المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النيل ذلك المارد الوديع


أبو براءة
01-27-2006, 09:25 PM
عجيب أمر هذا النيل حبه مؤصل في دواخلنا لدرجة الهيام لنا معه ذكريات جميلة فهو وديع عندما ينحسر وديع عندما ينساب في ريق كل متعطش كاد يقتله الظمأ وديع عندما ينساب في الجداول ليروي لنا الزرع فهو عصب حياتنا بمعنى الكملة له لغة يفهمه كل من عاش بجواره وشرب من نبعه فكل مهموم خرج من داره تقوده خطاه إليه وعنده يجد متنفساً لما أهمه وراحة وإنشراح صدر لما غمه مصيف مجاني حيث تتقاطر إليه الناس فرادى وجماعات بحلول موسم الصيف ويقضون أجمل الاوقات ويطفئون لهيب الشمس بمجرد النزول فيه وفي نفس الوقت لنا معه ذكرات أليمة ولطالما فقدنا فيه فلذات اكبادنا حتى الكبار لم يسلمو من غدره يهيج فيضانه فيغير من سرعته ولونه وينلقب وكأنه عدو لدود ويقضى على الأخضر واليابس المدن والقرى السهول والوديان وبالرغم كل هذا نحبه لدرجة أن الفراعنه كانو يقدسونه ويقدمون له حسنوات مصر قربانا حتى يفيض إلى أن منع ذلك سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تلك القصة المشهورة . وحتى عندنا في السودان إلى وقت قريب كانو يسيرون العريس والعروس إلى النيل حتى يتبركوا به قبل أن يبدأوا حياتهم الزوجية وكذلك بعد الختان والخفاض والمولود لينالوا بركته كل هذا كان يحدث إلى وقت قريب جداً وإن كان هذا نوع من البدع والخرافات إلاً ان ذلك يؤكد مدى حبنا لهذا المارد الوديع رغم مايفاجئنا به من وقت لاخر بالدمار والخراب وقد جاء ذكر النيل في قصائد كثير من الشعراء منهم شاعرنا الأديب العلامة الدكتور عبد الله الطيب :
بلندن مالي من أنيس ولا مال وبالنيل أمسي عاذري وعذالي
ومما قيل عن النيل ما كتبه امير الشعراء احمد شوقي في منفاه باسبانيا عندما ارسل الى صديقه حاقظ ابراهيم "شاعر النيل " الابيات التالية:
يا ساكني مصر انا لا نزال على
عهد الوفاء وان غبنا مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماء نهركم
شيئا نبل به احشاء صادينا
كل المناهل بعد النسل اسنة
ما ابعد النيل الا عن امانينا
فاجابه حاقظ ابراهيم على نفس الوزن والقافية :
عجبت للنيل يدري ان بلبله
صاد ويسقي ربا مصر ويسقينا
والله ما طاب للاصحاب مورده
ولا ارتضوا من بعدكم من عيشهم لينا
لم تنا عنه وان فارقت شاطئه
وقد نأينا وان كنا مقيمينا

صادينا: الصادي هو العطشان
تنأ:تبتعد او تبعد