أحمد ضحية
01-28-2006, 09:26 PM
القاص والروائي أحمد ضحية للصحافة :
وقف العالم طويلا أمام رواية موسم الهجرة بسبب ما فيها من عنف .
(دروب جديدة) لم تضف لي شيئا .
معالجة الأزمة لا تتم إلا بتفكيك البنية الثقافية وإعادة صياغتها من جديد .
حوار : صديق الحلو(+)
(*) ماذا بعد كتابة القصة القصيرة ؟!
- إن كان المقصود هو : ما هي المشاريع التالية لكتابتي القصة القصيرة .فمشروعي الإبداعي بأجناسه المختلفة , هو مشروع واحد , ربما تكون نوياته الأساسية في القصة القصيرة , ولكن مدياته تتسع وتخرج عن هذا الجنس لتعبر عن نفسها (النويات) في أجناس أخرى . المهم والأساسي بالنسبة لي : أن يعبر المشروع عن ملامحه وسماته الأساسية , سواء في جنس القصة القصيرة أو غيرها .
(*) دروب جديدة .. ما هي الاضافة ؟.
- لا أتصور أن مجموعة قصص (دروب جديدة – أفق أول) التي صدرت عن نادي القصة السوداني (ولي فيها ثلاث قصص ضمن إسهامات قصاصين آخرين من أعضاء النادي) , لا أتصور إنها أضافت لي شيئا .لسبب بديهي يتمثل في أن الإضافة التي يحققها الكاتب لنفسه هي بنشر مجموعة تخصه وحده دون شركاء آخرين . فبوجود شركاء اجرين من الصعب التعرف على حدود إضافة ما .خاصة أن كتابة القصة هي إنجاز فردي ,ليس كالمسرح مثلا(جماعي).لكن بالتأكيد أن دروب جديدة تمثل إضافة كبيرة للمشروع .. المفهوم .. المؤسسة : فكون أن ينشر عشرة كتاب في مجموعة واحدة (ثلاثة قصص لكل واحد منهم) فهذا يضيف للواقع الثقافي ,فهو سلوك جديد مختلف عما ظل سائدا لفترة طويلة .
(*) كيف توفق بين عملك في الابداع والصحافة عموما ؟.
- فيما مضى , والى عهد قريب , كنت قادرا على التوفيق . لكن الآن لم اعد قادرا على ذلك . إذ لدي رواية كتبت مسوداتها منذ عامين , وحتى الآن لم استطع من التفرغ لتبييضها .. ربما بسبب الحصار اليومي , والواقع الاستثنائي الذي أعيشه , بظروفه وملابساته المعقدة .وما ينضاف له من تكاليف صحافية (خاصة إنني أدير قسمين : القسم الثقافي والتحقيقات في الصحافي الدولي إلى جانب عمودي السياسي الثابت "كلام دنيا" ومقالي الأسبوعي بالإضافة لمسئوليتي عن نشرة "إضافات" التي يصدرها مركز الدراسات السودانية) كل ذلك وأشياء أخرى ,تجعل من الصعب التوفيق ..أنا غير سعيد بهذه الحياة . لكنني من الجانب الآخر , أؤمن بأنها تستحق أن تعاش , وان خسرنا شيئا من اهتماماتنا التي نحبها , لطالما أننا نريد أن نقول شيئا ما , وبامكاننا التعبير عن هذا الشيء في سياق آخر غير الذي فقدناه .
(*) مشاريعك للنشر : الرواية – القصة – الشعر – النقد ؟.
- باستثناء الرواية ليست لدي مشاريع نشر في الأجناس الأخرى , وبهذا الخصوص كنت قبل مجيء مركز الدراسات السودانية إلى الخرطوم . قد أرسلت له روايتي (مار تجلو – ذاكرة الحراز) . مع احد الأصدقاء , ويبدو انه أهملها , فلم تصل إلى المركز في القاهرة, وعند اكتشافي لهذه الحقيقة القاسية عملت على نشرها لدى دار عزة , والآن يقوم الأستاذ نور الهدى بطباعتها , وربما يحضرها معه في الأيام القادمة من القاهرة .وفي حال نشر مار تجلو سابدا في نشر الرواية التي تليها (لا نجور – مناخات التحفز) وسأعمل على إكمال ما لدي من مسودات أخرى , تمهيدا لنشرها .بعد ذلك سأنظر في قابليتي للنشر في أجناس أخرى كتبت فيها .
(*) أين تجد نفسك : الرواية ,. القصة , الشعر , النقد , المقال السياسي؟.
- بصراحة اجد نفسي في الرواية والمقال السياسي .
(*) لماذا كل هذا الحزن في كتاباتك ؟.
- يبدو انه جزء من تكويني النفسي و فانا لا استمتع إلا بالغناء الحزين . مع إنني أحب المزاح والدعابة ومرح بطبعي , لكن ربما يعود ذلك لكون الحياة نفسها مفارقة لا نملك إزاء اكتشافها سوى الحزن , الحزن على سقط الأفكار وما تهشم من ذواتنا .
(*) الروابط الثقافية : ما لها وما عليها ؟.
إن كنت تعني الصلات الثقافية , فللأسف الحركة الثقافية في السودان , حركة مريضة , مصابة بأدواء غريبة عن قيم الإبداع والمثاقفة .. انه واقع محزن . لا ادري كيف أصفه لك .وهو لا يمثل البيئة النقية للتواصل والتثاقف . وكثيرا ما أتساءل هل الحركات الثقافية في دول العالم , بها من الأدواء ما هو شبيه بأدواء حركتنا .. فقيم الإبداع إنسانية , والمبدع يتمثل القيم التي ينادي بها . عندما يتورط في صرا عات طواحين الهواء ويحول عقله من عقل خالص لقيم الحق والخير والجمال , إلى عقل مناور وماكر ومزدوج , على غرار لكال مقام مقال , عبر ألف وجه ..أتساءل هل الحركات الثقافية في أماكن أخرى , تعاني من هذا السرطان .. واقع "القوالات"والضرب تحت الحزام , و"النقاد الوطنيين"وأشباه القصاصين ..الخ ..كل ذلك يؤثر ويؤدي إلى تمزق أو انهيار جهاز القيم , ولذلك من الصعب أن تنتج مثل هذه البيئة المليئة ب"الغباين"والإحن والعداوات حركة ثقافية معافاة .
(*) "أنت متمرد.." هل هذا القول يعكر مزاجك ؟.
- بالطبع لا يعكر مزاجي .. أحيانا نسمي الأشياء بغير أسمائها . إذا كان أن يكون الإنسان نفسه , ولا يكون سوى نفسه , ولا يخضع لأي محاولة للحط منه أو ازلاله . إذا كان هذا يسمى تمردا فانا متمرد . أما إذا كان التمرد هو الفوضى وسلوك الفنان على نحو ما تسلك الرجرجة والدهماء والأوباش فانا لست متمرد .. لأنني أتطلع إلى معرفة تفوق معرفة الرجرجة , ولوعي يفوق وعي الدهماء . ولسلوك إنساني يتسامى على نزعات الأوباش بصغائرها وتهافتاتها وقذاراتها . فالفنان كائن جميل , ينبغي أن يسلك سلوكا جميلا , لأنه يريد أن يقول شيء مفيد لامته , ويطمح للإسهام في تشكيل وجدان هذه الأمة . فينبغي أن يكون كل ذلك عبر ما هو جميل . ومفاهيم الإنسان على الإطلاق لا تنفصل عن سلوكه . لا يعقل أن يكتب احدهم قصة جميلة , ويسلك على نحو ما تسلك الرعاع باسم تمرد الفنان .الفنان دائما هو لمواجهة متناقضات الواقع يتمرد على هذه المتناقضات في سبيل إعادة صياغة الواقع على نحو إنساني , ولا يتمرد على الإنساني لأجل صناعة المتناقضات .. هذا بالضرورة يسيء إليه , ويندرج في إطار قيمي أخلاقي .
(*) ماذا تود ان تقول بنشرك لهذه المقالات السياسية العديدة في الصحف ؟.
- ما وددت أن أقوله هو ما قلته فعلا فيها .حول فقر الخيال السياسي , وهيمنة المركز على الأطراف .وانتهاك حقوق الإنسان .دون وازع أخلاقي .. ما وددت قوله أن السلوك السياسي بحاجة لمراجعة ..وان العقل السياسي إذا كان هو تيارات الفكر الأساسية وروافدها , فهذا العقل لا يلزم السودان , لأنه عقل قاصر , لا يعبر عن بلادنا الكبيرة .بتنوعها وتبايناتها على المستوى الحضاري , وعلى مستوى الثقافة والأعراق والأديان . فانا لا أؤمن بان هناك دينا محليا وأخر غير محلي , فالأديان هي أديان , وعلينا أن نحترم ما يعتقده الأخر لطالما هو بالنسبة إليه "عقيدة" لان واقع العقائد بلا استثناء هو واقع صحيح , ولا يصح أن نطبق عليه مفاهيم عقائد أخرى لمحاكمته , وما قلته فعلا وظللت أكرره طوال العامين الماضيين 2000و2001 خلال منبر الصحافة والصحافي الدولي وغيرها من الصحف السودانية أن الأزمة الوطنية الشاملة التي يعاني منها السودان لا تتم معالجتها إلا بتفكيك البنى الاجتماعية وإعادة صياغتها من جديد . فالهيمنة والاستعلاء والادعاءات لانساب مقدسة , كل ذلك هو قوانين في البنى الاجتماعية تشكل الخطاب الفكري والسياسي , ويمكن قراءة ذلك في جذور فكر النهضة في الثلاثينيات والعشرينيات ومتابعته وصولا إلى الراهن . وهذا هو مشروعي ذاته على المستوى الإبداعي في مجال الرواية والقصة والنقد .
(*) موقع القصة السودانية من خارطة القصة الأفريقية والعالمية ؟.
- القصة في السودان في موقع متقدم . لكن لا يعني ذلك الحكم عليها معياريا بالمقارنة مع القصة في أفريقيا أو العالم . فأي أحكام هي نسبية وخاضعة لشروط الواقع الذي ينتجها والواقع الذي ينتج القصة فمن مكان الى أخر نجد موقعا مختلفا ننظر منه . وهو موقع يرتبط بقوانين عديدة أولها الواقع نفسه وهو بالضرورة واقع مغاير من مكان لأخر .ومن المغامرة بمكان أن نقول جزافيا إننا الأحسن .. إحدى مشكلات الحركة الثقافية في السودان إنها ظلت لفترة طويلة منبتة عن جذرها الإفريقي لأسباب نفسية تخصها , ولتطلع عربي يخصها , لذلك لم تهتم بالتعرف على الحركة الثقافية الأفريقية إذا جاز لنا التعبير .وما عرفته عن القصة الأفريقية لهو ضئيل جدا ولا يساوي شيئا يذكر أمام النتاج الأفريقي الضخم .ولذلك يظل الحكم على موقعنا خلال مما كتبه نيغوغي واثينغو أو صمبين عثمان أو أتشيني تشيبي أو لابان أو غيرهم .غير كامل لاستيفاء شروط عقد مقارنة . كذلك لا يعني ما أحدثته موسم الهجرة الى الشمال من ضجيج عالمي إننا الأفضل عالميا واهم من كل ذلك أن أي مجتمع ينتج إبداعا يحمل ملامحه هو كمجتمع .ولذلك تبدو المقارنة صعبة .أتصور أن الذي استوقف العالم طويلا أمام موسم الهجرة هو ما تحمله من عنف وحشي يتمثل في مصطفى سعيد وقتله لآن همند بتلك الطريقة . خاصة أن العالم كان وقتها خارجا من دوامات عنف استمرت لفترة طويلة منذ الحرب العالمية حتى استلام حركات التحرر في العالم الثالث زمام الأمور في بلدانها في الستينيات .. ذاك هو عصر العنف وكتابات العنف .. العالم الآن مشرع على حقوق الإنسان . اختلفنا آو اتفقنا حول توظيفاتها الأيديولوجية يظل ذاك هو حلم العالم , الذي يرغب في التعبير عنه بكل أجناس الكتابة .
(*) الطيب صالح احدث نقلة في الرواية العربية والقصة القصيرة , وتظل روايته الانضج في السودان , لماذا لا نلمس ولو تاثيرا بسيطا لها على الرواية العربية ؟.
- الرواية العربية عبر التجربة المصرية هي وليدة تراكم روائي , والطيب صالح لم يحدث نقلة لهذه الرواية بل أسهم ضمن آخرين في تجربتها , والذي يراجع تجربة إبراهيم اسحق وعيسى الحلو واحمد الملك وآخرين من أجيال مختلفة , يجد بينهم من لا يقل نضجا عن الطيب صالح في كتابة الرواية .
(*) ماذا يمثل الحب للمبدع وكيف يؤثر على إنتاجه ؟.
- الإنسان كي يبقى على قيد الحياة يلزمه الحب .الحياة لا تساوي شيئا دون حب .فكيف للمبدع الذي يدعي حب كل الناس بما تعين فيه من قيم إنسانية وجمالية ألا يحب . الحب هو زاد المبدع فالحب عطاء ومن هنا يؤثر على أنتاج الفنان , فالفنان دون حب فقير العطاء , والإنتاج الإبداعي يأخذ ثراءه بمقدار ما فيه من الحب وغناه .
(*) وأخيرا لماذا يحب احمد ضحية كوستي ؟.
كأنك تسألني لماذا تحب والدتك أو والدتك ..كوستي هي ذكريات الطفولة والصبا , وحياتي بكاملها تشكلت في كوستي ولم تتشكل في الخرطوم .في كوستي كتبت الشعر والقصة وصعدت على منابرها وهتفت في التظاهرات ومارست السياسة واعتقلت . في كوستي أحببت لأول مرة .وفي كوستي كذلك كرهت .
............... هامش ............
(+) حوار أجراه القاص والصحافي صديق الحلو .لصحيفة الصحافة .نشر في ملفها الثقافي بتاريخ 23يوليو2002.
وقف العالم طويلا أمام رواية موسم الهجرة بسبب ما فيها من عنف .
(دروب جديدة) لم تضف لي شيئا .
معالجة الأزمة لا تتم إلا بتفكيك البنية الثقافية وإعادة صياغتها من جديد .
حوار : صديق الحلو(+)
(*) ماذا بعد كتابة القصة القصيرة ؟!
- إن كان المقصود هو : ما هي المشاريع التالية لكتابتي القصة القصيرة .فمشروعي الإبداعي بأجناسه المختلفة , هو مشروع واحد , ربما تكون نوياته الأساسية في القصة القصيرة , ولكن مدياته تتسع وتخرج عن هذا الجنس لتعبر عن نفسها (النويات) في أجناس أخرى . المهم والأساسي بالنسبة لي : أن يعبر المشروع عن ملامحه وسماته الأساسية , سواء في جنس القصة القصيرة أو غيرها .
(*) دروب جديدة .. ما هي الاضافة ؟.
- لا أتصور أن مجموعة قصص (دروب جديدة – أفق أول) التي صدرت عن نادي القصة السوداني (ولي فيها ثلاث قصص ضمن إسهامات قصاصين آخرين من أعضاء النادي) , لا أتصور إنها أضافت لي شيئا .لسبب بديهي يتمثل في أن الإضافة التي يحققها الكاتب لنفسه هي بنشر مجموعة تخصه وحده دون شركاء آخرين . فبوجود شركاء اجرين من الصعب التعرف على حدود إضافة ما .خاصة أن كتابة القصة هي إنجاز فردي ,ليس كالمسرح مثلا(جماعي).لكن بالتأكيد أن دروب جديدة تمثل إضافة كبيرة للمشروع .. المفهوم .. المؤسسة : فكون أن ينشر عشرة كتاب في مجموعة واحدة (ثلاثة قصص لكل واحد منهم) فهذا يضيف للواقع الثقافي ,فهو سلوك جديد مختلف عما ظل سائدا لفترة طويلة .
(*) كيف توفق بين عملك في الابداع والصحافة عموما ؟.
- فيما مضى , والى عهد قريب , كنت قادرا على التوفيق . لكن الآن لم اعد قادرا على ذلك . إذ لدي رواية كتبت مسوداتها منذ عامين , وحتى الآن لم استطع من التفرغ لتبييضها .. ربما بسبب الحصار اليومي , والواقع الاستثنائي الذي أعيشه , بظروفه وملابساته المعقدة .وما ينضاف له من تكاليف صحافية (خاصة إنني أدير قسمين : القسم الثقافي والتحقيقات في الصحافي الدولي إلى جانب عمودي السياسي الثابت "كلام دنيا" ومقالي الأسبوعي بالإضافة لمسئوليتي عن نشرة "إضافات" التي يصدرها مركز الدراسات السودانية) كل ذلك وأشياء أخرى ,تجعل من الصعب التوفيق ..أنا غير سعيد بهذه الحياة . لكنني من الجانب الآخر , أؤمن بأنها تستحق أن تعاش , وان خسرنا شيئا من اهتماماتنا التي نحبها , لطالما أننا نريد أن نقول شيئا ما , وبامكاننا التعبير عن هذا الشيء في سياق آخر غير الذي فقدناه .
(*) مشاريعك للنشر : الرواية – القصة – الشعر – النقد ؟.
- باستثناء الرواية ليست لدي مشاريع نشر في الأجناس الأخرى , وبهذا الخصوص كنت قبل مجيء مركز الدراسات السودانية إلى الخرطوم . قد أرسلت له روايتي (مار تجلو – ذاكرة الحراز) . مع احد الأصدقاء , ويبدو انه أهملها , فلم تصل إلى المركز في القاهرة, وعند اكتشافي لهذه الحقيقة القاسية عملت على نشرها لدى دار عزة , والآن يقوم الأستاذ نور الهدى بطباعتها , وربما يحضرها معه في الأيام القادمة من القاهرة .وفي حال نشر مار تجلو سابدا في نشر الرواية التي تليها (لا نجور – مناخات التحفز) وسأعمل على إكمال ما لدي من مسودات أخرى , تمهيدا لنشرها .بعد ذلك سأنظر في قابليتي للنشر في أجناس أخرى كتبت فيها .
(*) أين تجد نفسك : الرواية ,. القصة , الشعر , النقد , المقال السياسي؟.
- بصراحة اجد نفسي في الرواية والمقال السياسي .
(*) لماذا كل هذا الحزن في كتاباتك ؟.
- يبدو انه جزء من تكويني النفسي و فانا لا استمتع إلا بالغناء الحزين . مع إنني أحب المزاح والدعابة ومرح بطبعي , لكن ربما يعود ذلك لكون الحياة نفسها مفارقة لا نملك إزاء اكتشافها سوى الحزن , الحزن على سقط الأفكار وما تهشم من ذواتنا .
(*) الروابط الثقافية : ما لها وما عليها ؟.
إن كنت تعني الصلات الثقافية , فللأسف الحركة الثقافية في السودان , حركة مريضة , مصابة بأدواء غريبة عن قيم الإبداع والمثاقفة .. انه واقع محزن . لا ادري كيف أصفه لك .وهو لا يمثل البيئة النقية للتواصل والتثاقف . وكثيرا ما أتساءل هل الحركات الثقافية في دول العالم , بها من الأدواء ما هو شبيه بأدواء حركتنا .. فقيم الإبداع إنسانية , والمبدع يتمثل القيم التي ينادي بها . عندما يتورط في صرا عات طواحين الهواء ويحول عقله من عقل خالص لقيم الحق والخير والجمال , إلى عقل مناور وماكر ومزدوج , على غرار لكال مقام مقال , عبر ألف وجه ..أتساءل هل الحركات الثقافية في أماكن أخرى , تعاني من هذا السرطان .. واقع "القوالات"والضرب تحت الحزام , و"النقاد الوطنيين"وأشباه القصاصين ..الخ ..كل ذلك يؤثر ويؤدي إلى تمزق أو انهيار جهاز القيم , ولذلك من الصعب أن تنتج مثل هذه البيئة المليئة ب"الغباين"والإحن والعداوات حركة ثقافية معافاة .
(*) "أنت متمرد.." هل هذا القول يعكر مزاجك ؟.
- بالطبع لا يعكر مزاجي .. أحيانا نسمي الأشياء بغير أسمائها . إذا كان أن يكون الإنسان نفسه , ولا يكون سوى نفسه , ولا يخضع لأي محاولة للحط منه أو ازلاله . إذا كان هذا يسمى تمردا فانا متمرد . أما إذا كان التمرد هو الفوضى وسلوك الفنان على نحو ما تسلك الرجرجة والدهماء والأوباش فانا لست متمرد .. لأنني أتطلع إلى معرفة تفوق معرفة الرجرجة , ولوعي يفوق وعي الدهماء . ولسلوك إنساني يتسامى على نزعات الأوباش بصغائرها وتهافتاتها وقذاراتها . فالفنان كائن جميل , ينبغي أن يسلك سلوكا جميلا , لأنه يريد أن يقول شيء مفيد لامته , ويطمح للإسهام في تشكيل وجدان هذه الأمة . فينبغي أن يكون كل ذلك عبر ما هو جميل . ومفاهيم الإنسان على الإطلاق لا تنفصل عن سلوكه . لا يعقل أن يكتب احدهم قصة جميلة , ويسلك على نحو ما تسلك الرعاع باسم تمرد الفنان .الفنان دائما هو لمواجهة متناقضات الواقع يتمرد على هذه المتناقضات في سبيل إعادة صياغة الواقع على نحو إنساني , ولا يتمرد على الإنساني لأجل صناعة المتناقضات .. هذا بالضرورة يسيء إليه , ويندرج في إطار قيمي أخلاقي .
(*) ماذا تود ان تقول بنشرك لهذه المقالات السياسية العديدة في الصحف ؟.
- ما وددت أن أقوله هو ما قلته فعلا فيها .حول فقر الخيال السياسي , وهيمنة المركز على الأطراف .وانتهاك حقوق الإنسان .دون وازع أخلاقي .. ما وددت قوله أن السلوك السياسي بحاجة لمراجعة ..وان العقل السياسي إذا كان هو تيارات الفكر الأساسية وروافدها , فهذا العقل لا يلزم السودان , لأنه عقل قاصر , لا يعبر عن بلادنا الكبيرة .بتنوعها وتبايناتها على المستوى الحضاري , وعلى مستوى الثقافة والأعراق والأديان . فانا لا أؤمن بان هناك دينا محليا وأخر غير محلي , فالأديان هي أديان , وعلينا أن نحترم ما يعتقده الأخر لطالما هو بالنسبة إليه "عقيدة" لان واقع العقائد بلا استثناء هو واقع صحيح , ولا يصح أن نطبق عليه مفاهيم عقائد أخرى لمحاكمته , وما قلته فعلا وظللت أكرره طوال العامين الماضيين 2000و2001 خلال منبر الصحافة والصحافي الدولي وغيرها من الصحف السودانية أن الأزمة الوطنية الشاملة التي يعاني منها السودان لا تتم معالجتها إلا بتفكيك البنى الاجتماعية وإعادة صياغتها من جديد . فالهيمنة والاستعلاء والادعاءات لانساب مقدسة , كل ذلك هو قوانين في البنى الاجتماعية تشكل الخطاب الفكري والسياسي , ويمكن قراءة ذلك في جذور فكر النهضة في الثلاثينيات والعشرينيات ومتابعته وصولا إلى الراهن . وهذا هو مشروعي ذاته على المستوى الإبداعي في مجال الرواية والقصة والنقد .
(*) موقع القصة السودانية من خارطة القصة الأفريقية والعالمية ؟.
- القصة في السودان في موقع متقدم . لكن لا يعني ذلك الحكم عليها معياريا بالمقارنة مع القصة في أفريقيا أو العالم . فأي أحكام هي نسبية وخاضعة لشروط الواقع الذي ينتجها والواقع الذي ينتج القصة فمن مكان الى أخر نجد موقعا مختلفا ننظر منه . وهو موقع يرتبط بقوانين عديدة أولها الواقع نفسه وهو بالضرورة واقع مغاير من مكان لأخر .ومن المغامرة بمكان أن نقول جزافيا إننا الأحسن .. إحدى مشكلات الحركة الثقافية في السودان إنها ظلت لفترة طويلة منبتة عن جذرها الإفريقي لأسباب نفسية تخصها , ولتطلع عربي يخصها , لذلك لم تهتم بالتعرف على الحركة الثقافية الأفريقية إذا جاز لنا التعبير .وما عرفته عن القصة الأفريقية لهو ضئيل جدا ولا يساوي شيئا يذكر أمام النتاج الأفريقي الضخم .ولذلك يظل الحكم على موقعنا خلال مما كتبه نيغوغي واثينغو أو صمبين عثمان أو أتشيني تشيبي أو لابان أو غيرهم .غير كامل لاستيفاء شروط عقد مقارنة . كذلك لا يعني ما أحدثته موسم الهجرة الى الشمال من ضجيج عالمي إننا الأفضل عالميا واهم من كل ذلك أن أي مجتمع ينتج إبداعا يحمل ملامحه هو كمجتمع .ولذلك تبدو المقارنة صعبة .أتصور أن الذي استوقف العالم طويلا أمام موسم الهجرة هو ما تحمله من عنف وحشي يتمثل في مصطفى سعيد وقتله لآن همند بتلك الطريقة . خاصة أن العالم كان وقتها خارجا من دوامات عنف استمرت لفترة طويلة منذ الحرب العالمية حتى استلام حركات التحرر في العالم الثالث زمام الأمور في بلدانها في الستينيات .. ذاك هو عصر العنف وكتابات العنف .. العالم الآن مشرع على حقوق الإنسان . اختلفنا آو اتفقنا حول توظيفاتها الأيديولوجية يظل ذاك هو حلم العالم , الذي يرغب في التعبير عنه بكل أجناس الكتابة .
(*) الطيب صالح احدث نقلة في الرواية العربية والقصة القصيرة , وتظل روايته الانضج في السودان , لماذا لا نلمس ولو تاثيرا بسيطا لها على الرواية العربية ؟.
- الرواية العربية عبر التجربة المصرية هي وليدة تراكم روائي , والطيب صالح لم يحدث نقلة لهذه الرواية بل أسهم ضمن آخرين في تجربتها , والذي يراجع تجربة إبراهيم اسحق وعيسى الحلو واحمد الملك وآخرين من أجيال مختلفة , يجد بينهم من لا يقل نضجا عن الطيب صالح في كتابة الرواية .
(*) ماذا يمثل الحب للمبدع وكيف يؤثر على إنتاجه ؟.
- الإنسان كي يبقى على قيد الحياة يلزمه الحب .الحياة لا تساوي شيئا دون حب .فكيف للمبدع الذي يدعي حب كل الناس بما تعين فيه من قيم إنسانية وجمالية ألا يحب . الحب هو زاد المبدع فالحب عطاء ومن هنا يؤثر على أنتاج الفنان , فالفنان دون حب فقير العطاء , والإنتاج الإبداعي يأخذ ثراءه بمقدار ما فيه من الحب وغناه .
(*) وأخيرا لماذا يحب احمد ضحية كوستي ؟.
كأنك تسألني لماذا تحب والدتك أو والدتك ..كوستي هي ذكريات الطفولة والصبا , وحياتي بكاملها تشكلت في كوستي ولم تتشكل في الخرطوم .في كوستي كتبت الشعر والقصة وصعدت على منابرها وهتفت في التظاهرات ومارست السياسة واعتقلت . في كوستي أحببت لأول مرة .وفي كوستي كذلك كرهت .
............... هامش ............
(+) حوار أجراه القاص والصحافي صديق الحلو .لصحيفة الصحافة .نشر في ملفها الثقافي بتاريخ 23يوليو2002.