من كتبة ونقدة وأرباع موهوبين مدفوعين الأجر . جره إليها . وهكذا بدأ نادي القصة العطاء في ظل تلك الظروف العسيرة لاعضاءه , بمواردهم الذاتية التي كانت لا تكفيهم هم أنفسهم ومع ذلك لطالما ضحوا بها مؤثرين أعمال النادي على وجبة ضرورية أو كوب شاي , الخ .. ولذلك تستمر مسيرة النادي حتى الآن بهدؤ لكن بقوة . فقد استطاع النادي أن يحدث دون أدنى شك فرقا واضحا في المشهد الثقافي السوداني . فيما يشبه إعادة الاعتبار للمؤسسة التي تجمع كتاب القصة .
القاهرة ديسمبر2005
أحمد ضحية
أحمد ضحية
12-06-2005, 12:17 AM
up up up up up
أحمد ضحية
12-07-2005, 02:14 AM
up up up up up up
أحمد ضحية
12-11-2005, 02:25 AM
up up up up up up
أحمد ضحية
12-18-2005, 09:11 PM
up up up up up up up
ابراهيم العمراني
02-14-2006, 09:02 PM
تحياتي ... احمد ضحية
فوق الي العلا في ضمير الأثير
نتمني ان تثرينا بهذا الفهم الفريد
كل الود
nazeer
08-07-2006, 07:46 PM
Go a head
Go a head
Go a head
Powered by vBulletin Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd