أحمد ضحية
01-29-2006, 11:01 PM
اشرنا في الحلقة الماضية (الحلقة الثالثة من هذا المقال) إلى أن الزمن الروائي ,الذي تتحرك فيه البنى الحكائية , في رواية احمد حمد الملك (عصافير آخر أيام الخريف ) محدد بين (58- 1968) ..
نضيف في هذه الحلقة ,حول المكان انه خلافا للزمان غير محدد الملامح , ينسجم والمناخ النفسي للغرباء الذين تعج بهم الرواية , فهو قرية (خلف تخوم الصحراء بمحاذاة نهر النيل ص19من الرواية) .. فهؤلاء الغرباء مثل أولئك (المخاطر ون من دول العالم الثالث (..) فكانوا جميعهم غرباء لا منتمين .. محاصرين بالوحدة والعزلة , فلا هم ينتمون لمجتمعاتهم , ولا ينتمون لهذا المجتمع الذي دخلوا فيه (..) هذا الإطار الإنساني ..قدرهم الذي أعطى تفاصيل حياتهم هنا طابعا مأساويا ص : من رواية صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل لعيسى الحلو ..)!..
نلاحظ أيضا اهتمام الروائي باللغة إلى درجة كبيرة جدا ,بتكثيف الاحتفاء اللغوي لدرجة الانبهام والغموض أحيانا .الأمر الذي لا نجده إلا في بعض الأشعار الرمزية , الاسيانة الحالمة ..
كذلك اعتمدت اللغة في عصافير أخر أيام الخريف ,أيضا – على تركيب العبارة من معان متناقضة (الآلة كانت تعزف وحدها , لأنها مبراة من عيب القلب ص 152)(تستقبلها بنفس حماسها الغابرص134). ولان الأسلوب أسطوري فانتازي , مفعم بالحزن والدفء والحنين والفجيعة في آن . يجعل من العسير أن نلاحظ بدء هذه القضية, التي تنسحب على البناء النفسي للشخصيات !..
وإذا عدنا للراوي , نجده يتحرك عبر إحداثيات النص ,بما يمثل في مستواه الجمعي (الضمير /التاريخ – مك الدار) (لقد اكتشفنا منذ اللحظة الأولى, عندما بدا الوقت مناسبا لمراجعة ملابسات وجوده الغريب(..) صعوبة إعادة رسم صورة ذلك الغريب ,في ذاكرة معاصريه ص 70 من الرواية) ..
صوت التاريخ , صوت الناس .. المكان, أكثر من أي شيء أخر , وتشظي صوت الراوي هو بحد ذاته من الاستخدامات الجديدة التي تميز هذه الرواية (عصافير ...)وان تبدى السرد غر ائبيا في حكاياه المدهشة , المنسجمة مع النظام الصوفي والذاكرة الشعبية في أكثر تفاصيلها سرية وحصارا )عودة الميت)(طي الأرض) .
كذلك تحمل (عصافير أخر أيام الخريف) شيئا من ملامح الرواية الباطنية ,و كما عند اليخو كاربنتييه في (مملكة هذا العالم )كمثال .
إذ تتمركز الفكرة في عصافير .. حول الهجرة والاغتراب الدائمين (الغريب)باعتباره – المفهوم- يمثل احد الأفكار المركزية للنص , وتلك العقيدة الأفريقية الاحيائية, التي تعتقد بان ثمة روح في كل شيء حتى الجماد , وهو ما ناقشه وحلله إبراهيم الكوني في (نزيف الحجر) وفي هذا السياق يبرز الحنين والحزن ,مختلطا بفوضى الذكريات (التاريخ) غير المؤكدة المصادر أو الحدوث , لتعدد الرواة والأسفار .. نتجت – هكذا الفوضى – عن مزج البيئات الاجتماعية والنفسية والثقافية , باختلافاتها من سفر لآخر ومن وقت لآخر . بما يدفع لافتراض تاريخ آخر بعيدا عن سلطات هذه المصادر المشكوك فيها , والتي يبدو الغريب خلالها ,ليس مجرد غريب في حقل من حقول المجال الثقافي والجغرافي المتعدد والمتباين في مكوناته . بل يتجاوز إلى صورة الآخر غير واضحة المعالم , الآخر اللامنتمي ..
ففي موسم الهجرة إلى الشمال نجد مصطفى سعيد غريب في لندن , وكذلك كان غريبا عندما اعتزل وعاد إلى قرية غريبة عنه .
وهؤلاء الغرباء في عصافير آخر أيام الخريف , كذلك لا يقلون غربة عن مستر سعيد , أو عن غريب (البير كامي) . فإذا كان الآخر في موسم الهجرة ,هو العدو المستعمر الذي ينبغي الثأر منه , وفي (جابر الطوربيد لمحمود مدني) هو الغازي الذي ينبغي طرده . فالغريب في (عصافير أخر أيام الخريف )غريب من نوع آخر .. محض لا منتمي لا للجغرافيا أو التاريخ وهو غريب جمعي قبل كل شيء وليس مفردا , ومع ذلك ليس سلبيا كسليمان عثمان في( صباح الخير أيها الوجه..), بل واقرب إلى ياسر ابن سليمان .. ياسر الذي عبر بعبير الفاصل إلى حياتهما بين قبرين( قبرعائشة مرسال وسليمان عثمان) ,
هذا الغريب الجمعي(في عصافير أيام الخريف) لم يتمكن من اكتشاف ذاته أبدا إلا في الخواتيم.. أخيرا تكتشف فاطمة نور الصباح حقيقتها التي هربت منها طويلا( مثل سليمان في أيها الوجه ) اكتشفت أن الرائحة التي استعادت للمرة الأولى ,مقدرتها على انتزاع الذكريات المدفونة في غضون ذاكرتها ,تحت الغبار السري لرائحة نوار الليمون في تلك اللحظة , وحينما سحبت الغطاء (لتكشف عن الوجه الصديء بعرق الموت , تداعت في ذاكرتها مأساة اغتصابها وحيدة في ليل نوار الليمون المشحون بضوء قمر لطيف ومتواطيء في أخر أيام أمشير. من قبل غريب امتلك خاصية التخفي في ثنايا الثغرات الصغيرة في الواقع اليومي , الذي استحدثه وجوده المأساوي غير المتوقع والمفروض ص :256)
وبصرف النظر عن التوظيف الأيديولوجي لمفردة غريب, أو محتواها المعرفي, نلاحظ أيضا تقاطع رموز النص وإشاراته ودلالاته ,مع رموز وإشارات ودلالات حملها جابر الطوربيد مثل العصافير والجراد والشجرة والعالم الفانتازي مجملا , والذي لا يخلو من مناخات طبقات ود ضيف الله , التي يتبدى عنها الحديث الروائي, كإحالة أو مرجعا في الواقع لأكثر عصورنا الوطنية (عرفانا وباطنية) الفترة السنارية .
ومع ذلك يتصاعد عدد الضحايا بشكل يفوق ضحايا ( جورج امادو) في رواياته . ولكن هنا في العصافير لأجل إحداث توازن وتماسك للشخصيات الأساسية , وليس لأجل الخروج من ورطة تطوير الشخصية ..
فالأبطال في العصافير , مثل مصطفى سعيد , يستمدون وجودهم وبقاءهم من موت الآخرين أو من الضحايا , فكل من يتزوج فاطمة نور الصباح , حتى الطبيعة تموت لدى مرورها , كأنها مرصودة ومنذورة للموت .
من جهة أخرى يموت كل أولاد سيد البيت لكبير, حتى الذي يبادل مبروكة الحب , حتى سليمان التاجر (كانت عرافة قد تنبأت له في مطلع أيام شبابه , بان موته في ليلة قائظة و مشحونة بترانيم الموتى ,سيكون وشيكا .عند موت نخلة كانت قائمة وسط جنينة النخيل الملحقة ببيته ص :27 من الرواية )وهي نبوءة مماثلة لنبوءات الموت في هذه الرواية ..
والطاهر ود الزين بعد أن ينجح في إنقاذ حبيبته سميرة نور الدين من براثن الأمير المسحور تموت (ترهقه محاولات إجبار الأشياء من حوله على الاعتراف بموتها , تنتابه فجأة نوبة خرافية من الحزن, فيجلس أرضا دافنا وجهه في بكاء مرير ,ويستمر نواحه ص 239)..
ويظل فعل الموت محاصرا كل شيء , فحتى عندما تعود سميرة للحياة ,على نحو ميتافيزيقي مثل عودة جابر الطوربيد , لا يعترف الطاهر (حبيبها) إنها حية (وللوهلة الأولى , شعرنا بحقد تجاه الموت , لأنه افلت من براثنه هذه الأسطورة, ليكوي قلوبنا بعذاب جمالها ص :241) فالطاهر ود الزين ,الذي قطع الفيافي والوهاد لأجل إنقاذها من براثن الغول , ينشغل بتكريس موتها ,والبحث الأسطوري( مثل بحث الجنرال اورليانو بينديا في مائة عام من العزلة ), عن أسرار تلك اللعنة , فلم يجدها بعد كل هذا العناء في البحث سوى (بضعة جنيهات معدنية من عملة ماريا تريز , وعلبة صغيرة من الصفيح بها بقايا بودرة متحللة وأوراق صفراء جافة , قرأ فيها بحروف إنجليزية : الاسم ريتشارد فون كوتكس ص 242) ..
وهكذا لا يجد سوى التاريخ الذي دونه الأجانب ..
وعندما تفشل سميرة بانتزاع اعترافه بأنها لا تزال حية , يحاول قتلها بفأس فتهرب من ذاكرة القرية التي نهشتها الأرضة , ولا جدوى من الانتظار ..
ويظل المغتصب المجهول كما تتبدى عنه رؤيا النص, لا للدلالة على العسف والموت بل مزدوجا للدلالة على الخصب والحياة أيضا.. عكس توظيف الاغتصاب في جابر الطوربيد , إذ بينما يأتي اغتصاب نقية بنت تاج الدين هناك في الطوربيد من قبل الغزاة مأساويا ,إذ يحولها الاغتصاب إلى أشلاء منتهكة ويقتلها بعد أن ينهبها .. يأتي الاغتصاب في العصافير فعل قهر لكن في إطار المراوحة بين الموت الحياة والخصب .
من جهة أخرى فان ما تسمعه فاطمة نور الصباح ,في السوق من أحاديث النسوة , هو شبيه بالذي يدور في جلسات بنت مجذوب وود الريس في موسم الهجرة ...
كما أن هاجس شير في إنتاج ذلك اللحن السحري الآسر (نجح باستخدام سبعة مزامير في عزف لحن ربابة أم كيكي المنسي, الذي روج لأسطورة أجمل فتاة خلف تخوم الصحراء ص :114) يتناص هذا الهاجس مع هاجس البحث ,عند حفيد الجنرال بينديا عن سر الأسرة , الذي يكتشفه في النهاية فيما يشبه الاوديبية ..
فالأمر لم يكن سرا , فهو محض لعنة تناقلتها أجيال الأسرة عبر تاريخها الطويل في زواج محرم بين فتى وفتاة من الأسرة ينتج طفلا له ذيل - راجع :مائة عام من العزلة(..) هذه البنية الحكائية الصغير تعيد إلى الأذهان أطفال الغريب, الخضر ذوي البشرة الشوكية .. هذه اللعنة التي تتحقق في الحفيد المهجس بالبحث , فقد تزوج من خالته دون أن يدري إنها خالته( : راجع مائة عام من ..) وهكذا يكتشف أن هذه اللعنة التي ظلت أسرته تحكيها ,عبر تاريخ أجيالها هي السر ذاته الذي ظل يبحث عنه الأجداد ليتجنبوه , وقد أصابته (هو بالتحديد) هذه اللعنة , وهكذا ينكشف له السر ,لكن بعد فوات الأوان .وتلك هي القضية . سره هو بالتحديد .. في المقابل التناص هنا مع عصافير آخر أيام الخريف في سر الغريب الذي حملته النبوءات (أجمل فتاة في نطاق الصحراء , وحتى حدود المدارات الماطرة , في عمق الاستواء تعيش حياتها ذليلة بسبب انكسار عاطفتها ,بسبب تغير في دورة المواسم يغيرها في نسيان لعنة غريب يفرض عناصر لعنته حولها , تضع مولودا ذكرا , يمتلك مقدرة فرض نبوءة موته ,غريبا منسيا على من حوله , ثم تلد أجمل فتاتين في الدنيا تحنوان على المرضى وتخففان آلام المسنين, التي تتفاقم بسبب ارتباك نبض الحياة (..) قصة أجمل فتاة رأتها عينا بشر , رؤيتها وقفا على أشخاص بعينهم. حينما تتواجد في الزحام يخطفها أمير مسحور وتموت. ثم تعود للحياة بفضل بركة شيخ يولد في القرية ص :193 ) ليحيلنا هكذا إلى الشيخ الطيب صاحب الجزيرة التي اختفت ؟!..الجزيرة الشبيهة بجزيرة بندر شاه ..
إذن هي قصة الغرباء والغربة في هذه الجغرافيا – الوطن – وكما هي العادة (على قول محيميد) "بعد عام أو عامين أو خمسة ستجيئنا حكومة مختلفة, لعلها غير متدينة وقد تكون ملحدة , إذا كنت تصلي في دارك أو في الجامع فإنهم سيحيلونك للتقاعد .. " انه العسف والحرمان من حق الاختيار ..
كما هو حال الغرباء اللا- انتماء , والحب لا كرغبة جنسية مؤجلة – بتعريف فرويد- بل كقضية إنسانية مطلوبة . كفعل عسف وقهر , وكمصدر للحياة , قبل أن يكون مصدرا للموت والحرمان بفعل الهجر ..
قضية فاطمة نور الصباح (البنية الحكائية المركزية في رواية احمد الملك عصافير الخريف)تأسست على جدليات متعددة المواقع , والتي يبرز فيها موقع المثقف المهزوم والغائب غيابا فاجعا ومأساويا إلى حد الرؤى الكافكاوية , بروزا مشابها لموقعه في (الزندية – لإبراهيم بشير) ففاطمة نور الصباح لم تختار الإجابة على سؤالها الأساسي , كما لم يختار محيميد أي إجابة من قبل(بندر شاه) .. فالإجابات فرضت على الجميع فرضا (وبعد داك كل شيء مشى بالعكس , الإنسان لازم يقول : لا . من أول مرة . (..) بقيت أفندي لان جدي أراد , ووقتين بقيت أفندي كنت عاوز أبقى حكيم , بقيت معلم , وفي التعليم قلت ليهم : اشتغل في مروي . قالوا : تشتغل في الخرطوم . قلت ليهم ادرس أولاد , قالوا تدرس بنات . وفي مدرسة البنات قلت ليهم ادرس تاريخ . قالو تدرس جغرافيا . وفي الجغرافيا قلت ليهم ادرس أفريقيا . قالوا تدرس أوروبا وهلمجرا) . فحق الاختيار لكل شيء معدوم .حتى الحق في الحياة والخيارات الأكثر خصوصية .
....هامش : ....
(*) هذا المقال هو الحلقة الرابعة والأخيرة من قراءة نقدية مقارنة بعنوان : الحنين والآخر(الغريب) وفوضى التاريخ . نشرتها في عمودي (تواصل) بالصحافي الدولي في الفترة من 7 أغسطس إلى 2 سبتمبر : على مدى أربعة أسابيع . وللأسف لم أجد سوى هذه الحلقة (الأخيرة) التي نشرت بتاريخ 2سبتمبر 2002.فعذرا لهذا البتر الذي لم تكن لي فيه حيلة . أرجو ممن لديه الحلقات الأخرى أن يبعث بها إلىّ.
نضيف في هذه الحلقة ,حول المكان انه خلافا للزمان غير محدد الملامح , ينسجم والمناخ النفسي للغرباء الذين تعج بهم الرواية , فهو قرية (خلف تخوم الصحراء بمحاذاة نهر النيل ص19من الرواية) .. فهؤلاء الغرباء مثل أولئك (المخاطر ون من دول العالم الثالث (..) فكانوا جميعهم غرباء لا منتمين .. محاصرين بالوحدة والعزلة , فلا هم ينتمون لمجتمعاتهم , ولا ينتمون لهذا المجتمع الذي دخلوا فيه (..) هذا الإطار الإنساني ..قدرهم الذي أعطى تفاصيل حياتهم هنا طابعا مأساويا ص : من رواية صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل لعيسى الحلو ..)!..
نلاحظ أيضا اهتمام الروائي باللغة إلى درجة كبيرة جدا ,بتكثيف الاحتفاء اللغوي لدرجة الانبهام والغموض أحيانا .الأمر الذي لا نجده إلا في بعض الأشعار الرمزية , الاسيانة الحالمة ..
كذلك اعتمدت اللغة في عصافير أخر أيام الخريف ,أيضا – على تركيب العبارة من معان متناقضة (الآلة كانت تعزف وحدها , لأنها مبراة من عيب القلب ص 152)(تستقبلها بنفس حماسها الغابرص134). ولان الأسلوب أسطوري فانتازي , مفعم بالحزن والدفء والحنين والفجيعة في آن . يجعل من العسير أن نلاحظ بدء هذه القضية, التي تنسحب على البناء النفسي للشخصيات !..
وإذا عدنا للراوي , نجده يتحرك عبر إحداثيات النص ,بما يمثل في مستواه الجمعي (الضمير /التاريخ – مك الدار) (لقد اكتشفنا منذ اللحظة الأولى, عندما بدا الوقت مناسبا لمراجعة ملابسات وجوده الغريب(..) صعوبة إعادة رسم صورة ذلك الغريب ,في ذاكرة معاصريه ص 70 من الرواية) ..
صوت التاريخ , صوت الناس .. المكان, أكثر من أي شيء أخر , وتشظي صوت الراوي هو بحد ذاته من الاستخدامات الجديدة التي تميز هذه الرواية (عصافير ...)وان تبدى السرد غر ائبيا في حكاياه المدهشة , المنسجمة مع النظام الصوفي والذاكرة الشعبية في أكثر تفاصيلها سرية وحصارا )عودة الميت)(طي الأرض) .
كذلك تحمل (عصافير أخر أيام الخريف) شيئا من ملامح الرواية الباطنية ,و كما عند اليخو كاربنتييه في (مملكة هذا العالم )كمثال .
إذ تتمركز الفكرة في عصافير .. حول الهجرة والاغتراب الدائمين (الغريب)باعتباره – المفهوم- يمثل احد الأفكار المركزية للنص , وتلك العقيدة الأفريقية الاحيائية, التي تعتقد بان ثمة روح في كل شيء حتى الجماد , وهو ما ناقشه وحلله إبراهيم الكوني في (نزيف الحجر) وفي هذا السياق يبرز الحنين والحزن ,مختلطا بفوضى الذكريات (التاريخ) غير المؤكدة المصادر أو الحدوث , لتعدد الرواة والأسفار .. نتجت – هكذا الفوضى – عن مزج البيئات الاجتماعية والنفسية والثقافية , باختلافاتها من سفر لآخر ومن وقت لآخر . بما يدفع لافتراض تاريخ آخر بعيدا عن سلطات هذه المصادر المشكوك فيها , والتي يبدو الغريب خلالها ,ليس مجرد غريب في حقل من حقول المجال الثقافي والجغرافي المتعدد والمتباين في مكوناته . بل يتجاوز إلى صورة الآخر غير واضحة المعالم , الآخر اللامنتمي ..
ففي موسم الهجرة إلى الشمال نجد مصطفى سعيد غريب في لندن , وكذلك كان غريبا عندما اعتزل وعاد إلى قرية غريبة عنه .
وهؤلاء الغرباء في عصافير آخر أيام الخريف , كذلك لا يقلون غربة عن مستر سعيد , أو عن غريب (البير كامي) . فإذا كان الآخر في موسم الهجرة ,هو العدو المستعمر الذي ينبغي الثأر منه , وفي (جابر الطوربيد لمحمود مدني) هو الغازي الذي ينبغي طرده . فالغريب في (عصافير أخر أيام الخريف )غريب من نوع آخر .. محض لا منتمي لا للجغرافيا أو التاريخ وهو غريب جمعي قبل كل شيء وليس مفردا , ومع ذلك ليس سلبيا كسليمان عثمان في( صباح الخير أيها الوجه..), بل واقرب إلى ياسر ابن سليمان .. ياسر الذي عبر بعبير الفاصل إلى حياتهما بين قبرين( قبرعائشة مرسال وسليمان عثمان) ,
هذا الغريب الجمعي(في عصافير أيام الخريف) لم يتمكن من اكتشاف ذاته أبدا إلا في الخواتيم.. أخيرا تكتشف فاطمة نور الصباح حقيقتها التي هربت منها طويلا( مثل سليمان في أيها الوجه ) اكتشفت أن الرائحة التي استعادت للمرة الأولى ,مقدرتها على انتزاع الذكريات المدفونة في غضون ذاكرتها ,تحت الغبار السري لرائحة نوار الليمون في تلك اللحظة , وحينما سحبت الغطاء (لتكشف عن الوجه الصديء بعرق الموت , تداعت في ذاكرتها مأساة اغتصابها وحيدة في ليل نوار الليمون المشحون بضوء قمر لطيف ومتواطيء في أخر أيام أمشير. من قبل غريب امتلك خاصية التخفي في ثنايا الثغرات الصغيرة في الواقع اليومي , الذي استحدثه وجوده المأساوي غير المتوقع والمفروض ص :256)
وبصرف النظر عن التوظيف الأيديولوجي لمفردة غريب, أو محتواها المعرفي, نلاحظ أيضا تقاطع رموز النص وإشاراته ودلالاته ,مع رموز وإشارات ودلالات حملها جابر الطوربيد مثل العصافير والجراد والشجرة والعالم الفانتازي مجملا , والذي لا يخلو من مناخات طبقات ود ضيف الله , التي يتبدى عنها الحديث الروائي, كإحالة أو مرجعا في الواقع لأكثر عصورنا الوطنية (عرفانا وباطنية) الفترة السنارية .
ومع ذلك يتصاعد عدد الضحايا بشكل يفوق ضحايا ( جورج امادو) في رواياته . ولكن هنا في العصافير لأجل إحداث توازن وتماسك للشخصيات الأساسية , وليس لأجل الخروج من ورطة تطوير الشخصية ..
فالأبطال في العصافير , مثل مصطفى سعيد , يستمدون وجودهم وبقاءهم من موت الآخرين أو من الضحايا , فكل من يتزوج فاطمة نور الصباح , حتى الطبيعة تموت لدى مرورها , كأنها مرصودة ومنذورة للموت .
من جهة أخرى يموت كل أولاد سيد البيت لكبير, حتى الذي يبادل مبروكة الحب , حتى سليمان التاجر (كانت عرافة قد تنبأت له في مطلع أيام شبابه , بان موته في ليلة قائظة و مشحونة بترانيم الموتى ,سيكون وشيكا .عند موت نخلة كانت قائمة وسط جنينة النخيل الملحقة ببيته ص :27 من الرواية )وهي نبوءة مماثلة لنبوءات الموت في هذه الرواية ..
والطاهر ود الزين بعد أن ينجح في إنقاذ حبيبته سميرة نور الدين من براثن الأمير المسحور تموت (ترهقه محاولات إجبار الأشياء من حوله على الاعتراف بموتها , تنتابه فجأة نوبة خرافية من الحزن, فيجلس أرضا دافنا وجهه في بكاء مرير ,ويستمر نواحه ص 239)..
ويظل فعل الموت محاصرا كل شيء , فحتى عندما تعود سميرة للحياة ,على نحو ميتافيزيقي مثل عودة جابر الطوربيد , لا يعترف الطاهر (حبيبها) إنها حية (وللوهلة الأولى , شعرنا بحقد تجاه الموت , لأنه افلت من براثنه هذه الأسطورة, ليكوي قلوبنا بعذاب جمالها ص :241) فالطاهر ود الزين ,الذي قطع الفيافي والوهاد لأجل إنقاذها من براثن الغول , ينشغل بتكريس موتها ,والبحث الأسطوري( مثل بحث الجنرال اورليانو بينديا في مائة عام من العزلة ), عن أسرار تلك اللعنة , فلم يجدها بعد كل هذا العناء في البحث سوى (بضعة جنيهات معدنية من عملة ماريا تريز , وعلبة صغيرة من الصفيح بها بقايا بودرة متحللة وأوراق صفراء جافة , قرأ فيها بحروف إنجليزية : الاسم ريتشارد فون كوتكس ص 242) ..
وهكذا لا يجد سوى التاريخ الذي دونه الأجانب ..
وعندما تفشل سميرة بانتزاع اعترافه بأنها لا تزال حية , يحاول قتلها بفأس فتهرب من ذاكرة القرية التي نهشتها الأرضة , ولا جدوى من الانتظار ..
ويظل المغتصب المجهول كما تتبدى عنه رؤيا النص, لا للدلالة على العسف والموت بل مزدوجا للدلالة على الخصب والحياة أيضا.. عكس توظيف الاغتصاب في جابر الطوربيد , إذ بينما يأتي اغتصاب نقية بنت تاج الدين هناك في الطوربيد من قبل الغزاة مأساويا ,إذ يحولها الاغتصاب إلى أشلاء منتهكة ويقتلها بعد أن ينهبها .. يأتي الاغتصاب في العصافير فعل قهر لكن في إطار المراوحة بين الموت الحياة والخصب .
من جهة أخرى فان ما تسمعه فاطمة نور الصباح ,في السوق من أحاديث النسوة , هو شبيه بالذي يدور في جلسات بنت مجذوب وود الريس في موسم الهجرة ...
كما أن هاجس شير في إنتاج ذلك اللحن السحري الآسر (نجح باستخدام سبعة مزامير في عزف لحن ربابة أم كيكي المنسي, الذي روج لأسطورة أجمل فتاة خلف تخوم الصحراء ص :114) يتناص هذا الهاجس مع هاجس البحث ,عند حفيد الجنرال بينديا عن سر الأسرة , الذي يكتشفه في النهاية فيما يشبه الاوديبية ..
فالأمر لم يكن سرا , فهو محض لعنة تناقلتها أجيال الأسرة عبر تاريخها الطويل في زواج محرم بين فتى وفتاة من الأسرة ينتج طفلا له ذيل - راجع :مائة عام من العزلة(..) هذه البنية الحكائية الصغير تعيد إلى الأذهان أطفال الغريب, الخضر ذوي البشرة الشوكية .. هذه اللعنة التي تتحقق في الحفيد المهجس بالبحث , فقد تزوج من خالته دون أن يدري إنها خالته( : راجع مائة عام من ..) وهكذا يكتشف أن هذه اللعنة التي ظلت أسرته تحكيها ,عبر تاريخ أجيالها هي السر ذاته الذي ظل يبحث عنه الأجداد ليتجنبوه , وقد أصابته (هو بالتحديد) هذه اللعنة , وهكذا ينكشف له السر ,لكن بعد فوات الأوان .وتلك هي القضية . سره هو بالتحديد .. في المقابل التناص هنا مع عصافير آخر أيام الخريف في سر الغريب الذي حملته النبوءات (أجمل فتاة في نطاق الصحراء , وحتى حدود المدارات الماطرة , في عمق الاستواء تعيش حياتها ذليلة بسبب انكسار عاطفتها ,بسبب تغير في دورة المواسم يغيرها في نسيان لعنة غريب يفرض عناصر لعنته حولها , تضع مولودا ذكرا , يمتلك مقدرة فرض نبوءة موته ,غريبا منسيا على من حوله , ثم تلد أجمل فتاتين في الدنيا تحنوان على المرضى وتخففان آلام المسنين, التي تتفاقم بسبب ارتباك نبض الحياة (..) قصة أجمل فتاة رأتها عينا بشر , رؤيتها وقفا على أشخاص بعينهم. حينما تتواجد في الزحام يخطفها أمير مسحور وتموت. ثم تعود للحياة بفضل بركة شيخ يولد في القرية ص :193 ) ليحيلنا هكذا إلى الشيخ الطيب صاحب الجزيرة التي اختفت ؟!..الجزيرة الشبيهة بجزيرة بندر شاه ..
إذن هي قصة الغرباء والغربة في هذه الجغرافيا – الوطن – وكما هي العادة (على قول محيميد) "بعد عام أو عامين أو خمسة ستجيئنا حكومة مختلفة, لعلها غير متدينة وقد تكون ملحدة , إذا كنت تصلي في دارك أو في الجامع فإنهم سيحيلونك للتقاعد .. " انه العسف والحرمان من حق الاختيار ..
كما هو حال الغرباء اللا- انتماء , والحب لا كرغبة جنسية مؤجلة – بتعريف فرويد- بل كقضية إنسانية مطلوبة . كفعل عسف وقهر , وكمصدر للحياة , قبل أن يكون مصدرا للموت والحرمان بفعل الهجر ..
قضية فاطمة نور الصباح (البنية الحكائية المركزية في رواية احمد الملك عصافير الخريف)تأسست على جدليات متعددة المواقع , والتي يبرز فيها موقع المثقف المهزوم والغائب غيابا فاجعا ومأساويا إلى حد الرؤى الكافكاوية , بروزا مشابها لموقعه في (الزندية – لإبراهيم بشير) ففاطمة نور الصباح لم تختار الإجابة على سؤالها الأساسي , كما لم يختار محيميد أي إجابة من قبل(بندر شاه) .. فالإجابات فرضت على الجميع فرضا (وبعد داك كل شيء مشى بالعكس , الإنسان لازم يقول : لا . من أول مرة . (..) بقيت أفندي لان جدي أراد , ووقتين بقيت أفندي كنت عاوز أبقى حكيم , بقيت معلم , وفي التعليم قلت ليهم : اشتغل في مروي . قالوا : تشتغل في الخرطوم . قلت ليهم ادرس أولاد , قالوا تدرس بنات . وفي مدرسة البنات قلت ليهم ادرس تاريخ . قالو تدرس جغرافيا . وفي الجغرافيا قلت ليهم ادرس أفريقيا . قالوا تدرس أوروبا وهلمجرا) . فحق الاختيار لكل شيء معدوم .حتى الحق في الحياة والخيارات الأكثر خصوصية .
....هامش : ....
(*) هذا المقال هو الحلقة الرابعة والأخيرة من قراءة نقدية مقارنة بعنوان : الحنين والآخر(الغريب) وفوضى التاريخ . نشرتها في عمودي (تواصل) بالصحافي الدولي في الفترة من 7 أغسطس إلى 2 سبتمبر : على مدى أربعة أسابيع . وللأسف لم أجد سوى هذه الحلقة (الأخيرة) التي نشرت بتاريخ 2سبتمبر 2002.فعذرا لهذا البتر الذي لم تكن لي فيه حيلة . أرجو ممن لديه الحلقات الأخرى أن يبعث بها إلىّ.