المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القضاء في عهد العبدلاب


علي جارالنبي
01-22-2006, 06:45 PM
منسوخ من صحيفة البيان الإماراتية عدد الاربعاء الموافق 22/5/2002م
بقلم: د. خليفة بابكر الحسن


قامت مملكة العبدلاب في الجزء الشمالي والاوسط بالسودان، اثر حلف قام بين عمارة دنقس ملك الفونج وعبدالله جماع الذي يقال انه سمي بذلك لجمعه القبائل لاستقرار النظام لسيادة الفونج وقد تمكنا من خلال تحالفهما ذاك من جمع الجيوش ومن ثم القضاء على الممالك المسيحية، واستقل كل منهما بمنطقة فكانت المنطقة الشمالية هي التي قام فيها ملك عبدالله جماع، على حين امتدت سلطة عمار على مايلي ذلك جنوبا.
كان القضاء في مملكة العبدلاب انواعا، ضرب منه يتولاه شيخ «قري» أو الحلفايا ـ عاصمة العبدلاب ـ واخر اقل شأنا يمارسه حاكم الاقليم او شيخ الدار، ونوع يقوم به القضاة المختصون وفوق ذلك كله كان هناك نوع من القضاء يشترك فيه شيخ العبدلاب وقاضيه وكبار رجالات البلد والعسكر والفقهاء في شكل محكمة اقرب ما تكون في اختصاصها الى محكمة الاستئناف اليوم وكان القانون المرجوع اليه السائد التطبيق هو الشريعة الاسلامية في كافة الاوجه التي تشب وتنشأ فيه المنازعات، روى ان الشيخ عبدالله الرابع بن عجيب أتته قافلة تجارة تشكو من نازلة ألمت بها، اذ سرقها لصوص وهي على ارض الشيخ عجيب في الحلفايا وتحقيقا للعدل جد في طلب السارقين الى ان عثرعليهم وعلى ما معهم، وحينئذ رد البضاعة الى اهلها، وعاقب السارق بالشرع، ومن ذلك ايضا ان الشيخ عبدالرحمن النويري حكم بابطال هبة امرأة بلغت اكثر من ثلث ما لها قاصدة بذلك ضرر زوجها، معتمدا في ذلك على قول الامام مالك واختيار ابن حبيب له.
والمذهب المعتمد في ذلك العهد هو مذهب الامام مالك بن انس امام دار الهجرة الذي يرجع انتشاره الى ان الذين تولوا تعليم الفقه كانوا على مذهبه وفي الغالب كانوا وافدين من المغرب وصعيد مصر وكل هؤلاء يعتنقون المذهب المالكي، كما ان كثيرا من السودانيين الذين ذهبوا الى مصر توفروا في الدراسة على فقهاء من المالكية في الازهر الشريف.
وكما كانوا يطبقون في مشيخة العبدلاب نصوص الفقه الاسلامي، كانوا يشترطون في القاضي شروطا مستوحاة من العهود الاسلامية الاولى، اذ يشترطون فيه حفظه للقرآن الكريم والمعرفة بالتوحيد، وعلوم العربية، والالمام التام بالفروع الفقهية على مذهب الامام مالك، ولتأثرهم بالثقافة الصوفية كانوا يشترطون فيمن يتولى القضاء ان يكون ايضا سالكا لطريق صوفي ومن صور تمسكهم بالشريعة الاسلامية انهم كانوا يطبقون نظام «الحسبة» الذي يقوم على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ومن ذلك ما روى الشيخ ابراهيم عبدالدافع عن الشيخ عبدالله عجيب انه امر في ايامه بتزويج النساء مع تقليل مهورهن، وامر اهالي السوق جميعهم اذا سمعوا الاذان بالتوجه الى المسجد لحضور الصلاة، كما افنى الطغاة الذين اجمعوا على نهب وسلب اموال العباد فكان يجمعهم ويضرب رقابهم، واشرف بنفسه على منع السرقة ومراقبة قطاع الطرق ومعاقبتهم، حتى انحسرت موجتهم التي كانت قد هددت امن المجتمع.
وممن اشتهر بالقضاء في عهد العبدلاب يعقوب بن بانقا، والقاضي ضيف الله بن محمد بن ضيف الله، وعبدالعزيز الشريف محمد المهدي وغيرهم كثير.
وكانت ثقافة هؤلاء القضاة ثقافة دينية مركزة، فجلهم من الذين تلقوا دراساتهم في الازهر ولم يكونوا يتعاطون مرتبا محددا في هذه السلطنة، اذ كان السلاطين يجزلون لهم العطاء ويقطعونهم شاسع الاراضي، كما كانت اموالهم معفاة من الضريبة والعشور، وكل ذلك نزوعا لتحقيق الاستقرار المادي لهم الذي يعينهم في اداء وظيفتهم بعيدا عن المؤثرات المغريات.