مشاهدة النسخة كاملة : فلسفة الحب
نور الهدى
08-08-2004, 07:31 PM
الحياة بدون حب لا تطاق.. بل إنه الموت المحتم للنفس الإنسانية التي تحيا بالعاطفة والعقل معًا وتأبى القسوة والجفاء! لكن.. أي حب ذاك الذي لا حياة بدونه؟ قد يهيم المرء في عالم الخيال فيطلب حبًا مثاليًا لا يرام، أو يسرع به الخيال في دنيا العشـــق واللذة فيــحب محبوبة لا لـذاتها وإنمـــا لهـــواه. وكــــل ذلــــك لا مكان له في دنيا المحبين الصادقين ولا وجود له في سماء الحب الصافية وينبوعها العذب الرقراق... يحكي لنا الأدباء وغيرهم أن أشهر قصة حب في التاريخ تلك التي خلَّدها الأدب العربي بين "قيس وليلى" والأدب الفرنسي بين "روميو وجولييت"، لكنها حقيقة وهمية لأن أعظم قصة في تاريخ الحب والوفاء هي التي كانت بين حبيبنا وقدوتنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه الكريمات أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن- بينه وبين الطاهرة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- وبينه وبين الصديقة عائشة -رضي الله عنها- وفي الصحيحين سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة"... ومن تأمل سيرته -صلى الله عليه وسلم- معهن رضوان الله عليهن تبين له حقيقة ذلك. . إنها محبة الزوجة المعينة على العفاف وأنس النفس ولطافة الروح. . وتلك من نعم الله وآياته العظيمة التي يتطلب منا لمثلها الطاعة والشكر، كما قال تبارك وتعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها}، إنه ليس سكن المنزل والمبيت بل سكن النفس وراحة الروح وطمأنينة القلب.. لأنه حب طاهر رائع جميل فيه الرحمة والود: {وجعل بينكم مودة ورحمة} أي وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة كما قال ابن كثير -رحمه الله-؛ وذلك سر السعادة بين الزوجين بأن يقوم البيت على محبة الله وطاعته فيكون لها أثر عظيم في الألفة والحب. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}، وما أحسنها من عبارة بليغة تختم بها الآيات!، نعم إن التفكير السديد يعي رابطة الرحمة والحب بين الأزواج لا كما يدعي من أعرض عن الحق أن (الزواج يقتل الحب ويدمره).. إنها دعوة للفساد والانحلال في الأخلاق.. إن الحب الذي لا يكون فيه عشرة للمحبوب ومعاشرة لحياته و"مطاولة مع طباعه" كما اصطلح على ذلك الإمام ابن حزم -رحمه الله- وعقد له فصلاً في كتابه الشهير "طوق الحمامة" ومعرفة بأحواله وأخلاقه إنه في الحقيقة حب سطحي زائف وإن ادعـى أصحـابه الـهــم والغــم والعــذاب أو أنهم كما قال المتنبي:
أرق على أرقٍ ومثلى يأرقُ .. وجوى يزيد وعبرة تترقرقُ
جُهد الصبابة أن تكون كما أُرى .. عينٌ مسّهدة وقلب يخفقُ
لأن الحب نور من الله في القلوب. . والمحبون يتنعمون بإشراقات ذلك النور ولو عانوا الشوق وآلام الفراق.
قيل لأحد العبَّاد: أنت مشتاق! فقال: لا.. إنما الشوق إلى غائب.. فإذا كان الغائب حاضرًا فإلى من يُشتاق!
هكذا تساوى عنده الأمر فلا هموم للشوق يحمل، وتطابقت لديه الصورة في جميع الأحوال فلا عذاب يتوهمه في الحب، متفائلاً باللقاء مستبشرًا بالثواب لأنها محبة لله وفي الله، ومما يعينه على طاعة الله تعالى أنه محب حال الغيب والشهادة، وإنما يبكي على الحب المعذبون التعساء المعرضون عن الأنس بالله والإيمان به، الغافلون عن ذكره وتقواه. قال تبارك وتعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيام أعمى} [طه: 124]. اللهم آنسنا بذكرك واقذف محبتك في قلوبنا حتى لا يكون لنا هم ولا شغل غيرك.. يارب العالمين...
الاتجاهات الثلاثة لمفهوم الزواج في الواقع العربي على الرغم من كل التصريحات الرسمية المعلنة للتأكيد على عملية التوازن بين الكم والكيف، إلاَّ أن تركيز المجتمعات العربية كان على الكم على حساب الكيف، وربما يكون السبب المباشر في ذلك هو تفاقم المشكلات واتساع نطاقها وتزايد حدتها بشكل يفرض إنقاذ الكم أولاً حتى ولو من قبيل الاعتبارات الإنسانية أو معايير العدل، الاجتماعي التي جعلت بعض الناس يميل إلى إعطاء الأولوية إلى تعليم أكبر عدد ممكن على حساب النوع والكيف، أو تزويج أكبر عدد ممكن من الشباب والفتيات دون الاهتمام بمعالجة العوامل المؤثرة على الزواج القائم فعليًا.غير أن هذا الترتيب أو التفضيل سرعان ما خلف وراءه سلبيات كثيرة أثرت بالسلب تجاه موضوع الزواج نفســه، أو عــلى الراغبـين فـيـه، إذ أنـه لا فائدة من تقليل نسبة العنوسة وحالات الطلاق في تزايد مستمر؛ لأن هذا هو بداية المشكلات الأسرية ومن ثم مشكلات المجتمع عامة، فالزواج الناجح يرغب في الزواج وييسره بينما ينفر الزواج الفاشل من الزواج ويعسره، إن كثيرًا من الاشتراطات والتعقيدات التي يتشبث بها والد العروس وأمها وعائلتها أحيانًا ناجمة من الخبرات السلبية لحالات زواج سابقة أو من أوضاع الزواج القائمة في المجتمع العربي، كما أن كثيرًا من التيسيرات التي تقدم في الزواج إنما هي نابعة من الاقتداء بحالات ناجحة تم التركيز فيها على الرضا المعنوي والاجتماعي أكثر من الإشباع المادي والمالي.
نور الهدى
08-08-2004, 07:36 PM
وبقدر ما يكون مفهوم الزواج إيجابيًا والصورة المنطبعة عنه إيجابية بقدر ما يعكس هذا سمة النجاح والعكس صحيح، غير أنه بنظرة موضوعية إلى الواقع العربي يمكن أن تؤدي إلى وجــود ثلاثة اتجاهات نحو الزواج:
1- اتجاه سلبي.. وهو من الخطورة بمكان إذا لم يتم تعديل هذا الاتجاه قبل الزواج لأن ردود فعله قد تؤدي إلى العـزوف عـن الــزواج فتـرة طويــلة وإلى آثار نفسية على العانسات تتخذ شكل العدوانية والحقد والحسد نتيجة المقارنة بالمتزوجات. أما في حالة الإقبال على الزواج بهذه الروح السلبية فإن ذلك يؤدي إلى ظلم الطرف الآخر وعدم التكيف معه حتى لو كان اتجاهه هو إيجابيًا، إذ أن الزواج بالذات عمليـة تفاعـلـيـــة لا يمــكـــن أن تــثمــر أوتستمر أو حتى تتم بالشكل المطلوب إلاَّ إذا كان التفاعل من الطرفين تفاعلاً مناسبًا ومرضيًا.
والمتابع لحالات الزواج ذات الاتجاه السلبي من أحد الطرفين سواء من البعد الاجتماعي أو النفسي أو حتى الجنسي يجد من الصعوبة، بل من الاستحالة أن يتم التفاعل الإيجابي لأي بعد في ظل وجود اتجاه سلبي من أحد الطرفين، وخطورة هذا أن يتحول اتجاه الطرف الآخر إلى اتجاه سلبي بعد فترة من الزمن، وفي هذه الحالة يصعب العلاج وقد يستحيل لأن كل طرف يعتبر الطرف الآخر أنه السبب في فشل عملية الزواج ويتم تبادل الاتهامات وينتظر كل طرف من الآخر أن يبدأ هو بالإصلاح أو الحل وغالبًا ما تنتقل هذه الحالة إلى الأطفال وتؤثر عليهم منذ الصغر وهو ما يشكل الخطر الأكبر لأن سلبيات التنشئة الاجتماعية -كما ترى كثير من نظريات علم النفس- يصعب علاجها في الكبر إلاّ بتغييرات جذرية وشاملة في حياة الإنسان يكون المتغير الأساسي فيها دوافـع ومــؤثـرات نفســـية أو ديــنــيـة أو كليهما معًا.
2- اتجاه إيجابي.. وهو اتجاه يساعد في تيسير وإتمام عملية الزواج ويتيح فرصًا كبيرة من التفاعل وردود الأفعال الإيجابية المتبادلة التي تساعد بشكل جيد في إكساب الأطفال تنشئة اجتماعية سليمة وصحيحة.
ومن مزايا هذا الاتجاه قدرته على الصمود أمام المشكلات والعثرات التي قد تعترض طريقه في المستقبل، حيث لا توجد حياة بلا مشكلات أو صعاب، كما أنه لا يـوجــد إنســـان بلا تغيــيرات أو تطورات، إذ أن الظروف المحيطة في العمل والأسرة والمجتمع عامة قد تؤثر بالسلب وتنعكس على الزواج، كما أن هناك مؤثرات الأصدقاء وتبادل الخبرات السيئة وعدم صدق الأحاديث المتبادلة بين الأزواج قد يؤدي إلى اهتزاز العلاقة الزوجية. ولعل هذا يفسر ما نسمعه كثيرًا من شكوى بعض الأزواج الذين كانوا ناجحين ومتفاهيمن ومتحابين سنوات طويلة ثم أُصيبت علاقتهم بالفتور والسلبية وعدم المصارحة.
وعلى الرغم من ذلك كله فإن قدرة أصحاب هذا الاتجاه على إنقاذ الزواج من السقوط والهبوط قدرة متاحة وممكنة؛ لأنها تنطلق من تاريخ إيجابي وبداية موفقة تدعمها الأيام الجميلة والأوقات السعيدة التي أمضاها الطرفان في بداية الزواج، وهذا لا يعني بالطبع خلوه من حالات استثنائية قد لا تنجح في العودة إلى نقطة البداية.
3- اتجاه غير محدد.. وخطورة هذا الاتجاه أنه لم يتكون بعد، حيث تجد أصحابه يفتقدون القدرة على تحديد أهمية الزواج حتى لو كانوا في سن مناسب، ومثل هؤلاء الشباب أو الفتيات غالبًا ما يتم تزويجهم من قبل والديهم ولا يبادرون بأنفسهم نحو الزواج، فهم يتزوجون نزولاً على رغبة آبائهم وأمهاتهم دون أن يكونوا على بينة بمسؤوليات الزواج الأسرية والاجتماعية والمادية التي تتطلب نضجًا عقليًا واجتماعيًا ونفسيًا قد يتوافر في غيرهم حتى لو كانوا أصغر منهم سنًا.
نور الهدى
08-08-2004, 07:39 PM
أي أن هذا النضج العقلي والاجتماعي والنفسي للزواج قد يتوافر لشخص ما في العشرينيات ويفتقده أخ له في الثلاثينيات، فهو نضج غير مرتبط بسن معين وغير مرتبط بمستوى تعليمي ولكنه يخضع لظروف ومتغيرات عديدة من أهمها: العادات والتقاليد المحيطة على المستوى العائلي أولاً والاجتماعي ثانيًا والتكوين النفسي للشخصية ثالثًا.
وغالبًا ما يكون لهذا الزواج آثار سلبية ولكنه ليس بالضرورة زواجًا فاشلاً في كل الحالات لأن عملية تكوين الاتجاه وتحديده قد تتم بشكل إيجابي في فترة لاحقة.
ولذا فإن من مزايا هذا الاتجاه هو إمكانية تكوينه بشكل إيجابي قبل الزواج سواء من قبل الوالدين والأقارب أو من قبل المؤسسات الاجتماعية.
وإذا كان الاستعداد للزواج يؤدي دورًا كبيرًا في الإقبال عليه والترغيب فيه فإن ثمة ارتباطات أخرى لا تقل أهمية وهي: اتجاهات كل طرف نحو الآخر ومعرفة لماذا يتزوج؟ ومفهوم الزواج عنده والأطر المرجعية التي يستقى منها مفهومه.
رأي الآخرين في تقدير الشخص لذاته
إن تأثير الجماعة على إحداث التغيرات السلوكية لدى الأفراد ثابت علميًا منذ قرون عديدة. فقد أشار كل من (آدلر ويونج) إلى أهمية رأي الآخرين في التأثير على الفرد، كما أكد عدد من تلامذة (آدلر) في الربع الثاني من القرن العشرين على استخدام معالجات نفسية تعتمد على الجماعة.
وقد ازدادت في الآونة الأخيرة البحوث التي تؤكد أثر الجماعات الكبيرة والصغيرة في سلوك الفرد وما ينطوي على هذا السلوك من سوء أو انحراف. فالإنسان في إطار الجماعة يشعر بالأمن والأمان، مما يتيح له القيام بسلوك جديد والتخلي عن سلوك قديم في التعامل مع الآخرين.
ويؤكد (هاري ستاك سوليفان) أهمية العلاقات الشخصية مع الآخرين، فالعلاقات الشخصية المتبادلة تميز الحياة الإنسانية، إذ إن الفرد لا يوجد بمعزل عن الآخرين. ولذلك كان (سوليفان) مهتمًا بدراسة التواصل مع الآخرين، وأوجد نظرية الطب النفسي الخاصة بالعلاقات بين الأشخاص.
فضلاً عن ذلك فإن مفهوم الشخص لذاته وتقديره لها ينشأ من إدراكه أن الآخرين يفكرون فيه بطريقة خاصة، مما يجعله في معظم الأحيان يحاول العيش في مستوى توقعات الآخرين منه. ولهذا يتكون مفهوم الــذات كما يــرى ريمــي (Raimy,1975) أن من الانطباعات والمعتقدات والتصورات والاقتناعات المنظمة التي تشكل معرفة الفرد لذاته والتي تؤثر على علاقاته بالآخرين.
كما أن تقدير الذات يعد من الحاجات التي يؤكد عليها (ماسلو) في تصنيفه الهرمي للحاجات. فالحاجة إلى تقدير الذات ترتبط بإقامة علاقات مشبعة مع الذات ومع الآخرين، والتي تتمثل في أن يكون الفرد متمتعًا بالتقبل والتقدير كشخص يحظى باحترام الذات، وأن يكون محترمًا وله مكانة بين الناس، وأن يتجنب الرفض وعدم الاستحسان من قبل الآخرين.
كما يفترض (روجرز، 1961م) أن كل فرد لديه حاجة إلى تقدير ذاته على نحو موجب، وانطلاقًا من اتساقه مع توجهه، فقد عرّف المرض النفسي بأنه إخفاق الفرد في تقديره لذاته بصورة إيجابية، أوتفاوت مفرط بين مفهوم الذات المدرك ومفهوم الذات المثالي. ونظرًا لنمو مفهوم الذات من خلال إدراك المرء لتقييم الآخرين له فإن مرض الفرد نفسيًا أوعقليًا، أو إخفاقه في تحقيق ذاته يرجعان بصورة أساسية إلى إخفاقه في الحصول على تقدير إيجابي من قبل الآخرين.
ü ü ü
وتنشأ فكرة الفرد عن ذاته وتقديره لها من خلال تفاعله مع الآخرين ووعيه لأحكامهم وإدراكه لهم. فالنمو الطبيعي للشخصية يقوم على التقدير الإيجابي للفرد من قبل الآخرين، فإذا تلقى الفرد تقديرًًا إيجابيًا وغير مشروط من الأشخاص المهمين في حياته (الأب، الأم، المعلم..) على سلوكه، فسوف تنمو لديه شخصية سوية، وينعكس ذلك على تقديره لذاته وتقدير المجتمع له.
فالشروط التي تجعل الآخرين (ذوي الأهمية) يقدرون الشخص تقديرًا إيجابيًا تستدمج في بنية الذات، وفيما بعد ينبغي عليه أن يسلك وفقًا لهذه الشروط لكي يقدر ذاته بشكل إيجابي.
فالتقدير الذاتي غير المشروط من قبل الآخرين للشخص يؤدي إلى تقدير ذات غير مشروط، وإلى تقارب بين الحاجة إلى التقدير الإيجابي من قبل الآخرين، والحاجة إلى التقدير الذاتي من جهة، وبين التقييم الناشئ من داخل هذا الشخص ككائن والمحافظة على التوافق النفسي من جهة أخرى. فالاضطراب النفسي وفقًا لنظرية (روجرز) في الإرشاد والعلاج المتركز حول المتعالج (Client centred Psycherapy) ينشأ من وجود شروط للأهمية تقف بين الفرد وإشباع حاجته إلى التقدير الإيجابي من جانب الآخرين، مما يضطره إلى إنكار جانب من خبراته ومحاولة إبعادها أو تسوية الواقع، وبذلك لا تضاف الخبرة إلى الذات، وينشأ عدم التطابق الذي يعده (روجرز) مرادفًا للاضطراب النفسي.
ومن الدراسات الحديثة التي توضح مدى أهمية رأي الآخرين في تقدير الشخص لذاته، تلك التي أجرتها عالمتا النفس دارسي سانتور (Darcy A.Santor)، وجنيفر وولكر (Jennifer Walker) من جامعة دولهوسي في كندا (Kanadischen Universitat Dalhousie)، فقد أخذتا عينة قوامها (75) شخصًا، وطبقتا عليهم استبيانًا على شكل أسئلة. وقد توصلت الباحثتان إلى أن مشاعر تقديرنا لذواتنا ذات صلة وثيقة بمدى اهتمام الآخرين وتقديرهم لنا. أما فيما يتعلق بكيفية تقييم الشخص لذاته وعلاقة ذلك بالناحية الجمالية، فقد أوضحت الدراسة أن الناحية الجمالية ذات أهمية قليلة في تقدير الشخص لذاته. كما أظهرت الدراسة أيضًا أن تقدير الجاذبية الشخصية الخاصة، بالإضافة إلى تأثير الشخص الحقيقي على الآخرين، ذات فاعلية قليلة في تقدير الشخص لذاته. فالعلاقة بين تقدير الشخص لذاته والتقدير الموضوعي للجمال قليل الأهمية بشكل واضح.
ü ü ü
أما فيما يتعلق بالجاذبية الشخصية، فقد بينت الدراسة أن لها تأثيرًا إيجابيًا على مشاعر تقدير الذات الاجتماعية بصورة خاصة، إذ أن من يقيَّم من قبل الآخرين على أنه جميل وجذاب، فإن قدراته الاجتماعية وكفاءته القيادية تقيَّم بشكل أفضل بالمقارنة مع الأشخاص المشاركين الذي قيموا على أنهم أكثر جاذبية. فالأشخاص الأكثر جاذبية يكونون أكثر ظهورًا، ومع تزايد الجاذبية الجسمية، تزداد قدرة الشخص، ويزداد اتزانه وعقلانيته.
ولهذا فإنه عندما يظهر الآخرون اهتمامهم بنا، يزداد تقديرنا لذواتنا، أما عندما يقل اهتمام الآخرين بنا، فإن تقديرنا لذواتنا يتناقص، ونصبح أكثر عرضة للخطر. فحرمان الشخص التام من الاهتمام الاجتماعي أو قلة الاهتمام به يسيء إلى شعوره في تقدير ذاته.
معادن البشر
ابحث وفتش من أي المعادن أنت؟ هل أنت مـن الذهــب أو الزئبــق أو النحاس أو الحديد.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تجدون الناس معادن؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشان أشدهم له كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه».
إن هذا الحديث النبوي الشريف يتضمن فوائد خصبة في معرفة الناس، وانتماءاتهم، ومشاعرهم، وميولهم، ومواقفهم في الحياة، وما الذي هم فيه وما الذي يحرصون عليه.
وهذا الحديث النبوي أصل من أصول الحكمة، وقاعدة في أسلوب التعامل مع الآخرين. فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «تجدون الناس معادن»، حكمة ذهبية عليها بريق وضاء صادق من نور النبوة، وهي جملة معبرة.
ü ü ü
إن باطن الأرض يزخر بأنواع من المعادن والجواهر؟ وإن الباحث في خصائصها يجد أنها تختلف اختلافًا واضحًا في طبيعتها وصفاتها وفوائدها وأثمانها عند الناس، فمنها الجامد والسائل، ومنها اللين الطري والقوي الشديد، ومنها النفيس الغالي، ومنها غير ذلك.
وكذلك طبائع الناس وأخلاقهم وأذواقهم ومشاربهم، وهذه حقيقة مستورة لا يعرفها إلا من خالط الناس بأخذ وعطاء؟ وفي حالة الغضب وفي حالة الرضا، ورصد مواقفهم من تقلبات الأيام، وتحولات الأمور والاقتراب من نفوسهم، وتغلغل في أعماقها ليسجل أحاسيسها ومراميها وانفعالاتها.
وحينذاك يجد أن بعضهم قوي عنيد، صاحب طبع حديدي، يرتفع على غيره بالحق أو بالباطل.
ويجد بعضهم وديعًا لينًا أليفًا مطواعًا سهلاً قريبًا، ويجد في الناس أيضًا صاحب الطبع الذهبي، الذي يجمع بين نفاسة المعدن وحسن المنظر، تتقلب الأيام ولا يتقلب؟ وتتبدل القيم وهو محفوظ القيمة، لا ينزل عن مستواها الرفيع، إن صهرته المحن بنارها، خرج من فتنتها أصفى مما كان وأشد جلاء ولمعانًا وجاذبية.
وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «تجدون الناس معادن» إن خير معادن الناس في نظر الإسلام، من جمع بين شرف الدنيا وعز الآخرة.
وبهذا المعيار صحح الإسلام ما استقر في أذهان بعض الناس من أن التفاضل لا يقوم إلا على أساس الغنى أو الجاه المادي، ولعل هذا هو الذي دفع الصحابة إلى أن يعرفوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أي القبائل من العرب جمعت المجد من أطرافه، وبلغت قمة الشــــرف، فقـالـوا: مـن أكـــرم النـــاس يا رسول الله؟ ولما كان الكرم هو كثرة الخير: قال: أتقاهم».
نور الهدى
08-08-2004, 07:40 PM
ولما لم يكن هذا مقصدهم من السؤال، ظن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم يريدون شخصًا بذاته، حاز الرئاسة والغنى في الدنيا والفوز والرضوان في الآخرة، فأخبرهم أن أكرم الناس نبي الله يوسف -عليه السلام-، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، إنما عن قبائل العرب، فقال لهم: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا» أي: علموا الأحكام الشرعية وعملوا بمقتضاها.
ü ü ü
إن الإسلام يرفع منزلة الفضائل أيًا كانت، ويُعلي من مكانة مكارم الأخلاق أني وجدت؟ ويغالي بقيمة المروءات من أي صدرت، ولا يغمط النفوس الكبيرة حقها؟ بل يجعل أهل الشمائل الطيبة في الجاهلة؟ هم أصحابها وأهلها في الإسلام، إذا اتصلوا بشرع الله وفقهوا دينه.
روت كتب السيرة والتاريخ أن امرأة أسيرة تعرضت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في طريقه إلى المسجد، وقالت: يامحمد، هلك الولد، وبعد الوافد، أي أخوها كان يرعاها "فإن رأيت أن تمن علي وتخلي سبيلي فافعل، ولا تشـمت بي قبائل العـرب، فإن أبي كان يحمي الذمار" أي: العرض والشرف (ويفك العاني) أي الأسير، ويشبع الجائع ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ولم يرد طلب ذي حاجة جاءه قط. أنا سفانة بنت حاتم الطائي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ياجارية هذه صفـات المؤمنـين حقًا، ولو كان أبوك مسلمًا، لترحمنا عليه، خلوا سبيلها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق». والقصة مذكورة في كتب السنة ومدونات التاريخ كالبداية والنهاية لابن كثير.
إن هذا الحكم النبوي يدلنا على أن هنالك نفوسًا لا تعدم الخير، بل إن خصال الفضل والمعروف والنجدة؟ تملأ جوانبها، وهي أسرع من غيرها في الاستجابة لدعوات الخير والحق ولقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل المروءات والنجدة، أولئك الذين عاشوا في الجــاهــلية ومــا أن عـلمــوا أن محمــدًا -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى مكارم الأخلاق، حتى أسرعوا لدعوته، وأقبلوا عليها في شوق ورغبة.
ü ü ü
ومن خلال مطالعتنا وتأملنا في هذا الحديث: «الناس معادن "نجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في بقية الحديث..." وتجدون شر الناس ذا الوجهين "وهو يعني: أصحاب النفوس الضعيفة، الذين يراءون الآخرين، ويسيرون مع كل ركب، ويمدحون كل قائل" ولا يخلصون مع أنفسهم، ولا يراعون مصالح أمتهم ومجتمعهم؟ همهم مطامعهم وهدفهم أشخاصهم ولو على حساب الحق، يأتون هؤلاء بوجه، ويأتون أولئك بوجه، في الأسواق والأندية والإدارات ومرافق الأعمال.
والتاريخ والواقع مليئ بالمآسي، والأحزان التي أصابت المجتمعات من ذوي الوجهين الذين يظهرون غير مايخفون ويتكلمون بغير ما يوقنون {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14].
وهكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- دقيقًا في تحديد طبائع الناس، وصفاتهم وميولهم وتطلعاتهم في الحياة، وهو قد شبههم بالمعادن التي منها الحديد والنحاس والزئبق والذهب.
العطر ذاك الساحر الحبيب!
العطر لا يفســر، وأنا بالطـبـع لا أقصد عدم شَرْحَ الملفوظة في معاجم اللغة العربية، كلا، بل على العكس تمامًا، فما من معجــم نتصفحه إلا ونجد فيه شرحًا ينهج نهج الإيجاز الوافي لكلمة عطر، فالعطر بالكسر لغويًا هو الطيب، وجمع عطر عطور وبائعه يدعى العطار وحرفة هذا الأخير هي العـطـارة، ويقـال امـرأة عـطــرة، ورجــل عطر وكلاهما معطار ولا أكتمك -عزيزي القارئ- أن من أحب الأمثال العربــية إلى قلــبي في تـراثنا العريــق: لا عطر بعد عروس!
وعروس هو اسم عَلَم لرجل عربي شهم شاءت الأقدار أن يدخل التاريخ من بابه الواسع بعدما توفاه الله رثته زوجه أسماء بنت عبدالله العذرية التي تزوجها فيما بعد رجل أعسر أبخر بخيل دميم فلما أراد أن يظعن(1) بها قالت: لو أذنت لي رثيت ابن عمي فقال افعلي، فقالت:
أبكيك يا عروس الأعراس، يا ثعلبا في أهله، وأسدا عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس، فقال: وما تلك الأشياء؟ فقالت: كان من الهمة غير نعاس، ويعمل السيف صبيحات أبناس! ثم قالت:
يا عروس الأغر الأزهر، الطيب الخيم الكريم المحضر مع أشياء لا تذكر، فقال وما تلك الأشياء؟
قالت: كان عيوفا للخنى والمنكر طيب النكهة غير أبخر، أيسر غير أعسر فعرف الزوج أنها تعرض به، فلما رحل بها قال:
ضمي إليك عطرك وقد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة فقالت: لا عطر بعد عروس! وما حدا بي إلى سرد قصة هذا المثل الشجية هو اقتران مضمونها بالعطر، ومثلما وجدنا تفسيرًا للعطر في اللغة بإمكاننا لو أردنا أن نحصل على تفسير لكيميائه ومكوناته من كحول ومركز عطر وماء مقطر فنعرف أن هذا طيب عود وذاك ياسمين، والآخر عطر خزامى وأن تلك القارورة مستخلصة من القرنفل والأخرى من مسك الغزال على سبيل المثال إذا كان الأمر يتعلق بالعطور الشرقية وما أكثر أنواعها لدى العطارين! وألوان العطور هي ألوان الطيف، فيها الأزرق الشفاف، والوردي، والأصفر، والبنفسجي، والأخضر، والبرتقالي، والشفاف الذي يستعاض به عادة عن اللون الأبيض! وفي اعتقادي أن العطر ككل الكائنات الحية مركب من جسد وروح، جسد العطر يتمثل في المادة الملموسة التي يتركب منها والتي يمكن أن نراها رأي العين وأن نتعرض لعناصرها بالشرح والتحليل في المخابر أما روحه فهي مالا يرى وما لا يلمس ومالا يقال، ولذا قلت في بداية الحديث العطر لا يفسر! تجف زخة العطر وتتلاشى في الفضاء، بينما يبقى سحرها الباهر وسرها المسكر الذي يحولك من حيث تدري ولا تدري إلى حلم فهمسة، إلى رقصة فنغمة، إلى قصيدة فنجمة تضوع بعبير الحب والسعادة والنشوة في ملكوت شاعري عطري الأجواء والمعنى!
نور الهدى
08-08-2004, 07:42 PM
ألا يا نسمة الفجر
أثرت الشوق في صدري
حملت رسالة كتبت
بماء الورد والزهر
من الأحباب قد وردت
وفيها النثر كالشعر
صحوت على قراءتها
فضج الجو بالعطر!
ألا يا نسمة حلت
علي كوابل القطر!
حملت العطر من خلي
ولا يكفي هنا شكري
وجدت بأعذب الألحان
في أنشودة العصر!
جعلت الصبح في عيني
كعيد الحج والفطر!
فقط بهذه الكلمات الثملى بالمشاعر الرقيقة الحالمة المشتقة من روح العطر يفسر العطر، أما التركيب الكيماوي له فحديث آخر!
ملاحظة: الأبيات التي ختمت بها المقالة هي للشاعر الإماراتي الدكتور مانع سعيد العتيبة!
ــــــــــــــــــــــ
(1) أراد أن يظعن بها: بمعنى يبني بها، أي يتزوجها!
قسوة الحياة .. والفرج بعد الشدة!!
>> بعــض النـاس تمــر بهــم لحـظـات لا يفرقون فيها بين:
عاطفة الخير وعاصفة الشر.
بين ضياء المثاليات وليل المثالب.
يتساوى لديهم النور والديجور.
ويتماثل أمام أعينهم "العقال والنعال"!.
وهذه اللحظات تجيء أيام المحن.. وتمر على الأفراد والأمم.
ولكن العاقل، والرشيد هو من يستطيع ألا يجعل قسـوة الأيام تفقده صـوابه أوتُعمي بصيرته!
والمحن -حقًا- قاسية ومؤلمة ولكن حكمة العقلاء أقوى منها؛ لأنها تهدئ من وقعها وترسم الإيقاع الأمثل للتعامل معها، ثم بعدها تمر رياحها رخاء.
ألم يقل الحكيم:
"يُقضى على المرء في أيام محنته
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن"
إن قمة الحكمة أن نسعى ونحاول مقابلة ثورة الرياح بمزيد من الصبر.. حتى تهدأ النفوس، وبعدها نستطيع أن نفكر بعقل ونتصرف بروية ورشد. وقديمًا قال الحكيم الذي حنكته تجارب الحياة:
"لا يستعان على نوائب الدهر إلا بعزائم الصبر"!.
فلنجعل (الصبر) لنا متكأ وبلسمًا، ثم يأتي الفعل أو التصرف بعد ذلك!
وليكن لنا في نبي الله يعقوب -عليه السلام- قدوة وأسوة، فعندما فقد ابنيه لم تضف إليه هذه المصيبة الكبيرة إلا إيمانًا بالله واقترابًا منه، وأملاً به لتفريج كربه "فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا" [يوسف: 82].
إنه في ذروة مأساته كان بلسم أمله، وفي عزّ شجنه كان جميلُ صبره.
وقد أعقبه الله فرجًا وفرحًا بعودة أبنائه واجتماعهم على البرِّ به، وتوحد شملهم ولقائهم تحت ظل جناحيه.. فسعدت نفسه، وطابت حياته.
متعة العطاء
>> إن مسح دمعة عن وجنة طفل، وقتل آهة في صدر مكلوم، وإزالة غصة عن قلب محزون، تشكل لمسات إنسانية تعطي مزيدًا من الارتياح الداخلي لنفوسنا، والسعادة لغيرنا.
إن الحياة مجبولة على تقلب الأطوار، ما بين فرح وحزن، ما بين سعادة ونكد.. "ومن عاش في الدنيا فلابد أن يرى من العيش ما يصفو وما يتكدر" لكن..!!.
نحن نســتطيع أن نغلِّب الجانب المشرق في الحياة على الجانب المظلم، عندما لا نجعل فرحتنا أنانية، وعندما نعتبر أي فرحة تتراقص في بيت محتاج لها إنما هي فرحة لنا، وعرسٌ لمشاعرنا.
تحضرني هنا كلمة لأحد سلفنا الصالح يقول فيها: "إنني أنام قريرَ العين في تلك الليلة التي أطعم فيها جائعًا، أو أزيل الهم عن مكروب". وذلك تصور رائع لمعنى الحياة من هذا الشهم، لأن الحياة تظل تافهة عندما نتمحور حول نفوسنا.
إن طلب الخير للآخرين لا يعني حرمان أنفسنا من الخير.. ولكنه يعني شمول هذه السحابة، وإمطارها على كل قلب وفي كل واد.
إن العائد الذي ينتج عن "فعل الخير" يبقى قبسًا في حياتنا، ويظل لمسة سعادة لا تفارقنا، ومهما تصورنا أن الناس ينسون ما يمنح لهم فإن الآثار الخيرة تبقى...
لنعوِّد أنفسنا على العطاء وعلى زرع الخير وعلى نشر المحبة بين الناس. إن الإنسان الذي يعطي هو الذي يملك كما يقول المفكر (أمرسون): "فلنملك الآخرين بالعطاء، بدلاً من أن يملكوننا بالأخذ".
آخر المرافئ
>> للشاعر د.منصور الحازمي:
"حواءُ حوّاءُ ما أحلاكِ مُلهِمة
رغم الحكاياتِ، رغم البعد والنكد
لولاكِ ما عَمُرتْ دنيا بساكنها
وما هفا الوردُ للغيْماتِ والبردِ
أنتِ الحياةُ بوجهيها محجَّبة
وما الفنون سوى عيْنيْكِ والغَيَدِ"
بين التعارف والتحارب
عندما هجر نفر من الأوروبيين قارة أوروبا كلها نحو الرصيف الأمريكي في غرب المحيط الأطلنطي، كانوا ثائرين على هيمنة الرأي الكنسي الواحد، وكذلك على الرأيين الاثنين عند اتفاقهما: الكنسي والإقطاعي. ضاقت أوروبا كلها بنواة العقلية الأمريكية المتشكلة وفق تعددية لم تُسبق في التاريخ. ونزح الثائرون على كل قيد إلى أرض الحرية، ليعيشوا من غير قيود، ولتتكوّن هناك دولة يقول فيها ويفعل كل فرد حسبما أوتي من قوة وعلم ومهارة، واستنُّوا لأنفسهم منهجًا ارتضوه، يقوم على أن لكل فرد الحق في أن يعبر عن رأيه بالطريقة التي يراها ملائمة، وأن له الحق في اختيار الحاكم، وفي إجــازة الأنظمة والوائــح، أو الاعتراض عليها، أو حلّها، لتتجمع آراء كل الأفراد، ولتفوز الآراء الأكثر بفرض هيمنتها على مجريات الأحداث.. ومضت السنون لتتعدد الآراء الفردية في أمريكا، ولتتطور قدرة الأمريكيين على استيعاب تلك الآراء، بقدر من هاجر من العالم كله نحو أمريكا. وصار ذلك كله، ليخرج المنتجان الأمريكيان الأكثر إشغالاً للعالم: الديموقراطية والرأسمالية، اللذان سادت بهما أمريكا معظم أجزاء العالم، لعقود خلت من السنين، اتصفت بالعمل الجاد الشاق الطموح، من أجل أن تكون أمريكا في أعين الأمريكيين خير أرض على وجه الأرض، ومــن أجــــل أن تكــون كــذلك - أيضًا- في أعين الآخرين من السود والسمر والصفر.ولأن مرحلة التأسيس للدولة الأمريكية كانت تتسم بطموح كبير نحو النبل المجتمعي، ومناصرة الأقليات، والمظلومين، وسماع كل الأصوات، واحترامها، صار لأمريكا ما تمنت، وسادت العالم فعلاً بما أبهرته به من منتجات تفتقت عنها العقلية الأمريكية، حتى أصبحت أمريكا مقصد المحتاجين، والمعوزين، والخائفين، ليجدوا هناك سد الحاجة، وفك العوز، والأمن على النفس والمال. وجاء التحول الدراماتيكي في العالم بسقوط القطب الشيوعي ليؤذن ببزوغ فلسفة جديدة للنظرة الأمريكية للكون والحياة، وهي النظرة التي لم تعد تحدها حدود أو تؤرقها عواقب، وشاعت ثقافة غير المحدود في العقلية الأمريكية نحو التميز، والتفرد، والسيادة، وفرض الرأي، حتى لو لزم الأمر فرضه بالقوة، والعنف طالما أنه لم يعد في العالم من يستحق أن تحسب له أمريكا حسابات كثيرة. فلربما كانت أمريكا تخاف من عقوبة الاتحاد الشرقي المتضخّم، كلما عنّ لها أن تحيد عن مظاهر العدل والمساواة والإنصاف واحترام موازين القوى الدولية، لكن الشرق سقط بعنف، وارتمى في أحضان الحضارة الغربية. وما سوى اتحاد الشرق الأكبر ليس إلا ما تملك أمريكا مفاتحه ومغالقه. ولأن المثقفين الغربيين والأمريكيين -بشكل خاص- تستهويهم نظرية السيادة الأمريكية، فقد انبروا لتمجيد حضارتهم، وخرجت نظريات (وليس فقط نظرية) لصراع الحضارات، والتي مثلت فيها (أمريكا) قطبا و(غير أمريكا) قطبا آخر مواجها ومهددًا بظهور حضارة مناوئة للحضارة والهيمنة الأمريكية، وعملــت -كما يبدو- دوائر الاستخبارات الأمريكية على فحص العالم والنظر إليه من هذه الزاوية: زاوية النبل والتفرد الأمريكي وأهليته لسيادة العالم، في مقابل كيانات بشرية أخرى ليس لها أن تنعم بالعيش في هذا العالم ما لم تكن في أحضان الحضارة الأمريكية. ووقعت السياسة الأمريكية في منزلق السيادة، وأي منزلق. ما إن بدأت سنوات تسعينيات القرن العشرين حتى ظهر للعالم تمرد أمريكي من نوع جديد، قوامه التجويع الاقتصادي، والتلويح بالآلة العسكرية المهيبة. وينتهي القرن العشرون لتنتهي معه -أو هي كادت- الأسطورة الأمريكية للعدل والمساواة والسلام، ولتبرز -بقوة- ضلالة البشر عندما يقوده الهوى، فتقسم أمريكا العالم إلى قسمين: (مع أمريكا) و(ضد أمريكا)، ويأتي الرد الأسرع من المستنقع الباعث للقسمة الأمريكية نفسها: القاعدة، حينما قسمت العالم إلى فسطاطين: الإسلام، والكفر. ولأن أمريكا دولة مؤسسات فقد احتاجت إلى أربعة قرون لتدخل هذا المستنقع الخطير، أما القاعدة البائدة، فلم تكن سوى أفراد، ولذلك لم تحتج أكثر من أربع ساعات -ربما- لترد باللغة نفسها. ويدخل العالم رحلة جديدة من الصراع الذي لن تستطيع أن تؤمِّنه أمريكا إن هي بقيت على سياستها الثنائية، ولن تتمكن أي حضارة أو ثقافة أخرى أن تُقنع العالم بعدالة القضية إن هي نظرت إلى العالم على أساس من نظرية الفسطاطين. سياسة (إن لم تكن معي فأنت ضدي) مهلكة تتقزّم أمامها عظمة الكبار من أمم الأرض، وتهون فيها كل أمة على الأخرى، لينقلب العالم إلى ساحة للفساد والثأر والخراب، بالقدر الذي لن يدع الخراب شيئًا إلا ويأتي عليه. لن يصلح آخر هذا الزمان إلا بما صلح به أوله، ولم تسُد حضارات الدنيا منذ الحضارة الفرعونية إلى أن أتت الحضارة الأمريكية، مرورًا بالحضارات كلها ومن أعظمها الحضارة الإسلامية، إلا بمركبات العدل والمساواة والعمل على أساس من التمايز والتغاير. ولم تتداعَ كل تلك الحضارات السابقة، ولم توشك على الانهيار الحضارة الأمريكية إلا عندما فقدت -أو هي كادت أن تفقد- مركبات سيادتها الأولى. والعالم اليوم رهين بعقلائه، الذين يعلمون أن الله قد خلق الناس شــــعوبًا وقبـائل ليتعارفوا، لا أن يتحاربوا ويقتل بعضهم بعضا، ويستبيح بعضهم حرمات بعض.
مركب الحب!! أبحرتُ مالي غيرُ حبكَ مركبُ وضللتُ مالي غيرُ ضوءِكَ كوكبُ
وسئمتُ مالي غيرُ أُنسِكَ سُلوةٌ وعطشتُ مالي غيرُ غوثِكَ مشربُ
يا من علا فوقَ السماواتِ العُلى لكنه من نبضِ قلبي أقربُ
يا من تُقِرُّ له العوالمُ أنه لجميعٍ أسباب الوجودِ مُسببُ
يا من تقومُ الكائناتُ بأمره وإذا حكمتَ فليس ثَمَّ معقبُ
العين دون سناك يخبو نورهاوالقلب دون هداك قفر مجدب
والكونُ إن لم تحنُ سجنٌ ضيقٌ والسجنُ لو تحنو فضاءٌ أرحبُ
والعيشُ دونَ رضاكَ مُرٌّ علقمٌ والموتُ كي ترضى ألذُّ وأعذبُ
ذكراكَ لو سُلبت من الأعماقِ هل يبقى من الأعماقِ شيءٌ يُسلبُ؟
إن كان من ينساكَ منا خائبًا إن الذي تنساه منا أخيبُ
أشفقتُ منكَ وأنتَ وحدك ملجئي منكَ التُقى وإليك أنتَ المهربُ
أنا مذنبٌ حقًا ولكن يا تُرى مَن مِن عبادكَ سيدي لا يذنبُ؟
اِقبَل مُحبًا عندَ بابكَ لم تزَل عيناهُ من دمعِ الصبابةِ تَسكُبُ
أنتَ الملاذُ فإن تذرني في الدُجى وحدي فلا أدري إلى من أذهبُ
إن لم تهَبْ لي نظرةً ليتَ التي قد أنجبتني قبلُ لم تَكُ تُنجبُ
يا ليتني ما كنتُ غيرَ قُصاصةٍ في ساحةٍ مهجورةٍ تتقلبُ
أو ريشةٍ في عرضِ بحرٍ مظلمٍ باتت تُشرقُ تارةً وتُغربُ
إن كان لا يحظى بقربكَ مذنبٌ أسواك ربٌ يرتجيه المذنبُ؟
جسدي الشقيُّ ولو عصاكَ فإنما ذراتُه لك تستكينُ وترهبُ
ما نبضُ هاتيكَ العروقِ سوى صدى تسبيحةٍ لكَ في دمي تتذبذبُ
يا من يفيضُ على الصدورِ مسرّةً وبأنسِه تسلو النفوسُ وتطربُ
يا من كسا وجه الحياة طلاوةً وبضوئهِ خدُّ السماءِ مخضبُ
والأرضُ من أبهى الورودِ توشحتْ والريحُ توّجَه العبيرُ الأطيبُ
والبحرُ طرّزه الشروقُ جواهرًا فأراقَ من دَمِه عليها المغربُ
ما أجملَ الدنيا إذا جمّلتها يا من مَعينُ جمالِه لا ينضُبُ
ما أبهجَ الأيامَ حين تنيرُها
فبغيرِ نورِكَ كلُّ شيءٍ غيهبُ
حسبي هناءً أنني بكَ عارفٌ
هل من هناءٍ بعد هذا يُطلبُ؟
حياتنا كما نتمنى أن تكون
نحن نصنع في رواياتنا ما لا نستطيع أن نصنعه في حياتنا. لو تمكّن كل روائي من أن يفعل في حياته ما يريد لما اكتظت المكتبات بالروايات. يخطئ الذين يعتقدون أن الرواية سيرة شخصية، الشعر هو حياتنا، أما الرواية فهي حياتنا كما نتمنى أن تكون.
لم أدك قلاع الرواية بعد، بل ولم أجدّف في بحرها اللجي، أو أعبر محيطها، حتى أقرر ما إذا كان.. الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي صادقًا في عبارته هذه الواردة على لسان (يعقوب العريان) بطل روايته (رجلٌ جار.. وذهـب) الصادرة عن دار الســاقي 2002م.
وأظن أني فاشلة لو ولجت معترك الصحافة، وعرضت المقولة على زمرة روائيي المنطقة والخليج العربي لأستطلع مدى مقاربة ما جاء فيها للواقع..؟ وهل هم في رواياتهم يتطرقون لما لا يستطيعون صنعه في حياتهم.. لدرجة أن العلة في اكتظاظ المكتبات بالروايات هو الفضفضة، وإطلاق العنان لما يتمنونه أن يكون في حياتهم، وعجزوا عن فعله..!!
نور الهدى
08-08-2004, 07:43 PM
كقاصة متواضعة العطاء أجد أن مساحة القصة رحبة، واسعة، ومفتوحة لأن ألج عوالم لم ألجها من قبل، وأجتاز حدودًا لم يتمكن لي اجتيازها ما لم أبرز جواز سفر، أو (تأشيرة) أي إذن دخول من الجوازات. ü ü üأمارس حريتي في ارتكاب ما شئت من أخطاء، وعثرات، وهفوات في صيغة ضمير الغائب، أو المتكلم.. وصيغٍ شخوصٍ أخرى.. في سياقٍ (منولوجي) خاص.. أو (ديالوجي) عام.. استنطق من شئت.. وألجم لسان من شئت.. أعلي قدر ذاك.. وأقلل من شأن الآخر من شخوص قصصي.. قد أتجاوز الخطوط الحمراء، وأحكم بموت البطل.. وذلك جميعه يأتي به كل قاصٍ بأسلوبه، وحبكته..!!
في بداية القصة، ونهايتها، وأحداث منتصفها.. يسهب في الخيال الممزوج بالواقع، ويتمادى في الواقع المطعم بالصور البديعة، والجناس، والطباق.. وقد يحلق في سماء اللغة الشاعرية.. ويتقمص الأحداث حتى السكر..
لكن.. هل هو هنا يفعل ذلك لشعوره أنه عاجز عن صنع أشياء في حياته، فقرر تسجيلها في قصته كما قرر الروائي (يعقوب العريان) بطل رواية القصيبي آنفة الذكر. الرأي يمثل (يعقوب العريان).. وقد يمس جزءًا من قناعات القصيبي.. وربما لا.. ولو سلمنا جدلاً بمصداقية الرأي.. فهل الروائي هنا ناقم على عدم تمكنه من صنع أشياء في حياته، فصاغ روايته (النوم مع السراب) يلوك الأسى؟؟ أم أنه يرى في عدم استطاعته تحقيق ما يود أن تكون عليه حياته حرمان خيرٍ شرّع أبواب الرواية في وجهه، فدلف بوابتها مبدعًا..؟؟! في مكان آخر من الرواية قال (يعقوب العريان): "نحن نصنع بخيالنا ما تمنعنا طبيعتنا من عمله". أمرٌ طبيعيٌ لا جديد فيه.. ولكنه -كما أسلفت- يمنح المحروم نعمة الولوج من خلال بوابة الأدب ممتطيًا صهوة الرواية، والقصة لسعة مساحتها، وخلوها من حدود الوزن والقافية التي قد تشكل عائقًا للمبدع الشاعر يقيده بحدود ينبغي أن لا يتجاوزها. ü ü ü
مهما كان سبب تدفق الروايات.. وتشعب أساليبها.. وتنوع مادتها.. وتعدد فكرتها.. وكثرة كتابها.. فإنها تظل النكهة التي لا تشبه سواها.. ويظل القارئ النهم يتتبع إصدارات كتّابها.. ويضيّق الخناق على مؤلفيها إذا نفدت طبعتها قبل أن يحصل على نسخة منها فيرغمهم على إهدائه نسخة أو صورة منها.. فكيف به إذا أسهب الكتاب في قراءة نقدية، أو انطباعية لرواية من الروايات، لم توزع بعد.. أو وزّعت بمستوى ضعيف.. وأغلق الروائي المؤلف نوافذ الاتصال به؟؟!!
مشاكس
08-10-2004, 02:03 PM
اهلا يا هبه
يا اختي براحه علينا شويه
عشان نقدر نقرأ . إلا هسع انا نسخت الموضوع في الجهاز عشان أقراه على رواقه
وأنتظري الرد
تحياتي لكي
صلاح مامون
10-04-2008, 07:24 PM
ألا يا نسمة الفجر
أثرت الشوق في صدري
حملت رسالة كتبت
بماء الورد والزهر
من الأحباب قد وردت
وفيها النثر كالشعر
صحوت على قراءتها
فضج الجو بالعطر!
Powered by vBulletin Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd